الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الثورة في دوامة الدموية المقدسة والتاريخ الصامت رواية كولونيل الزبربر للحبيب السائح
الثورة في دوامة الدموية المقدسة والتاريخ الصامت رواية كولونيل الزبربر للحبيب السائح
الثورة في دوامة الدموية المقدسة والتاريخ الصامت رواية كولونيل الزبربر للحبيب السائح


01-20-2016 10:27 PM

واسيني الأعرج
ها هو أدب ما بعد الكولونيالية la littérature post-coloniale يفرض نموذجه الأدبي خارج النزعات التكرارية والتقديسية كما كان الحال عند الأجيال التي انخرطت في الثورة وعانت جسدياً من حرائقها. كولونيل الزبربر، آخر أعمال الكاتب الجزائري الحبيب السائح، تميزت بجهد إبداعي ولغوي عالٍ. اختار لها، ليس موضوع الحرب التحريرية كما قد يتبدى من اللحظة الأولى، ولكن سلسلة الخيبات الداخلية والأهواء البشرية والأمراض التي فجرتها الحرب التحريرية، وفي السنوات التي أعقبت الاستقلال. في عمق دوامة العنف التي ظلت تعيد إنتاج نفسها بتواتر. من جيل إلى جيل. من «الطاوس» التي تفتح بوابة جهنم من لحظة بدء قراءتها مذكرات والدها كولونيل الزبربر وكراسة جدها الحضري بوزڤزڤة التي تكتشف فيها الحقائق التي ظلت مخفية عنها وعن جيلها الذي تربى بدوره داخل دوامة العنف، فأعاد إنتاجه وفق مواصفات قد تختلف في الشكل، لكن الجوهر نفسه. لم يكن الثوار ملائكة ورحيمين مع بعضهم البعض، فقد قُتِل الكثير منهم بطرق بشعة وظالمة، ليس على أيدي المستعمر، ولكن على أيدي الرفاق والإخوة، فجّذ أنف هذا فقط لأنه دخّن، وذُبح ذاك لأن المسؤول شك في حبه لامرأة. في ظل الضغينة والريبة، بالخصوص من المثقفين والطلبة الذين التحقوا بالثورة فاستشهد الكثير منهم، وأعدم كل من كانت له وجهة نظر تختلف عما هو متسيد.
فقد ابتدع الثوار داخل دوامة العنف وسائلهم التعذيبية كالعجلة المعدنية التي كان يعلق عليها المتهم قبل أن يبدأ الاستنطاق مثل حالة الطالب كمال الذي ترك وراءه الجامعة والتحق بصفوف جيش التحرير. كان موته تحت التعذيب قاسياً. فقد أجبر على الاعتراف بأنه من جماعة لابلويت التي كانت السبب الأساسي في تصفيات حادة داخل الثورة بلعبة فبركها ضباط الجيش الفرنسي وأحكموها. لكنه رفض، فشُوي حياً.
لم تتوقف صور التعذيب المرضي عند هذا الحد. فقد مزق بحراب البنادق، الجنديان الشابان اللذان اتهما بعلاقة جنسية. لم ينج من المصير نفسه الشاب الذي اتهم بقراءة الصحف الفرنسية، ففقئت عيناه. أو ذاك الذي اتهم بزنى المحارم، فنزعت أظافره قبل ان يذبح من القفا.
صورة أخرى لا تقل بشاعة مارستها الثورة ضد نفسها وخطت مساراً موازياً للدم غير دم الشهادة، الرجل الذي اتهم بتردده على الماخور، فنزعت حشفة ذكره بآلة حادة عقاباً له. هذه الدموية المقدسة غير المسبوقة في نص روائي سابق للحبيب السائح، لم يبتدعها، ولكنه أزال عنها الأغطية التي كانت تسترها.
هناك بعض الوقائع الروائية التي بناها الكاتب تحاذي الحقيقة بسبب قوة بنائها الروائي. قدم الضابط المسؤول لابن فريحة مغتصب زوجته، حمو، كمن يقدم هدية لأخ عزيز. فربطه على أوتاد أربعة بشكل صليبي على الأرض، وأمر الجنديين بتشريطه بالسكاكين ورسم صليب على صدره، وذر الملح داخل الجروح. وتركوه يتضور ألماً شنيعاً، قبل أن يتقدم ابن فريحة ويلم ذكر حمو وخصيتيه في عمق كفه ويجز الكل من المنبت، بشكل أفزع الكائنات القريبة والأشجار والطيور التي فرت باتجاهات مجهولة.
يوازي الحبيب السائح هذه الصور بصور أخرى كان الاستعمار مصدرها، مثل تلك التي مارسها ضد العربي بن مهيدي. بقدر ما كان ابن مهيدي قائداً كبيراً، كان قتلته من جنرالات الاستعمار صغاراً. فقد قاوم ابن مهيدي آلة التعذيب الجهنمية ليعلن القاتل أن ابن مهيدي انتحر ونكتشف لاحقاً أنه شنق من طرف زبانية الاستعمار. بشهادة الجنرال الفرنسي أوساريس أن ابن مهيدي لم ينتحر لكنه قاوم حتى الموت، وفضح الآلة العسكرية التي كان أوساريس أحد محركاتها. لم يبرئ الحبيب السائح الاستعمار الذي جرب كل وسائل الدمار الشامل، لكنه وضعه أمام مرايا البشاعة، باستعمال الكلوروفورم في 1852 ضد سكان الأغواط أو التجارب النووية في رڤان. واستعمال غاز الساران في قسنطينة، الممنوع دولياً، والإبادات الجماعية التي تظل إلى اليوم بلا اعتراف ولا عقاب. وكأن بالحبيب السائح يبحث عن شيء مهم وهو إعادة كتابة تاريخ يخافه أصحابه أمام أجيال ما تزال إلى اليوم تبحث عن الحقيقة الغائبة لفهم ذات ما تزال في مهب عواصف العنف. يعتبر هذا النص من الروايات الجزائرية التي تعد على رؤوس الأصابع التي تناولت موضوعة الحرب بلا مسبقات وطنية تقديسية، وهي تضاف إلى «لاز» الطاهر وطار وغيرها التي قالت ما لم يقله تاريخ كتبه المنتصر الوطني، جبهة التحرير. اخترق الكاتب الخطاب المهيمن وأنشأ على أنقاضه خطاباً آخر أكثر جدارة بالتأمل. وحتى يصل إلى حواس قارئه استعمل الكاتب تقنية خاصة جعلته يعبر الأجيال الثلاثة المشكلة اليوم للمحتمع الجزائري. جيل الثورة مع مولاي الحضري الملقب ببوزڤزة، وجيل ما بعد الاستقلال الممثل بكولونيل الزبربر، وكلاهما عاش حياته الثورية أو العملياتية في جبال الزبربر وغاباتها مقاوماً الاستعمار أو الإرهاب الإسلاموي، وجيل اليوم، «الطاوس»، ذات الـ34 ربيعاً، التي تتأمل هذا التراكم من العنف من خلال مذكرات والدها وجدها، الضابط الأسبق مولاي الحضري الذي اضطر إلى مغادرة جيش التحرير بعد الاستقلال، محملاً رفاق السلاح جريمة اغتيال العقيد الشاب محمد شعباني بتهمة الانفصال. دون الكولونيل مثل والده، مذكراته التي شكلت مرآته الحقيقية، التي قال فيها زمانه الذي عاشه داخل دوامة العنف القاسي من طفولته التي فتحت عينيها في عمق الحرب؟ مروراً بمدرسة أشبال الثورة وأكاديمية شرشال العسكرية، وانتهاءً بإحالته على المعاش. يروي أيضا ملابسات خوضه الحرب ضد الإرهاب، في مسلك الموت، بالمدية حيث فقد كولونيل الزبربر، بعد عمليات التمشيط، جزءاً كبيراً من جنوده. قبل ان يعود الى نفس المكان ليأخذ أمواته ويدفنهم، ثم يقوم بعملية تمشيط وهو مسكون بالانتقام ضد القتلة. تنتهي العملية بإلقاء القبض على المجرمين، باقتحام خيامهم بعد تصفية الحراس. كان على رأس الفرقة العريفان رضا وأحمد، الرقيب أول محند. يلقون القبض على أمير المجموعة و15 فرداً معه من الذين دنسوا تراب جبل الًبربر وغابته ومغاراته المعطرة بدم الشهداء (الرواية ص 227) وقد أطال الكاتب في هذا الفصل في قصة لحمر زغدان الذي لم يتوان عن قتل والده. لكن ما يثير أكثر في مذكرات الوالد التي استقاها من الجد هي تفاصيل محاكمة العقيد الشاب محمد شعباني الذي رفض حمل السلاح ضد رفاق الأمس، في منطقة القبائل وفي غيرها، فاتهم بفصل منطقة الجنوب الغنية عن الشمال، فحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم بسرعة وبتواطؤ تحكمه الغيرة من النجاح والحسد والضغينة.
الرواية تعيد تركيب المحاكمة بقوة ومنطق لتظهر لنا حقيقة الأشياء التي تم إخفاؤها. يذكّر مشهد اقتياد ڤيڤي الخائن الذي تم غرسه في عمق الثورة، لشعباني بلحظة أخذ قتلة لوركا من الفرنكويين وهم يقودونه نحو مكان إعدامه. وحتى يعطي الحبيب الحالة قوتها ويصعدها درامياً، استعمل أغنية البار أعمر، التي تجسد هذه الحالة بشكل شعبي وقوي والمنجزة على قصيدة راس المحنة، التي تنسب إلى سيدي لخضر بن خلوف (هذا وطنك وإلا جيت براني. يا رأس المحنة بالله كلمني). الجهد اللغوي عند الحبيب السائح يوازي جهد سيلين في الرواية الفرنسية. هناك صناعة قوية ونحت للكلمة المناسبة في مكانها، إذا حركتها قليلاً فقدت معناها. ربما هذا أيضا ما يجعل من القارئ فاعلية يفترض فيها أن لا تميل نحو السهولة وإلا خسرت مشروع القراءة والفهم والتوغل عميقاً في النص.

الثورة في دوامة الدموية المقدسة والتاريخ الصامت رواية كولونيل الزبربر للحبيب السائح

واسيني الأعرج
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 626


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة