الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
اليد الشوهاء وهواجس امرأة وحيدة
اليد الشوهاء وهواجس امرأة وحيدة
اليد الشوهاء وهواجس امرأة وحيدة


12-23-2015 01:28 AM


مشهد سينمائي يشبه سلوك القتلة في فيلم اغتيال ناجي العلي في وضح النهار، فكرت في الموضوع وسخرت من نفسي بمرارة.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: جواهر رفايعة

كانت ضامرة وسوداء كأنها محروقة

حسمت أمري بدقة حين لاحظت أن الرجل يقصد في كل خطوة يخطوها أمامي تقريب المسافة بيني وبينه، وتراجعت عن فكرة تجاوزه في الشارع العريض، كنت أسير وراءه تماما وتباطأت، هنا ستقع خديعة ما، هذا ما فكرت به على التو.

ربما ستبتلي الخديعة الرجل، وربما تكون من نصيبي، تسللت رائحتها الحادة إلى أنفي وملأتني بالترقب والثقة المرعبة من احتمالية حدوث هذا، فنادرا ما أخيب في توقع مثل هذه الأمور خاصة إذا كان هذا الإحساس يقود إلى كارثة ما.

غالبا تصدق الخيبة، ويسقط معها كل ما لا يشبهها حتى شكل الوجه وهي تعلو ملامحه بلؤم مرسوم.. تباطأ الرجل أيضا، أو خيل إلي هذا، لأنني أنا التي تتسلى بترتيب الطريق، على كل الأحوال والظنون أخذت الآن فرصتي للإحاطة عن قرب بتفاصيل قامته، مسحته بعيني فلم ألتقط ما يريب.

شعره ناعم وأطراف ذقنه المكشوفة تحت الأذنين حليقة بعناية، وتوقعت من هذا أن يكون له وجه وسيم، انتبهت إلى يده اليمنى محشوة في جيب جاكيته الفاخر، والاخرى متدلية على جانب جسده كأنها ممطوطة إلى الأسفل بشكل اعتذار.. لم يلتفت لي.

أخافني شعور عابر بأنه يرتب حركة ما في رأسه الثابت، لم أتذكر من أين ظهر هذا الرجل أمامي ومنذ متى، لكنه خرج معي من عيادة الطبيب ولم يكن ينتظرني في الخارج، حاولت أن أركز، فنفيت الاحتمال السابق فقليلا ما أنتبه لمن يجلسون معي في الأماكن العامة أو حتى المارة في الشارع.

ربما يقبض على مسدس أو سكين في جيبه المنفوخ.. مشهد سينمائي يشبه سلوك القتلة في فيلم اغتيال ناجي العلي في وضح النهار، فكرت في الموضوع وسخرت من نفسي بمرارة.

امرأة في الأربعينيات بقامة هزيلة وحاسة قوية للفواجع، ليس في حقيبتها غير شهادة الميلاد ومواعيد الطبيب، وأدوية لتقرحات جلدية، وعلبة مهديء توسلت إلى صيدلاني شاب أن يبيعها مع الأدوية الأخرى، وصور قديمة كل ما في حقيبتها.

هذه الأسرار التي تنتفخ بها حقيبتي لا تغري الناشلين فلا أحب أن أبوح بها حتى لنفسي، احتلتني الكآبة فجأة وأنا أستعرض أسرار حقيبتي، فنفضت رأسي، وتخليت عن مشيتي الوئيدة كأني كنت أتسلى بغمس أصابعي في سلة نار، سارعت خطواتي أكثر حتى إذا صرت في محاذاة الرجل التفت إليه فهمَّ أن يخرج يده من جيبه.

أدرت وجهي وسبقته برعب، هذا في الغالب أول شعور حقيقي يدق في صدري تجاه الرجل، يقودني هذا الفزع في العادة إلى أحاسيس أخرى أو يرغمني عليها.. لا فرق.

توقعت حسب مقياس الفزع عندي أن يسير الرجل ورائي كما فعلت، لكنه لم يفعل، اطمأننت إلى أن المسافة التي تفصل بيننا ليست قصيرة، فضممت حقيبتي إلى صدري وشددت عليها وشممت رائحة خطورة متعفنة تنبعث من ثنياتها المهترئة.

لو يذوب جلد هذه الحقيبة تحت الشمس وتحترق أسرارها، أو تندلق على الطريق ويدوس عليها المارة غير عابئين بشهادة ميلادي وصوري ووصفات الطبيب الكثيرة، لو يسحقون تحت أقدامهم حبوب المهديء وأدوية الالتهابات الجلدية التي تغطي جسدي النحيل، فيشفى الطريق من صخبه ويهدأ وتلتئم جروحه الكثيرة، لو تأكل ماعز حقيبتي وتشرق بأسرارها فتنفق معها أيضا.

بكيت من غير اشتهاء حقيقي، التفت إلى الرجل فما يزال يمشي بهدوء لكنه يتبعني، أدرت كامل قامتي إليه ووقفت أنتظره، فما دام يتبعني فلأنتظره وأواجهه، وأتخلص من هواجسي الكثيرة.. وجها لوجه سأقف أمامها بمحاذاة الخوف.

أصبح أمامي الآن تماما، وجها لوجه، أخرج يده من جيبه فتضاءلت الحياة بيننا فجأة وسقط قلبي على مرمى السخرية، مدها لي صامتا، فكانت شوهاء مليئة بالبثور والتقرحات الجلدية، كانت شوهاء مثل مسدس أو سكين، ضامرة وسوداء، كأنها محروقة.

ظلت ممدودة نحوي حتى انتبهت إلى ما يجب أن أعمله، صافحته فاقشعر جسدي، ابتسمت فرد على ابتسامتي بنصف ابتسامة.. فككت أصابعي المشدودة حول حقيبتي السوداء، شققت صدرها الضامر ودلقت أوراقها بين يديه، ضحك بمرارة وهو يقلب بيده الشوهاء وصفات الطبيب والأدوية، وجرني أيضا إلى ضحك مفرط بالوجع.

رمى كلتا يديه على جانبيه.. ولم يعد يخبيء يده السوداء، وأنا أفرغت كل ما في حقيبتي السوداء على الأرض.. ومشينا معا.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 713


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة