الأخبار
منوعات سودانية
شهادات من الناقد والروائي عيسي الحلو في ملتقي الإمارات للإبداع الروائي الشارقة عام 2013
شهادات من الناقد والروائي عيسي الحلو في ملتقي الإمارات للإبداع الروائي الشارقة عام 2013
شهادات من الناقد والروائي عيسي الحلو في ملتقي الإمارات للإبداع الروائي الشارقة عام 2013


في حوار مع إذاعة سلطنة عمان2-2 ..
12-22-2015 04:00 PM
إعداد: نور الدين علي ساتي

نعم، الرواية مهمتها كشف هذا الواقع، أي ما هي الصورة الحقيقية لهذا الواقع ؟ وهنا لا أعني الصورة الخارجية، ما هو معنى الموضوع الذي اختاره وأعالجه؟ عن ماذا تكشف الخلاصة و المغزى في العمل الادبي؟ ما هو البعد اللامرئي للعمل الفني ؟ هنا يكون للأدب صلة بالفلسفة و التأمل. لذلك نجد قصص ما بعد الحداثة هي قصص تفكيكية. تفكك الواقع إلى أجزاء وتنظر فيه، وقد لا تصدر حكماً. الفن الآن هو فن تفكيكي لكل الظواهر، وهذا عمل فلسفة، كيف نقبل مسلمات؟ ولماذا تكون الرواية هكذا؟ إن الرواية التي نعمل عليها الآن هي رواية القرن التاسع عشر. كل عمل نجيب محفوظ مبني على تطور الرواية الاوربية في القرن التاسع عشر، حينما نأخذ رواية (السراب) نجدها مبنية على مدرسة التحليل النفسي التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر. حينما نأخذ روايته الثلاثية: (قصر الشوق) و(السكرية) و (بين القصرين) نجدها مكتوبة على غرار أو طريقة تناص بينه وبين توماس مان الألماني صاحب رواية (أسرة بودنبروك) الذي اخذ أسرة وبدأ يتابع مصيرها. ما أريد أن أقوله أن الرواية أي كانت، التي نسميها الرواية المستقرة أو الكتابة المستقرة التي اتفقنا عليها وأصبحت سائدة ولها سلطان وجالسة على كرسي الحكم. إذا أنتج أحدهم راوية مفارقة عن هذا الخط تكون رواية سيئة، لأنها غير مكتوبة بالطريقة التي اتفقنا عليها. وهذا حجر على حرية الإبداع بصورة مخيفة.

*في معرض إجابتك استشهدت ببعض الروايات السودانية التي وصفتها بأنها تحليل مثلاً علم نفس اجتماعي، وهذا يحيل إلى سؤال كنت قد أعددته لهذا الحوار عن رأيك في المشهد الروائي اليوم في السودان، وهل تغيرت تلك الفكرة النمطية لدى القارئ العربي أن السودان ليس فيه روائي إلا الطيب صالح؟
أنا قلت كلاماً أغضبهم جداً.
*أغضب من؟
أغضب كل كتاب الرواية السودانية. أنا قلت ان الطيب صالح يمثل سقف الرواية السودانية. وكنت أقول ليس من المعقول ان أحسن رواية سودانية صدرت منذ خمسين عاماً وهي (موسم الهجرة إلى الشمال)، وبعدها لم نستطع أن نكتب رواية تتفوق على موسم الهجرة إلى الشمال. مثلما نجيب محفوظ الآن مسيطر على المشهد العربي باعتباره سقف الرواية العربية فإن الطيب صالح سقف الرواية السودانية. رجاء النقاش حينما ظهر الطيب صالح قال: «والله نجيب محفوظ ليس هو المظلة التي تحجب المواهب الجديدة» ، لكن ترميزنا للكتاب الكبار يجعلهم أحياناً في موقف يحجبون الضوء عن المواهب الجديدة، وذلك لأننا نحن كقراء لا نسأل ما هي الرواية الجيدة؟ حتى النقاد الكبار، الأيدولوجية أعمتهم يعني إذا كنت في اتجاه سياسي معين وكتبت رواية في هذا الاتجاه؛ أنت في المعسكر المضاد ايدولوجياً بالنسبة للناقد، إذن هذه الرواية رواية غير جيده. من الملاحظ ان الذائقة النقدية العربية عموماً تعاني من ضيق شرايين أو من ضيق نظر، النظرة غير واسعة حتى ترى المشهد. إذا ضاقت هذه النظرة سوف نرى جزءاً صغيراً جداً. كلما ضاقت الذائقة الجمالية لدى الناقد أو القارئ كلما وصل إلى نتائج خاطئة، وكلما اتسعت كلما استطاع أن يتذوق أعمالا ذات اتجاهات مختلفة، ذات تيارات مختلفة، صادرة من منابر جمالية وفكرية مختلفة. وكلها جميلة. لأن الناقد ذائقته متسعة بحيث تمكنه من رؤية كل هذا الجمال في تنوعه.
*أعيد السؤال بطريقة أخرى. ما رأيك في الرواية السودانية ما بعد الطيب صالح؟
أنا نصي الشخصي موضوع مع نصوص أخرى. لا يمكن النظر إليه من غير مجاورته لنصوص أخرى. لا يوجد نص يُنظر إليه نظرة أحادية أو بأبعاده من المشهد كله أنا نظرتي لهذه المسألة تذهب إلي ابعد من ذلك. لا يمكن النظر إلي نصي بالنظر إلي نص سوداني فقط ، بل بالنظر إلي نص في عمان و في كل العالم العربي لأننا منطلقون من ثقافة محددة. من الأحكام الخاطئة أن نقيس الرواية الجيدة في عمان حسب من ينتج في عمان، يجب ان تقاس بكل ما يُنتج في العالم العربي و كل ما ينتج في العصر. ربما يسأل سائل لماذا تقارن كاتبا في سلطنة عمان بكاتب في أمريكا؟ لماذا لا أقارن والعصر واحد، والفن واحد و التلقي واحد. الكاتب العماني ليس في العصر الحجري! لأنه لديه تلفزيون وكتاب، واذا صدر منه تقصير، نقول له روايتك غير جيدة بالمقياس الموجود بين ايدينا. قد يقول احدهم أنا لم أر أو أنا لست في باريس،ليست هناك أعذار. أنا اعتقد أن من الأشياء الخطأ أن أتكلم عن السودان فقط،يجب ان اتكلم عن السودان داخل المنظومة العربية لأنه هو عربي و داخل المنظومة الإفريقية هو إفريقي وداخل المنظومة الإسلامية هو إسلامي وداخل المنظومة الكونية.
*دعني أسالك، أنت كروائي وكاتب قصة هل ترى أن النقد أنصف تجربتك الإبداعية؟
في البداية أنا اعتبر أن النقد أعطاني أكثر مما يجب. وأحس إني محظوظ جداً لأنني أجد اهتماماً. أنا شخصياً لا أميل إلي تحليل ما أجده من ترحاب نتيجة لتفوق أو لميزات خاصة قد توجد لدي، ولا لميزات خاصة فيما أنتجه من نصوص ، ولا أرى أن لدي عداوات كثيرة حتى يُرى إنتاجي بطريقة عاطفية وسليبة.
*إذن أنت ترى أن النقد يخضع للعواطف؟
إذا كان الناقد ليس في مستوى فكري عالٍ، سيكون خاضعاً للأهواء وللتقلبات وخاضعاً لمكائد كثيرة.
*ألم تشعر بإحباط مثلاً بعد روايتك (صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل) أن النقد لم يتناولها بما تستحق؟
أنا أبكر بنقد نفسي وأبكر بمعرفة وضعي جيداً. بعد أن انتهيت من هذه الرواية، كنت في حالة فرح، ذلك الفرح الجمالي الذي حدثتك عنه. لكن بعد فترة من الزمن حسب تدريباتي الروحانية أو النقدية أو تربيتي لذاتي والتي أعقل بها الأشياء، وجدت أن هناك أشياء كان ينبغي أن أتجنبها.لقد كتبت أكثر من ست مخطوطات روائية ألغيتها و لم أنشرها.
*لماذا؟
لأنها كانت ضعيفة، كان ذلك قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، كانت بعد مجموعة (ريش الببغاء) مباشرة. واعتقد أن أحسن شيء عملته كما يقول النقاد، هو الرواية الأخيرة ( الورد و كوابيس الليل) أنا اتفق في وجهة نظر النقاد هذه. لأنها فيها عصارة جهد. أنا اعتبر نفسي أخذت فرصة كبيرة، أي لم أمت في عمر صغير. يعني حياتي استمرت بعد (ريش الببغاء) الذي اعتبره غير ناضج. وكانت لي أكثر من فرصة فهذه الرواية جاءت بعد معاناة و فشل ومحاولات و قراءات متكررة و تعب وإحباط. وهذا عطاء من الله وأنا أشكره كثيراً عليه.
*أريد أن أسالك كناقد عندما تقرأ رواية سودانية أو عربية أو رواية أخرى ما الذي يستفزك للكتابة عنها؟
ان تكون جيدة.
*فقط؟ ألا يكون مثلاً، أن كاتبها صديق أو العواطف التي تحدثت عنها؟
لا، لا اكتب من هذه المنطلقات،يمكنني ان اكتب عن إنسان لا أحبه و أقول أن عمله جيد غصباً عني. بهذه الطريقة أنا أحفظ أجمل ما في داخلي، وهي الجوهرة الإنسانية التي تضيء عملي، إذا افتقدت هذه الجوهرة لا قيمة لعملي. بدون هذا النقاء ماذا ستكتب؟ أنت تكتب عن أشياء جميلة جداً. ولا يمكن ان تكتب رواية وروحك حاقدة!
*أنت ذكرت قبل قليل أنه ربما تكون أحياناً الرداءة أيضا مستفزة للناقد ليكتب عنها. ألم تستفزك رداءة ما لتكتب عنه؟
أنا مؤمن بما قاله الطيب صالح. قال: «إذا كان النص رديئاً لا أكتب عنه»، «أنا لا اكتب إلا عن ما أحبه» فأنا نص لا أحبه لا اكتب عنه مطلقاً. ما هو السبب الذي يجعلني اكتب عن نص لا أحبه؟ هل أريد أن أشهر بشخص أكرهه أو أريد هزيمته؟ إلا أن أكون محرراً لصفحة وعليَ أن اكتب عن الكتب الجديدة التي صدرت.
*بما أننا ممرنا مرور الكرام على رواية(الورد و كوابيس الليل) قبل قليل، أتمني أن تتحدث عنها أكثر و خاصة أن البعض اعتبرها أفضل أعمالك؟
هي مكتوبة بشكل جميل و فيها ابتداع للأداء. لا يوجد نص يخرج لوحده غير متأثر بنصوص أخرى. قد تكون هناك نصوص أثرت عليك في فترة ما أو أعجبت بها في فترة ما، وحينما يخرج هذا النص الذي أثَر فيك يخرج بدمك أنت، وبروحك أنت، و بطابعك أنت و بشخصيتك أنت و لا يخرج بشخصية صاحب النص، لذلك تكون هنالك إضافة. هناك كاتب يسمي هذه الحالة (قلق التأثر). قال متخذاً الشاعر الانجليزي ملتون مثالاً : أولئك الذين كانوا يتضايقون من ملتون لأنه كان متفوقاً عليهم، كانوا يحاولون ان يكتبوا قصائد جميلة لكن بشرط إنها تحِرف مقاصد ملتون ليحسوا إنهم تفوقوا عليه. أنا لا انظر لهذه المسألة بهذا الشكل، لكني أرى أن التأثر الحقيقي هو أن جمال النص يدخل في دمك و عظمك ويبقى جزءاً منك، وينساب مع الدورة الدموية و يطلع وفيه طابعك تماماً وفصيلة دمك وليست فصيلة دم من أنجزوا قبلك. لا يوجد نص في هذه الدنيا يخرج وحده، بل توجد تأثيرات نصوص اخرى. توجد مقولة معروفة جداً. الآن في حواري هذا معك قد تعتقد ان هذا إبداعي أنا، ابدأ، إنها هي اللغة هي التي تبدع فينا. أنا وأنت الآن متفقان، ونرى أشياء كثيرة سوياً، لأن اللغة هي التي وضعتنا في نقطة تلاقي أو تشابه. نحن لسنا خارج اللغة، نحن لا نعمل شيئاً في اللغة لكن اللغة هي التي تفعل فينا.
*هذا كلام عميق! لكن لم يُعرف المستمعين بروايتك الجديدة؟
أنا لا أحب أن أتحدث عن عملي لأني حينما انفعل به و اعتقد انه جميل وأتحدث عنه أقول كلاماً كالغناء. مثل المغني الذي يحب أن يغني كي يسمع صوته هو ويُطرب منه. ومهمة المغني هو أن يُطرب الآخرين وليس ان يطرب نفسه. رغم المقولة التي تقول إن المطرب الذي لا يطرب نفسه لا يستطيع أن يطرب الآخرين هذا صحيح، لكن هذه ليست مهمته. يمكنه أن يغني منفرداً و ليس على المسرح لأنه حينما أتى إلى المسرح أتى ليغني للجمهور. فأنا لا أريد أن اغني لنفسي أمام الجمهور. ولعل هذا هذه المسألة كانت واضحة فانا لا أريد أن انظر إلى عملي لأنها لن تكون موضوعية إطلاقاً، كما أنني اعتقد أنها غير حقيقة. ولقد راقبت الناس الذين تحدثوا اليوم في هذا الملتقى عن تجاربهم، كانوا جميعهم خارج الموضوع، وجميعهم لسوء الحظ كان يمتدحون أنفسهم، ايضاً جميعهم تحدثوا عن تجربتهم، رغم أن السؤال لم يكن عن تجربتهم. البنت الأخيرة شرحت لنا قصتها، و البنت التي قبلها كتبت قصة لتوضح قدرتها على الكتابة. جميعهم حدث لهم سوء فهم للسؤال، والوحيد الذي كان قادراً على فهم السؤال هو أنت.
*إذا سألتك الآن أستاذ عيسى عن كتاب أو رواية أو غيرها نالت إعجابك من خلال قراءاتك الأخيرة؟
أنا تعجبني كل رواية جميلة. تعجبني رواية )العطر(للكاتب باتريك زوسكيند واعتبرها رواية عظيمة، ورواية انطونيو غالا (الوله التركي)،و(مدح زوجة الأب) للكاتب فارغاس يوسا، أيضا يعجبني يوسف إدريس في (بيت من لحن) وهو يعجبني دائماً واعتبره تشيكوف القصة العربية، بل لا شك في ذلك، لديه قدرات هائلة. نجيب محفوظ ليس في قدرة ومكانة يوسف إدريس في القصة القصيرة، يوسف إدريس يعتبر ملك القصة القصيرة،بل إمبراطور القصة العربية.
*وفي المقابل أيضاً يوسف إدريس كتب بعض الروايات التي لا تصل لرواية نجيب محفوظ؟
نجيب محفوظ ليس جيداً في كتابة القصة القصيرة، و يوسف إدريس ليس جيداً في كتابة الرواية.المسألة ليست مقارنة، لكن عموماً يمكننا أن نقول ان كاتباً قد يكتب قصة قصيرة جيدة، ولا يستطيع كتابة رواية جيدة. و كاتباً آخر يستطيع أن يكتب رواية جيدة ولا يستطيع أن يكتب قصة قصيرة.
*طبعاً سألتك عن قراءاتك لأنني كنت أخطط لعمل حلقة أخرى معك عن أحد الكتب التي أعجبتك وإن شاء الله سوف نتفق عليها لاحقاً. شكراً جزيلاً لك الأديب و الناقد الجميل عيسى الحلو على هذا الحوار الجميل في برنامج من مسافة قريبة.

الراي العام


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 795

التعليقات
#1389511 [محمد الصافي]
0.00/5 (0 صوت)

12-23-2015 09:37 AM
حوار جميل جدا
استاذنا عيسي الحلو متعك الله بالصحه والعافيه
نحن فخورن بك وبجهدكم المقدر انت اليوم ايقونه في سماء الادب والثقافه السودانيه
وواجه مشرفه لنا وللسودان
في هذ الزمن العجيب

[محمد الصافي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة