الأخبار
أخبار إقليمية
المؤتمر الوطني والبطش بالمواطنين الأبرياء
المؤتمر الوطني والبطش بالمواطنين الأبرياء
المؤتمر الوطني والبطش بالمواطنين الأبرياء


01-16-2016 11:56 PM
صلاح شعيب

ما حدث في الجنينة الأسبوع الماضي هو تراكم لسياسة منهجية ظل النظام يتخذها منذ حين لأجل الحفاظ على السلطة. فبعد انتهاء أمد اتفاقية نيفاشا، وتوقيع وثيقة الدوحة، اتخذ القائمون على أمر البلاد إستراتيجية ذات مسارين. فقد رأوا أنه لا بد من قصقصة أجنحة القوى الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني التي نشطت أثناء تطبيق الاتفاقية، والأفراد الناشطين، هذا مسار. أما الآخر فيتمثل في اتخاذ المؤتمر الوطني سياسة حربية في مناطق النزاع، مهد لها د. غازي صلاح الدين بعد أن أمسك بملف دارفور آنذاك في محاولة لكبح جماح الحركات المسلحة. وما ترتب على تنفيذ المسار الأول الذي عنى بالمركز أن النظام ضيق الخناق تماما على الأحزاب، وظل يحرمها من عقد ندواتها، ويمنع سفر قياديها، وأحيانا يكثف من اعتقالهم. وترافق ذلك التضييق مع إغلاق السلطات عشرة مراكز فكرية، وثقافية، وحقوقية، من بينها مركز الخاتم عدلان، وبيت الفنون، ومركز الدراسات السودانية، اتحاد الكتاب، ومركز الخرطوم لحقوق الإنسان. فضلا عن ذلك فقد أعاد النظام الرقابة على الصحف، ومارس سياسة إغلاقها، أو إيقاع العقاب المادي على مؤسساتها، والمتمثل في مصادر الكمية المطبوعة. وكان آخر الحيل في هذا المجال إغلاق صحيفة التيار، واستجواب الصحافيين، والصحافيات. ضف إلى هذا أن المناخ الجامعي صار مستهدفا عبر كل فعل خطابي للطلاب، ويعين جهاز الأمن في هذا طلاب الحركة الإسلامية، أو العكس.

ولعلنا ندرك أنه في وسط هذه الأحداث قامت ثورة سبتمبر، والتي لم يجد النظام مخرجا منها إلا قمعها بالرصاص الذي حصد أرواح الشباب العزل. وحول ما يتعلق بالهامش فقد درج النظام على كبت كل حركة يشتم أنها تعارض سياساته، سواء في بورتسودان، أو مدني أو عطبرة. أما في مناطق الحرب فقد وظفت قوات الدعم السريع لمحاربة الحركات المسلحة وكذلك حرق القرى التي يشتبه أنها داعمة لها. وهكذا ظلت المناطق التي تقع خارج المدن الرئيسية منفلتة أمنيا، حيث لا شرطة تحمي المواطنين، ولا قضاء يقتص لهم، ولا حاكم يجأرون إليه بالشكوى. إن مناطق النزاع صارت مرتعا خصبا للمليشيات المسلحة التي تأخذ القانون بيدها فتبطش بمن تريد، وتسفك دماء من يعارض. ثم هكذا تغتصب النساء ويفلت الجناة من العقاب، في ظل وجود اليوناميد التي أصلا لم تقدم شيئا ذي بال بخصوص تنفيذ ولايتها. وفي ظل متابعة المجتمع الدولي لما يجري في مدن وقرى السودان.

إن البطش ببعض مواطني مدينة الجنينة لم يكن الأول وكذلك لن يكون الأخير. وستضاعف الحكومة قمعها مرة أخرى إذا ما تحرك الناس للتظاهر ضدها سواء في أمدرمان، أو القضارف، أو الدويم. وفي مقابل هذه الإستراتيجية العنيفة لم يتبد حتى الآن فعل يردع هذه السياسات الحكومية بشكل أفضل من بيانات الشجب التي تصدرها القوى السياسية، والحركات المسلحة، والكتاب الذين يملأ استنكارهم أفاعيل الحكومة جوف الأنترنت. ولعل هذه العبارات التي تتضمن مناشدة الحكومة بإجراء تحقيق ومحاسبة المعتدين تبدو إنشائية أو أداء واجب سهل رغم نبله. فالحكومة لا يمكن أن تحاسب نفسها بنفسها، ثم أين هي نتائج التحقيق في جرائم كجبار، وبورتسودان، وأحداث سبتمبر التي جرت في الخرطوم، وسوق المواسير، وبقية جرائم دارفور، وغيرها من الجرائم التي تطمس معالمها. كما أن مناشدات الحركات المسلحة للمجتمع الدولي لحماية المواطنين أمر لا يتعدى كونه محاولة لإظهار موقفها حتى لا تدان لصمتها. وهاهنا يبدو أن صمت القوى السياسية والعسكرية المعارضة إزاء هذه السياسات الحكومية سيان. فموضوع القمع الاستبدادي الذي استشرى في البلاد لا يعالج ببيانات الشجب - رغم أنه أضعف الإيمان - ولكن الاستنكار والهجوم المتواصل للحكومة وفضحها أمام الرأي العام ظل سلاحا لا معنى له. وكلنا يعلم أن مجلس الأمن نفسه، والمنظمات الدولية المعنية بما يجري في البلاد قد أصدرت العديد من القرارات ضد النظام والمئات من بيانات الشجب، هذا بخلاف العقوبات السياسية، والاقتصادية. أما معارضتنا السياسية وكتابنا السياسيون فقد أكثرنا من نقد وهجاء الحكومة، والسخرية من أفرادها بالرسم، والكاريكاتير، ولكن لم يسهم كل ذلك في تغيير الأوضاع. والمضحك أن أطرافا في الجبهة الثورية يطالبون بإقالة هذا الوالي، أو ذاك الوزير، بسبب تعلق عملهما بالتفريط في حماية المواطنين، أو الفشل في حماية المال العام. تأتي هذه التصريحات وكأن الإقالة والاستقالة ستسهم في تحقيق سلامة المواطنين، أو كف النظام عن إعمال إسترتيجياته، والتي جوهرها هو الضرب بيد من حديد على كل من يتظاهر سلميا، أو يسعى لكشف عيوب الحكومة، وفسادها.

نحن اليوم إزاء وطن يتمزق عند كل صباح، فيما يواجه المواطنون في المدن، والقرى، وضعا مترديا في كل شئ. ولعل ذلك التردي مرده إلى إسترتيجية القائمين على أمر البلاد لإخراس صوت كل من ينادي بالتغيير في المركز. والفتك بكل جهة تسعى إلى المطالبة بحقوق أهلها في الهامش، بصرف النظر عن أن هذا الإجراء يدفع ثمنه المواطنون الأبرياء الذين يقعون وسط دائرة لهيب النار بين جيش الحكومة وجيوش الحركات المسلحة. وبطبيعة الحال فإن الحرب عبر التاريخ لا تفرق بين المدني والعسكري. بل إن المواطنين الذين يموتون في كل حرب ربما هم أكثر من المصطرعين بين الجيشين، وهذا ما ظل يحدث في مناطق النزاع منذ الاستقلال. وليست هناك إمكانية لحماية المواطنين في هذه المناطق إلا عبر تعطيل أسباب الحرب، ولا يظنن أحد أن الحكومة راغبة في الوصول إلى سلام عادل يعالج جذور النزاعات التي استفحلت وانعكست على كل مستويات البلاد. وعلى المدى القريب لا اعتقد أن لدى الحركات المسلحة الإمكانية على مستوى الأرض لتحقيق نصر حاسم على الحكومة حتى يتسنى لها فرض خياراتها. مثلما أن الاستقطاب الحاد وسط القوى السياسية المركزية المعارضة ما يزال يعطل أي إمكانية للتغيير. والأكثر من ذلك أن هناك استقطابا آخر بين القوى السلمية والعسكرية، وبينها وبين معظم منظمات المجتمع المدني.

إننا مهما أكثرنا من الشجب، أو الاستنكار، والإدانة لتصرفات الحكومة في تعميق استبدادها الذي تجاوز ربع القرن فإن الواقع المزري في البلاد يحتاج إلى فعل، وليس مجرد عبارات إنشائية نتخلص عبرها عن مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية في الدفاع عن حقوق الإنسان في أن يحيا بحرية، وكرامة، وعزة. إن سر استمراء المستبدين في أفعالهم يكمن في تفرق نخبتنا السلمية والعسكرية أيدي سبأ بينما يفترسهم ذئب السلطة فرادى. وسنقولها للمرة المليون إن هذا التباعد بين المعارضين الساعين لإسقاط النظام لن يسهم إلا في المزيد من تشظي المعارضة، وتطوير استبداد النظام، ومضاعفة معاناة المواطنين في أيما مكان في البلاد.



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 4212

التعليقات
#1400966 [الناهه]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 10:00 AM
ومالجديد في هذا هل تم اكتشاف الذره
الشعب السوداني صغيره وكبيره يعلم ان حكومة المؤتمر الوطني تستمد بقائها في الحكم بالقبضه الامنيه الباطشه القامعه فلاجديد
منذ ايام بيوت الاشباح
واحداث دارفور
واحداث سبتمبر
وملاحقة السياسيين واعتقال رؤساء الاحزاب
وملاحقة الصحف واغلاقها والاعتداء على الصحفيين
وغيرها وغيرها وغيرها
ليس الامر بجديد

[الناهه]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة