الأخبار
أخبار إقليمية
حكاية برلماني عاصر لحظة المخاض الأولى.. "النائب المشاغب" ..الشاهد الأخير
حكاية برلماني عاصر لحظة المخاض الأولى.. "النائب المشاغب" ..الشاهد الأخير
حكاية برلماني عاصر لحظة المخاض الأولى..


ناضل "يعقوب" من أجل الحرية وأصبح هدفاً لأقلام الصحفيين
01-02-2016 04:36 PM
الخرطوم ـ محمد عبد الباقي
كل عام تمر ذكرى استقلال السودان.. يتنازعها تاريخ 19 ديسمبر، بوصفه لحظة إعلان المصير من داخل البرلمان، وتاريخ يوم الجلاء في مطلع يناير.. يحتفي الشعب بالمناسبة العظيمة كل على قدر حبه لهذا التراب.. دون الوقوف بتمعن أمام نضال رجال بذلوا عمرهم قرباناً لهذا الاستقلال الذي قادنا إلى الانعتاق من قيود الاستعمار البغيض. ذهب بعض هؤلاء الرجال إلى مثواهم الأخير وناموا نومتهم الأخيرة، هانئي البال بعد أن منحونا نفحة الحرية. وفيما نستلهم تجارب بعضهم ممن مازالوا على قيد الحياة منهم، نبتهل للمولى أن ينزل شآبيب رحمته على الراحلين منهم، وبعضهم كان حتى قبل أشهر قليلة بين ظهرانينا على قيد الحياة؛ ولكن بعيداً عن الأضواء، في أزقة المدينة وحواريها.. هؤلاء الأشاوس قضوا أنضر سنوات عمرهم في النضال من أجل فك أغلال الاستعمار عن معصم هذا الشعب بعد أن رزح تحت نير عبوديته حقباً طوالا.
من هؤلاء رجل عاصر لحظة مخاض ومولد السودان، وهو البرلماني "يعقوب حامد بابكر" عضو برلمان عام 1954م الذي أعلن الاستقلال على يديه.
وتستعيد (اليوم التالي) حواراً كانت أجرته مع السيد يعقوب، قبيل رحيله حاولت خلاله أن تتلمس خطاه وسيرته الباذخة منذ ميلاده في السوكي 1918م مروراً بدخوله للبرلمان عن دائرة السوكي وقلبت معه صفحات الذكريات أيام الاستقلال عام 1956م حتى لحظة خروجه من البرلمان في العام 1969م في أول أيام حكم الرئيس الراحل جعفر نميري.
كان البرلماني الكبير يتحدث وهو متكئ على أريكة الماضي التي عبثت بذاكرتها يد الشيخوخة كثيراً ولكنها لم تمح جل ما بها.
* النشأة والمسار السياسي
كان ميلاد الأستاذ الراحل يعقوب حامد بابكر في العام 1918م بمدينة السوكي بولاية الجزيرة، والده كان أمير أمراء الإمام المهدي بالمنطقة. تلقى تعليمه في مدرسة الأميرية بأم درمان ومن ثم درس بمدارس الأحفاد لمؤسسها الشيخ بابكر بدري رحمه الله.. يعقوب كان عضواً في أول برلمان سوداني بعد اتفاقية عام 1953م، وقد دخل قبة البرلمان الأول في تاريخ السودان عضواً عن دائرة السوكي، وفي هذا الشأن يقول يعقوب: كنت أصغر الأعضاء في البرلمان وكنا متحابين فيما بيننا نترك خلافاتنا السياسية داخل البرلمان ونخرج لباحته كل منا يمسك بيد الآخر لأننا نعمل من أجل هدف وغاية واحدة هي استقلال السودان.
* مرحلة مفصلية
ويواصل الأستاذ يعقوب استرجاع ذكريات تلك الأيام ويقول: كنا في غاية الفرح والانشراح لأننا وصلنا إلى مرحلة مفصلية في تاريخ السودان ونحن على مشارف الاستقلال الذي كنا ننشده وهو غايتنا. والحديث له: واصلنا كفاحنا في تلك الأيام وكنا نقدم الندوات والليالي السياسية وسط الجماهير في كل مكان من أجل تنويرهم بالاستقلال وشرح متطلباته.
وفي تلك الفترة كنا نحسم خلافاتنا السياسية داخل قبة البرلمان ولم نتركها تخرج للناس ليطلعوا على خلافاتنا وكنا نعتقد أن هذا يشغلهم عن القضايا والهدف الذي كنا نسعى لتحقيقه وهو الاستقلال.
* متطوعون بدون مرتب
وعن ما إذا كانوا يتقاضون مرتبات نظير عملهم، يقول: لم نكن نأخذ مرتباً لأننا نرى أن العمل من أجل الوطن والشعب لا يمكن أخذ مقابل له، ويضيف: لهذا كنت من أوائل المتطوعين الذين عملوا بدون مرتب وبدون مقابل مادي حتى لا يتم إسكاتي بالمال فأنا كنت أقف دائماً لأعبر عن وجهة نظري بكل شجاعة وحتى لو تعارضت آرائي مع رأي حزبي وهو كان حزب الأمة.
زملاء تحت القبة
سألنا يعقوب في حوارنا المشار إليه حول من زاملوه تحت قبة البرلمان فأجاب بالقول إنهم من الشمال والجنوب والشرق والغرب.. ثم يسترسل: "التقينا داخل البرلمان وكان هدفنا واحداً، وغايتنا مشتركة لا نحيد عنها، ولا نتنافس؛ فكان بيننا مادبو وبابو نمر من غرب السودان وعبد الرحمن دبكة والزبير المك وبوث ديو وهو كان صديقاً عزيزاً لي والسياسي الضليع محمد أحمد المحجوب والسيد إسماعيل الأزهري والشيخ علي عبد الرحمن وميرغني حسين زاكي الدين والمك رحمة وحماد توفيق وحسن محمد زكي محمد ومبارك زروق وآخرون".
* البرلماني المشاغب
وعن تسميته بالبرلماني المشاغب أو "البرلماني الحر" يقول: كنت دائماً ما أقول رأيي بكل وضوح حتى ولو كان يتعارض مع رأي حزبي فكنت أطلق قناعاتي ولا أجامل أبداً ولهذا أسموني بالبرلماني الحر أو المشاغب.
وفي هذا الشأن يقول عنه الأستاذ الكبير محمود أبو العزائم في مجلة السواعد العدد الثامن (فبراير) 1995م: "عرف أول برلماني سوداني بعد اتفاقية 1953م شيخ المشاغبين، النائب يعقوب حامد بابكر نائب دائرة السوكي، فهو فصيح اللسان، خفيف الظل، سريع الحركة كأنه أرنب يطارده ثعلب، كان مقبولاً من جميع الأعضاء على اختلاف أحزابهم، أما هو فأحد نواب حزب الأمة، كان يختلط بالاتحاديين أو الشيوعيين والإخوان المسلمين والمستقلين، وكان محبوباً منهم جميعاً، يحتفظ لنفسه دائماً برأيه الخاص، ولا يخشى إعلانه حتى لو تعارض مع رأي حزبه، فكان هدفاً لأقلام الصحفيين مما جعل له شعبية عند قراء الصحف من كثرة ما ينسب إليه من أقوال وأفعال استقطبت اهتمام الناس".
* أصدقاء ورفقاء درب
وعن أصدقائه ورفقائه خلال مسيرته العامرة يقول النائب المشاغب: منهم عبد الكريم المهدي، عثمان وقيع الله، عابدين شريف، محمد عبادي، علي شمو، قرشي عوض السيد، أبو ريد الخليفة، خليل حامد بابكر، الدكتور محمد توم، السفير عمر بريدو، حسين الشريف الهندي، مالك الزاكي، الدكتور الصديق المساعد، الأمين الأرباب، الطيب عبد الكافي.
* حال البرلمانيين اليوم
بعد هذا التداعي والاسترجاع للذكريات يتأسف الأستاذ يعقوب على حال البرلمانيين اليوم قائلاً: قليلون جداً هم الذين يمشون اليوم على خطانا التي مشينا عليها في تلك الفترة (في إشارة منه لما يجنيه النواب اليوم من أموال وحوافز وعلاوات) وما يشيعونه من خصومات شخصية أكثر منها سياسية.
* "فخر وإعزاز"
وعن أيامه في البرلمان منافحاً من أجل الاستقلال وبعد الاستقلال عن حقوق الشعب يقول: كنت نائباً في البرلمان منذ إنشائه في عام 1953م فقدمت ما قدمت من أجل الاستقلال ومن أجل الشعب والوطن والآن عندما تعود بي الذكريات وأتأمل تلك الأيام والتضحيات أمتلئ غبطة وسروراً وفخراً وإعزازاً لما قمت به.
* إجلال وتعظيم لرجل عظيم
هؤلاء رجال لا يتكررون بعد اليوم، يكفيهم فخراً أنهم توجعوا أيام المخاض العسيرة وابتسموا لحظة ميلاد قطر يسمى الآن السودان. فهل يكفيهم أن نشكرهم فقط في يوم ذكرى الاستقلال المجيدة.. فقط أن نفرد لهم مساحات كما فعلنا اليوم؟
اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1717


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة