الأخبار
منوعات سودانية
عامان على رحيل السوداني متعدد المواهب
عامان على رحيل السوداني متعدد المواهب
عامان على رحيل السوداني متعدد المواهب


بعيداً عن الأرض التي أحبها فمنحته موت الغربة وكفنته بالثلج
12-19-2015 09:45 PM

الخرطوم - الزين عثمان
التاسع عشر من ديسمبر، التاريخ يخبرك بمرور ستين عاماً على انعتاق الوطن من براثن الاستعمار. بعيداً يخرج الصوت (هنا القاهرة).. قد لا يبدو للأمر علاقة بتاريخ الاستعمار، ولكن المناداة الجديدة عمرها عامان.. هنا القاهرة؛ حيث الشتاء الباعث على التجمد، وهنا أيضاً ثمة من يقطع الأرصفة على طريقته.. كعادته خرج الفنان الشاعر والروائي محمد حسين (بهنس) إلى الطرقات بحثاً عن الدفء، ولكن كانت النتيجة: (إن باطن الأرض أكثر دفئاً من ظاهرها). مات صاحب الثلاثة والأربعين عاماً على قارعة التجاهل، تكوّم ذلك الشاعر، وترك الثلج يُكفّنه في أحد شوارع القاهرة. اليوم تعبر عامان على رحيل السوداني متعدد المواهب بعيداً عن الأرض التي أحبها، فمنحته موت الغربة وكفنته بالثلج .
محمد بهنس.. ابن السودان الطيّب الكريم، كان يثق في كرم الثلج، يُفضّله على حياةٍ يتسوّل فيها ركناً دافئاً في قلوب الغرباء، ميتةً كريمة، لا يمدّ فيها يده لأحد. يده تلك التي لم تكن تصلح سوى للعزف وكتابة الشعر.. بهذه الكلمات نعته الكاتبة العربية ذائعة الصيت أحلام مستغانمي.
مثلت تغريدة أحلام واحدة من التغريدات التي أعقبت الرحيل المأساوي للمبدع السوداني، كما أنها مثلت تكراراً لاتهام الإهمال الرسمي بأنه كان السبب في الموت على هذه الشاكلة، وهي ما تتكامل وتفاصيل الرحيل التي اجترتها وسائل الإعلام المصرية والعالمية حول وفاة (بهنس). وتقول الرواية إن بهنس لفظ أنفاسه الأخيرة بالقرب من مسجد مصطفى محمود في القاهرة، قبل أن يتم نقله إلى مشرحة (زينهم)، ومنها إلى الخرطوم حيث وُوري الثري في أم درمان، التي شهدت طفولته الأولى ودرس في أحد اعرق جامعاتها أم درمان الأهلية، ويرجع البعض عملية نقل جثمانه إلى الخرطوم الى الدور الكبير الذي لعبه حسن بكري مع سودانيين آخرين في القاهرة، خصوصاً وأن بهنس كان يقيم في القاهرة دون جواز سفر، وهو ما جعل من عملية حمل جثمانه على درجة من الصعوبة، قبل أن يتم حلها ويحمل في صندوق استقبله المشيعون في المطار ومن ثم إلى المقابر، ولكن التراب الذي انهال على الجثمان لم يكن ليغطي على الأسئلة المتلاحقة حول لماذا حدث ذلك أو ما كان بالإمكان تجاوز ما كان؟، ومؤكد أسئلة أخرى تعلقت بتواصل السودانيين في ما بينهم ومدلول التحولات الجديدة.
لم يكن رحيله بتلك الطريقة ليمر مرور الكرام، حتى انفتحت جراءَه أبواب النقاش على مصاريعها. نقاش حول الواقع الذي يعيشه المبدعون وتعاطي الجهات المسؤولة معهم. بل إنه فتح أبواب الأسئلة حول التعاطي ما بين الدولة ومواطنيها في الخارج، معيداً للأذهان سؤالاً: ما هي مبررات التأخير الرسمي في ما يختص بقضايا السودانيين خارج البلاد؟، قبل أن تعيد مصر التي مات فيها بهنس الصورة مرة أخرى مع مشهد المضايقات الأخيرة لسودانيين وارتفاع صوت النقد، وهو ما لم يكن يحدث في أوقات سابقة مفارقة أخرى أن ذاكرة بهنس الثانية تتزامن ووفد سوداني آخر يطأ أراضي البلاد مجبراً، والإشارة هنا للعائدين من الأردن من اللاجئين، عقب صدور قرار بإعادتهم فوراً، ومع أحداث شهدت بعض التجاوزات من القوات الأردنية في عمليات الترحيل، وقال البعض إنها تخالف حتى قواعد القانون الدولي بصراخاته الإنسانية.
رحل صاحب رواية (راحيل) فاتحاً اللوحة أمام لون قاتم السواد، في ما يمكن أن يأتي غداً، وفاتحاً معه أبواب التلاوم بين سودانيي القاهرة حول الطريقة التي غادر بها، غريباً عن كل شيء، وكأنه أهداهم الفوضى ومعها شجار طفلين في ساحة روضة، وكأنه أهدى غربتهم هتاف الموتى وصمت التربة. اللوم لم يتوقف عند سودانيي القاهرة وإنما عبر إلى سودانيين آخرين يشاركون بهنس ويشاركهم الانتماء لهذه الأرض بعذاباتها.
(المتمرد) ربما هو التوصيف الأمثل لصاحب الثلاثة والأربعين عاماً، فحياته القصيرة كانت ملأى بالنشاطات الكبيرة، فهو مولود في أم درمان وتلقى تعليمه فيها، قبل أن ينخرط طالباً في جامعة أم درمان الأهلية ويتركها ذاهباً إلى باريس، حيث أقام عدة معارض للتشكيل قبل أن يعود إلى الخرطوم ويملأ شوارعها بالحياة والفن والإبداع، ومن ثم يتركها في موسم الهجرة إلى الشمال من أجل إقامة معارض أخرى في قاهرة المعز، ولرسم لوحات لكن لوحته الأخيرة كانت لوحة للحزن غير المتناهي، تتداخل فيها الألوان بين الخاص والعام، بين الوطن والغربة والفقر لزول غني بكل شيء، الإبتسامة المرسومة في نيل من الأحزان، وبضع هدايا ولحن يأتي غارقاً في حزن الأرض (بهديك حزنك وستات الفول أثناء الخمشة بعد إذنك.. بهديك إحباطي، حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي.. بهديك الليل البين جبلين فقدك لقى دين.. بهديك طلة لبيوت الخيش وخيم تفتيش وأسواق أرخص ما فيها حليفة الله.. بهديك متمرد والنيل في الجركانات باعوهو برد.. بهديك ولا شي، واقطع وديان السهو مشي).
عامان مرَّا، ويحتوي تراب أم درمان جسد بهنس، وتضيق أم درمان نفسها من الأسئلة التي تظل بلا إجابة، هل كافٍ بأن نسميها مدينة المبدعين ليعيشوا هم في ظلها الممدود؟ وأين ينتهي هذا الظل نفسه، وهو لا يقي صاحبه لهيب شمسها الحارق، ولا يوفر له غطاءً من زمهرير بردها، وإن بقي سؤال آخر فهو أن بهنس البلاد الكبير مات مكفناً بالبرد في يوم ميلادها، وأنه في اللحظة التي كان فيها إسماعيل الأزهري والرعيل الأول يجهزون سارية البلاد لرفع راياتها، كانت الراية تنتكس في مكان آخر حين لم ينجح قماشها في منح أبنائها الدفء المنتظر
اليوم التالي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2141

التعليقات
#1387907 [siddig elshaikh hamad Elneel]
0.00/5 (0 صوت)

12-20-2015 11:00 AM
يؤثرون الموت برداً على دفء العشيرة والأهل لأن عشيرتهم تلتحف اللهب

[siddig elshaikh hamad Elneel]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة