الأخبار
منوعات سودانية
«شوق الدرويش» رواية الجذور السودانية
«شوق الدرويش» رواية الجذور السودانية
«شوق الدرويش» رواية الجذور السودانية


01-18-2016 12:27 PM
صلاح فضل

حمور زيادة كاتب سودانى شديد الطموح، قفز إلى الصف الأول بحصوله على جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية هذا العام عن روايته المدهشة «شوق الدرويش»، وهو ينبش فيها عن جذور الشخصية السودانية منذ ثورة المهدى نهاية القرن التاسع عشر وعلاقتها الملتبسة بالشمال المصرى، والبعثات التبشيرية والسلطة الإنجليزية، حيث يحفر الكاتب بجرأة في أعماق الوعى بالذات وتشكيل الخيال وعذاب الهوية الشقية عندما تتماهى مع الغيبيات فتصنع الأسطورة الناجعة من وقائع غرائبية وقسوة وحشية وتصور مغلوط لحركة التاريخ، لكنه ينفث في ثناياها ببلاغة سردية فائقة عطر الإدراك النافذ إلى أعماق الماضى وما يتبلور فيه من شوق للحرية وفتنة بالجمال يلتف بغلالة صوفية شفيفة تظل هي السمة المائزة لسلوك الناس مهما ضلت بهم قوافل الحياة وقست عليهم طبيعتهم الفطرية وظروفهم الإنسانية.

هذه الحفريات في وجدان الجماعة هي التي تؤسس للوعى بالذات وترسم صورة الكائن في مخيال الآخرين، ومن ثم فإن هذا النوع من روايات الجذور هو القادر على توثيق التاريخ العاطفى للشعوب وإعلان مولدها الأدبى. وقد كنا نعد رواية طيب الذكر الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» هي الركيزة الأولى للأدب السردى في السودان حتى الآن، لكن هذه الرواية تأتى لتعيد ترسيم الحدود وتقدم نماذجها الأصيلة العارمة المكتوبة في وهج التاريخ وقلب المدن وأحشاء المجتمع، وهى لا تزال تتخبط مطلع العصر الحديث في قيود العبودية والوهم والتوق لنور الحضارة؛ تتعثر في ضلال الدعاوى الدينية والعصبيات القبلية وشهوة غزو العالم بسيوفهم الخشبية، لكن طاقتها الفطرية ومذخورها الإنسانى يرتفع بها إلى مدارج عالية. يمتك الكاتب ريشة حادة تشكيلية باذخة القوة والثراء يدغم بها شخصياته بعنف لافت يستعصى على النسيان، يقول مثلاً عن «مريسيلة»: «تلك الأمة السوداء ذات العشرين عاماً، بائعة خمر المريسة السرية، قارئة الودع، مدبرة صفقات الهوى، خاطبة الحلال والحرام، معينة الهاربين، تاجرة العقود والسلاسل والوصفات السحرية للحب والوصل والفراق وانتصاب الذكر وضيق الفرج، المرأة التي تعلم المدينة أنها أنقذت سبعة نساء من شنقة السوق، وأذلت حامل راية أحد الأمراء أمام المسجد على مرأى من خليفة المهدى، الحب صناعتها، بالسحر لها نسب، ولها مروءة فارس قبيلة»، ومع أن «مريسيلة» ليست من شخصيات الرواية الأساسية فإن هذه السطور المكثفة والصفات الخارقة تطبعها في ذهن القارئ فلا يخطئ تتبع حركتها وكأنه تعرَّف بها على جزء حميم من حياة البشر الشقية في هذه الأرض وأسرار معتقداتهم وشواغلهم والمهن الرائجة بينهم، فهى نموذج كاشف لأغوار المجتمع بأكثر من دلالته على الذات الفردية.

حواء وبخيت:

لكن الشخصيتين الرئيستين في الراوية هما حواء وبخيت، يصنع بهما الكاتب نموذجاً ثنائياً فذاً موازياً ومناقضاً للنماذج الشهيرة في الآداب العالمية، مثل ليلى والمجنون وروميو وجولييت وغيرهما من أبطال قصص العشق والغرام، لكنهما مختلفان جداً عن المألوف، فـ«حواء» أصلها راهبة سكندرية حسناء، يونانية الأصل، اسمها «ثيودورا»، لم تذق في حياتها غير قُبلة واحدة من جارها في الإسكندرية في مراهقتها قبل أن تلبس مسوح الرهبنة قال لها عقبها: «أيتها الطفلة النارية، شفتاكِ من نبيذ الشياطين»، لكن ظلت في مسمعها أصداء معاكسات أولاد البلد في بحرى ومغازلة البحر لها وهى تتهادى على شاطئه، ذهبت في بعثة تبشيرية للسودان، وهناك رآها بخيت وهى:

«تبرز إليه من مكان قصىّ/ تحمل الشمس في كفها فيشع جسده بالدفء/ تسرى فيه كحلم فارعة كما عهدها/ قال لها يوماً: أنتِ بيضاء كالنهار/ عيناها مشاغبتان تحملان حزناً دائماً/ مربكة تماماً كالحياة/ ولا أمان لها كالنهر/ يلفها ثوب من نور الشمس».

هذه الشعرية التي تتدفق في عروق السود تتجاوز سطح اللغة لتنفذ إلى نسغ النموذج، وتصب في المواقف الدرامية المحتدمة، وتتجلى في المهارة الفنية في توظيف التقنيات، تقنيات الرواة والزمان والمكان، فالكاتب مثلاً يبدأ رواية من الخاتمة، من سعى بخيت المجنون للانتقام الضارى ممن قضوا على قديسته البيضاء، لكنه لا يتبع منطق الاسترجاع المألوف في «الفلاش باك» بل يتولى الراوى العليم إعادة خلق الأحداث ونشر الأضواء بطزاجة المرة الأولى، بما يمنح القارئ إحساساً متجدداً بأنه يمضى إلى الأمام الكاشف بكل مفاجآته وشخوصه وتفاصيله الثرية، مئات المشاهد وعشرات الوقائع والأحداث التي تعمر عالماً عجيباً بأساطيره ومعتقداته، بعاداته، ومواجعه، بأحزانه الغامرة وأفراحه الشحيحة العابرة، هنا نعثر على السودان كله، بخرطومه وأم درمانه وسواكنه وبرابره ومزيجه الإنسانى العجيب، بعنفه ومجاعاته وثرواته وطبقاته، هنا أشواق لدراويش ومن يحسبون أنفسهم ملائكة التبشير وصراع الأديان والثقافات والمصالح، كل ذلك ينتهى بالرواية إلى أن تكون ذات بنية دائرية تحسبها تمضى إلى الخلف بينما هي تتقدم لتلتحم بنقطة البداية عند مشهد مصرع الراهبة العبثى لمجرد أنها حاولت الهروب، بعد أن يكون العبد/ الفارس قد قطع إرباً من أسهموا في ذلك ووزع جثثهم على أنحاء الأرض.

ومع أن هذه الصورة المثالية للراهبة المعبودة تقدم لأول مرة في الأدب العربى منظوراً ينصف المقاصد النبيلة لبعض من ساهموا في البعثات التبشيرية بحسن نية، دون أن تكون حروب الأديان هي دوافعهم المباشرة، بل رغبتهم في نشر العلم ومساعدة الفقراء والمرضى من غير تعصب، فإن الراوى العليم قد ترك لبقية الأطراف أن تعبر عن رؤيتها المضادة ليجعل الواقع الحى هو الذي يفرض منطقه بوعى تاريخى وحس إنسانى رفيع انتهى إلى تمثيله بطريقة جمالية ناجحة، تمزج بين شوق أنصار المهدى لغزو العالم وإعادته إلى فطرته الإسلامية الأولى في تقديرهم، ورغبة المبشرين في نشر المسيحية بالمحبة والتعليم والصحة، والتقاء هذين التيارين في وجدان «بخيت» الذي تجتاحه حمى من الوجد الصوفى بالراهبة البيضاء فيكرس طرفاً من حياته لهواها العذرى، وبقية عمره للانتقام الضارى ممن شاركوا في مصرعها.

إذا كان الزمان في الرواية دائرياً فإن المكان فيها يتعلم الحرية مع الإنسان، فـ«بخيت» الذي كان عبداً في الخرطوم قد تحرر عندما دخلها المهدى وقتل غوردون باشا وأسس مدينة أم درمان على ضفة النيل الغربية قد وجد نفسه حراً في بلد جديد، «كلاهما ابن يومه ذاك، فقرر أن يصبح مثل هذا البلد يصنع نفسه، سيتعلم الحرية، قطع أم درمان عاملاً من أدناها إلى أقصاها، بالمدينة أصابه الجوع، فقرر أن يذهب للحرب ليعيش»، وسنعرف بعد ذلك أنه وقع أسيراً في مصر، وتعلم كثيراً من سيده هناك، ثم عاد متحرراً إلى بلده، على أن هناك نماذج أخرى غنية تعمر الرواية وتبث في ثناياها النبض السودانى الأصيل، منها مثلا الحسن الجريفاوى الذي كان يقرأ كثيراً في كتب الصوفية، ويلزم شيخه سلمان ود حمد، يذهب بحماره كل يوم إلى السوق يبتاع منه حتى كبر وتزوج ابنته فاطمة، لكن همومه تجاوزت هذا النطاق اليومى المحدود إذ يقول لنفسه: «الظلم عنوان الحياة، يبث همه لزوجه فتطيب خاطره، يسأل شيخه فيعده نصر الله القريب، لكن قلبه لا يهدأ، فالأتراك قد فجروا في حكمهم، ينهبون مال المسلمين عياناً، يجلدون كرام الناس ويهينون الأعزة»، هذا الظلم هو الذي سيجعل الناس يتوقون للخلاص، سيصبح هذا الحسن من قادة الحركة المهدية التي ثارت على الظلم، سيتطرف في سلوكه العنيف الدموى بعد ذلك، لكنه إلى جانب عشرات من الشخوص والمواقف سيعطينا الخلفية الاجتماعية لما كان يضطرب من آلام وأشواق وخيبات بعد ذلك.

تعدد الأصوات:

تزخر الرواية بالرؤى المتنوعة نتيجة لتعدد الأصوات فيها، فالراهبة المعبودة تكتب في دفترها ملاحظات عن طبيعة البشر وألوانهم معبرة عن منظورها فتقول مثلاً عن سكان الخرطوم:

«أخلاط يميزون بين أصناف الناس باللون، لكل جنس لونه الذي ينفرد به، ابتداء من اللون الأبيض ومتدرجين نحو السواد بدرجاته المختلفة حتى تنتهى إلى أحلك الألوان، وهم يقسمون السواد إلى ألوان عجيبة، فيقولون رجل أزرق للحالك السواد، ورجل أخضر لمن كانت سمرته غامقة، والأبيض عندهم مضحك، يعدون المصريين السمر بيضاً مثل الأوروبيين سواء بسواء، لكنهم يعتبرون الترك لونهم أحمر»، ثم تقول عن التركيبة السكانية: «سكان السودان شعوب مختلفة وقبائل عدة أكثرهم عدداً السود، وهم زنج من سكان أفريقيا الأصليين، هؤلاء أدنى سلالات البشرية، لا يوجد منهم في الخرطوم إلا عبيد، هم على الفطرة لا مدنية لهم ولا حضارة ولا صناعة، يمتهنون في بلادهم الزراعة على قدر كفايتهم وصيد السمك، والنوبة الذين تراهم في مصر ونسميهم البرابرة، والعرب وهم أكثر كرماً وعقلاً وأقرب للمدنية، فيهم بقية من وحشية يسهل أن نخلصهم منها، أغلبهم في الخرطوم، ويعملون مع الحكومة ويشربون الدخان ويلبسون الأزياء التركية»، فإذا لاحظنا أن هذه النبرة شبه العنصرية محكومة بمنظور زمنها حينئذ نهاية القرن التاسع عشر، وهى صادرة من راهبة مصرية ذات أصل يونانى، أدركنا أن الكاتب نجح في تمثيلها بشكل متوازن دقيق.

على أن اللافت في هذه الرواية هو ارتفاع نسبة الحوار فيها، بما يضفى عليها من توازن الإيقاع، لأن الحوار هو الصيغة المثلى لا للكشف عن تعدد الأصوات فحسب، بل للوصول إلى العمق الجدلى في التفاعل لإنتاج رؤية كلية هي التي يفضى إليها العمل، وقد أثار اهتمامى فيها حوار مدهش يقوم بين بخيت وسيده المصرى يوسف أفندى بعد أن يقوم بإطعامه يسأله:

«- شىء غريب يا سوادنى، أنتم لا يمكننى أن أفهمكم. لماذا تأتون لحربنا، كيف تفكرون في غزو مصر؟ لماذا تكرهوننا؟ ألم نحسن إليكم، هل هذا بسبب الخديوى؟ كلنا نكرهه، أنا كنت من مؤيدى عرابى باشا، لهذا أرسلونى إلى هنا في الصعيد، لكن أنتم تكرهون مصر ذاتها.

قال بخيت بفم ملىء بالبصل:

- نحن جند سيدى المهدى عليه السلام، فرد عليه يوسف أفندى: هذا درويش كذاب، لقد أحسنت إليكم مصر، حكمناكم بما يرضى الله، كنا نكرم سادتكم وشيوخ قبائلكم، لكن لا تردون المعروف.

- أمرنا سيدنا المهدى بمحاربة الكفار ليكون الحكم لله.

- يا سودانى أنتم ناكرون للجميل، بلاد السودان في خير حال بحكم المصريين، لكنكم مهاويس دين»، وبغض النظر عن الغضب الذي لمع في عين «بخيت» وتفكيره في القفز على يوسف أفندى ودق عنقه، فإن شجاعة الكاتب في نكء هذا الجرح في علاقة المصرى بالسودانى على الرغم من عدم التكافؤ بين الشخصيتين في الظروف الإنسانية والثقافية تشفى عقدة الدونية من ناحية والاستعلاء المصرى الممقوت من ناحية أخرى ليصل إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهى أن هذا العبدالسودانى تعلم من سيده المصرى معنى الحب عندما عاين درجة عشقه لزوجته على الرغم من كرهها له، يبوح «بخيت» بذلك لشبيهته «مريسيلة» التي تتحرق رغبة فيه فيحدثها بأنه مشغول بالحب الذي يورث لذعة مفرحة في القلب فترد عليه بأن الحب الذي يبكيه هو من خطرفات البيض المتوهمة، وقد امتزج في قلب «بخيت» هذا الوهج العاطفى للمرأة بأشواقه الصوفية الدينية فتحول الدرويش فيه إلى إنسان يستضىء بنور الحب، لكن المصير الفاجع الذي تلقاه الراهبة دون مبرر كما أشرنا يقلب عواطفه رأساً على عقب، يحيله إلى آلة انتقام رهيبة، حيث يقتل بدم بارد وتلذذ غريب كل من شارك في الجريمة، وتبقى رواسب هذه الصراعات العرقية والدينية والثقافية هي التي تجعل سودان اليوم خارطة للتمزقات ومرتعاً لنمو نزعات التطرف على الرغم مما يمتاز به أهله الطيبون من سماحة غالبة وحب فياض، وتظل هذه الرواية العارمة في تقديرى أحد الأعمال الكبرى التي تؤسس للوعى بجذور الشخصية السودانية بدرجة عالية من الإحكام التقنى والرهافة الشعرية.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1354

التعليقات
#1402507 [هاشم]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2016 03:12 PM
أعجبت كثيرا بإعداد الكاتب لنفسه و للرواية قبل الإنطلاق في حكايتها الخيالية إلى مراجعته الدقيقة لتأريخ تلك الحقبة و ضبط الأحداث على محاور الأزمنة و الأمكنة بدقة علمية..
هاشم

[هاشم]

#1402395 [هدى]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2016 12:02 PM
كنت موفقا إذ قرأت الرواية عدة مرات لإعجابي بها.وأخيرا ظهر كاتب يستحق أن تقرأ له.

[هدى]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة