الأخبار
أخبار إقليمية
الهندسة الزراعية.. محاولات جادة لبعث مجد صناعي غابر.. إعادة أمل



12-13-2015 04:59 PM
عسلاية - محمد عبدالباقي
لو تم وضع الصناعة المحلية بجملتها أمام منظار تحليل، فحص، تكبير أو أي نوع من المناظير التي تسخدم في العالم، سمِّه ما شئت لأُقيم مأتم عزاء بمساحة المصانع التي كانت فخراً سودانياً لوقت قريب.. ومن البلاهة بمكان طرح سؤال عن ما آلت إليه هذه المصانع، دون الجزم بأن التاريخ لم يذكر شعباً جلس القرفصاء يتفرج على انهيار بنيان شيَّده بعرق كده ويده، كما فعل المجتمع السوداني.
هذا اتهام لا يقبله أولئك الذين ينصبون بجوارهم شماعات (إذا جاز الوصف) يعلقون عليها الإخفاق العام والفساد- أعني الفساد الشامل للأشياء بمسمياته المتعددة – أينما رأوه، لكن لابد من التأكيد دون نفي على جملة أسباب معروفة أن عقلية الفرد، العامل، الموظف، المدير، أي منهم، له دور لا تخطئه العين في التدني المريع والسير عشرات الأميال للوراء بالصناعة المحلية، هذا لا يحجب ضوءاً في عمق العتمة ترفعه أيادٍ على قلتها تعمل بتفانٍ من أجل إرضاء ضميرها ورفعة للوطن.
تاريخ مشرق
من يتكبد عناء البحث في أضابير الوثائق القديمة، خاصة الصور منها تتقزم نفسه في داخله ويشعر بالوضاعة.. حيث يُبين إرشيف صور السودان القديم أن رجالاً ونساءً فتتوا عضد المستحيل وشيدوا صروحاً شمخت في أفريقيا والوطن العربي قبل خمسين عاماً منحت السودان كمكان أكرر كمكان فقط، سمعة بثت الرعب في قلوب الأمم الناشئة حينها والتي سبقتنا اليوم بمسافات تجعل اللحاق بها وتجاوزها عسيراً، لكنه ليس مستحيل لذوي الإرادة الحرة والعزيمة، تكشف الصور التاريخية عن إصرار أصحابها حين كانوا يقفون بجوار آليات داخل المصانع بعد أو أثناء إنجازهم بكل جدارة للمهام التي أُوكلت لهم في وقتها، ولهذا كان اسم السودان عظيماً في الأفواه عجمية وعربية.. ولازالت ذكرى ريادته في صناعة السكر مطلع القرن الماضي تثير أشجان دول منها الهند والبرازيل وتايلاند وجنوب أفريقيا كانت تصبو للاستفادة من تلك الخبرات السودانية، ها هو العكس يحدث، فأصبحت كل البيوت السودانية تفتتح يومها وتختتمه برطل سكر وارد من واحدة من هذه الدول.
حلول مبتكرة
دع المناحة جانباً، فالأمم العظيمة هى التي تخرج من كبوتها وترتاد المعالي..هى التي يتحسس القلة من أفرادها مكامن الجرح ويضمدونه دون أنين.. هي التي يسهر بعض أبنائها على راحة جسد وطن أثخنته جراح الإهمال.. وعن هؤلاء القلة نتحدث أدناه ونشد على أيديهم وننحنى لهم إجلالاً.
الحاجة أم الاختراع، هذه قاعدة محفوظة على ظهر قلوب الجميع ومنهم بالتأكيد المهندس خضر محمد أبكر مدير الإدارة الزراعية بمصنع سكر عسلاية الذي دفعته الحاجة (عندما نذكر المهندس خضر كمدير للإدارة المعنية، نعني بهذا الاسم عشرات الكفاءات يعملون معاونين له في أقسام عدة) لابتكار حزمة حلول لمعضلات وقفت حجر عثرة أمام الجهد المبذول للارتقاء بالإنتاج وتقليل التكلفة داخل مصنع سكر عسلاية، أولها حاميات المبيد غير الاختياري.. وأهمية هذا الابتكار تمثلت في خفض تكلفة الإنتاج بحسب المهندس خضر محمد بصورة مقدرة، حيث كان يتم استيراد مائة حامية سنوياً بقيمة خمسة وعشرين دولار للحامية الواحدة فعكفت إدارته على تصنيعها محلياً فتم إنتاجها بمواصفات تجاوزت المستورد في الأداء ولم تتعدَّ تكلفة الواحدة عشرين جنيهاً فقط . ويُجمل المهندس خضر محمد عملها في أنها قللت من العمل اليدوي، ووفرت حماية كبيرة للمحصول من رذاذ المبيد بحصره على الحشائش فقط دون أن يتضرر منه المحصول، عكس الحاميات المستوردة، بالإضافة إلى ذلك أنها تمنع إنبات الأعشاب لمدة زمنية تتراوح بين شهرين لثلاثة أشهر، وإذا تمت إزالتها يدوياً تعاود الإنبات بعد النظافة بأيام قليلة.
تمادٍ في الإنجاز
ابتكار ثانٍ لا يقل أهمية عن الأول ابتدعته عقول سودانية داخل مصنع سكر عسلاية تمثل في تصميم كناسات لمخلفات القصب أثناء عمليات الحصاد.. وبمعني أدق لم يتم تصميم تلك الكناسات على حد تأكيد المهندس خصر محمد أبكر بالكامل، بل تمت إعادة تصميمها محلياً من مواد محلية وفقاً لشروط محددة فجاءت بذات كفاءة المستورد، وبدورها منحت ميزات كبيرة تمثلت في تقليل تكلفة الإنتاج وساعدت في سرعة إعادة إنبات الخلفة المعروفة وسط الزراعيين بعملية تأسيس الخلفة، واليوم تستخدم في جميع أجزاء مشروع سكر عسلاية بمنتهى الكفاءة والدقة. إعادة أمل ثالثة ابتكرتها أيادٍ ماهرة وعقول متفتحة لذات الغرض المتمثل في خفض التكلفة وزيادة الإنتاجية هى السمادات الأمريكية الشهيرة التي عرفتها مشاريع زراعة قصب السكر في مطلع الثمانينيات وتوقف استيرادها جراء المقاطعة الأمريكية فتم تصنيعها لتنجز ذات المهمة وهى تسميد مساحة ما بين (70-80) فدان في اليوم دون نقص، وهذا العمل وفر مبلغ مُقدر هو قيمة السمادة التى كان يتم إستيرادها من الخارج باليُورو في الوقت الذي يحتاج فيه المشروع بأكمله لعدد ما بين (2-3) سمادات.

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 826


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة