الأخبار
أخبار إقليمية
استخدام الأفكار
استخدام الأفكار
استخدام الأفكار


12-12-2015 02:44 PM
أمير تاج السر
كتب لي أحد المتابعين للفنون، في الأسبوع الماضي، يسألني إن كنت شاهدت فيلما سينمائيا معينا، لأن فكرة إحدى رواياتي، التي قرأها، تشبه فكرة الفيلم، وإن كانت معالجتها بعيدة عنه.
في الحقيقة، لم يعد تشابه الأفكار، أو تناصها كما يطلقون عليه، في النقد، مشكلة ضخمة أو عائقا كبيرا أمام الإبداع، لكي ينطلق، ومعروف أن الأفكار ومهما كثرت وتشعبت، تبقى محدودة تماما أمام تفرع الإبداع وانتشاره، والفكرة التي تتوقد في ذهن روائي من أمريكا اللاتينية، أو شرق أوروبا مثلا حين يلمح امرأة عجوزا تقود دراجة، في الطريق العام، قد تتوقد في ذهن روائي من بلاد العرب، شاهد منظرا آخر مختلفا تماما، لكن منحه الفكرة نفسها.
هناك أحيانا تشابه مقصود، أي أن كاتبا معينا، تعجبه فكرة التقطها كاتب آخر، وعالجها في نص، أو فكرة فيلم شاهده ذات يوم، فيقوم بكتابتها، وطبعا بأدواته الخاصة، وأسلوبه الذي يميزه، بحيث تبدو جديدة تماما، ولا ينتبه لها سوى المتابعين المتمكنين. هذا ليس عيبا ولا قصورا من الكاتب بالتأكيد، ولكن تأثرا بالجمال الموجود من حوله، أو انبهارا به، وإعادة إنتاجه في نص يحس به مناسبا، وتبدو قصة مثل: ملعون ديستوفسكي، للأفغاني: عتيق رحيمي، الذي وظف فيها قاتلا، شبيها بما ورد في الجريمة والعقاب لديستوفسكي، تأثرا مقصودا، أو لنقل، تشخيصا آخر موازيا للجريمة والعقاب.
هناك التشابه غير المقصود، وهو ما يمكن أن يزحف من العقل الباطن للمبدع بخصوص فكرة ما، تعرف إليها ذات يوم، ويتجسد في نص جديد، وهو أيضا عمل مشروع، ولا ينتقص من قدر المؤلف شيئا بالتأكيد.
وتبقى مسألة كتابة فكرة لم يشاهدها المؤلف في فيلم، ولم يقرأها ذات يوم، في كتاب، وهذا مشروع جدا، وكما قلت فالأفكار ليست ملكا لأحد ليقوم بسجنها، وتقسيمها لهذا وذاك في شكل حصص، وعلى كل صاحب حصة أن يستخدم حصته فقط.
بالنسبة للحوادث الكبرى التي تحصل في الدنيا، مثل نكبة فلسطين، وحرب 67، وحرب اكتوبر اللاحقة، في مصر والثورة المهدية في السودان، والربيع العربي مؤخرا، في عديد من الدول، والحروب والمجاعات التي حدثت في العالم كله في أزمنة مختلفة، وما زال بعضها يتكرر باستمرار… هذه الأشياء الكبرى، توحي بأفكار قيمة، موضوعة في الخزانة العامة للأفكار، وقد تغري كثيرا من أصحاب الأقلام، والكاميرات والرسامين بإعادة إنتاج شيء منها، ونحصل في النهاية على جنون كثير أو قليل، أعمال متقنة وأخرى مفتعلة، تلاحم هنا، وتفكك هناك، وهكذا، وكله يصب في فكرة مستلفة من صندوق الأفكار العامة.
الثورة المهدية في السودان، تلك الثورة ذات الصبغة الدينية، التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر، ضد الاستعمار الإنكليزي، وكانت بمثابة تغيير جذري في تاريخ السودان، تناولها كثير من الكتاب والمؤرخين، وحين تقرأ تلك الحصيلة، تعثر على المهدية في نص لي، ونص لحمور زيادة، ونص لجمال محجوب، وقطعا لكتاب آخرين في السودان، لم نسمع بهم بعد، فقط المعالجة تختلف. المهدية واحدة وما فعلته في البلاد من تغيير سلبي أو إيجابي، تاريخيا واحد بلا شك، لكن أنا أنصفها مثلا وغيري يذمها وثالث يجد لها العذر أحيانا ولا يجده أحيانا أخرى، وحتى الكتب التي صاغها أجانب، كانوا موجودين في السودان تلك الأيام، وانجرفوا في تيار المهدية، تجد داخلها اختلافات كثيرة، بالرغم من أنها تتعرض للمشاهدات نفسها.
ثورة يوليو الكبيرة، في مصر قرأناها كتبا سيرية، وروايات، وشعرا وشاهدناها دراما تلفزيونية وأفلاما، هي ثورة يوليو نفسها، وفقط تنوعت قراءاتنا ومشاهداتنا تبعا لذلك التناول المختلف من فرد مبدع لفرد مبدع آخر.
في أحد الأيام كنت أشاهد فيلما سينمائيا، نسيت اسمه، وكان عن شاب طيب يعمل موظفا في بنك، والتحق مصادفة بدورة تدريبية يقدمها رجل ملتح، وكانت بعنوان: قل نعم. إنها ببساطة فكرة أن لا تكون فظا ومعقدا، وتعقد الأمور باستمرار، لدى من يطلب المساعدة، سواء كان ذلك في البيت أو العمل أو الطريق العام. نعم المطلوبة، هي رمز للتسامح وتقبل الآخر والسعي معه لحل مشكلته إن كانت مادية أو معنوية. ونعم، هي أيضا رمز لازدهار صنعتك إن كانت لديك صنعة ولاستقرار عائلتك إن كانت لديك عائلة. هكذا فهم موظف البنك الشاب، ماذا تعني: نعم، وكيف سيقول نعم إن واجهه خيار أن يقولها أو يقول لا التي هي عكسها. امرأة شبه عمياء، تطلب مساعدته لعبور شارع خطر.. نعم.. ويمسك بيدها، بكل لطف، إلى الجانب الآخر.. جار يطلب منه المساعدة في دفع سيارته القديمة المعطلة، فلا يتأفف.. نعم، وتدور عربة الجار، وفي قسم القروض في البنك الذي كان يديره بجفاف وقسوة وحسابات تجارية محضة، لسنوات، وتبدو لا الرفض حاضرة في أي وقت، ونعم.. القبول بلا هوية، تقريبا، يجلس ساعات يفكر، ثم يقوم بتوظيف نعم الإيجابية، نعم الطيبة في كل الطلبات المؤجلة، وفي غضون وقت قليل ازدحم البنك بالعملاء، وازدهرت أعماله، ونال صاحب النعم الإيجابية، ترقية ومكافأة.
هذه كانت الفكرة الرمز، وأظنني وجدتها فكرة عظيمة، لأنها جلست في ذهني سنوات، كما يبدو، وذات يوم كتبت شخصية: قسم السيد محارب، الرجل الطيب حامل النعم الإيجابية، التي يوزعها حتى للقطط والكلاب الضالة، وواجه بسببها مآزق كثيرة. هو هنا حارس أمن في فندق كبير، ولا علاقة له بالبنوك، وبيئة السودان وأفريقيا لا تشبه بيئة أمريكا بالطبع، ورواية تعاطف التي كان بطلا لها، لا تمت للفيلم السينمائي بصلة، فقط فكرة كبرى كانت جيدة، ويمكن استثمارها عشرات المرات، كما أعتقد.
هناك أفكار طريفة مثل أن يستفيد المؤلف من عمل له شخصيا، كان ناجحا ويعتقد أن استثماره سينجح أيضا. كأن يكون الكاتب قد رسم شخصية معينة بعناية، ووظفها في نص، ثم قام باستلافها من أجل نص آخر. أو يقوم بكتابتها بنفس الفكرة الأولى في نص آخر مختلف المعالجة. أظن أن الأمر هنا قد يلفت النظر وسيأتي من يتساءل بكل براءة: أليس للكاتب أفكار أخرى؟
أليس له شخصيات جديدة ليكتبها؟
أظن أن الأمر في النهاية محاولات من الناس، وخاصة المبدعين منهم، للتعبير عن إعجابهم بأفكار موجودة في المجتمعات، إما واضحة جدا بحيث لا يكلف انتشالها وقتا، أو جهدا، وإما مدسوسة تحت كومة أفكار أخرى وتحتاج مغرفة إبداعية لانتشالها. ويقيني وبالرغم من أن فكرة الصراع بين الشرق والغرب أو بين أوروبا والعالم العربي الإسلامي، فكرة تكاد تكون تعبت من كثرة استخدامها بواسطة روائيين كثيرين، إلا أنها تقوم وتستيقظ وتنتعش كلما قام بتنشيطها كاتب جديد. «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس لا تشبه «عصفور من الشرق» للحكيم، و»موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح لا تشبه الروايتين السابقتين وهكذا.
إذن أرد على الصديق الذي تذكر فيلما سينمائيا حين قرأ رواية، أنه بلا شك لم يجد تشابها لكن وجود الفكرة في العمل الإبداعي المكتوب والمرئي، منحه شعورا خاصا: أنهما يتشابهان

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 688


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة