الأخبار
منوعات
محمد بن الطيب الروداني قاض مغمور يُدخل بلاده عصر التنوير
محمد بن الطيب الروداني قاض مغمور يُدخل بلاده عصر التنوير
محمد بن الطيب الروداني قاض مغمور يُدخل بلاده عصر التنوير


01-22-2016 11:51 PM

الشكوك التي لا تزال تحيط بوجود مطابع بالمغرب خلال القرن السادس عشر لا تنفي معرفة المغاربة بالمطبعة حتى قبل دخول الطباعة الحجرية.
العرب حسن الوزاني

الرباط- في سنة 1864 فوجئ عمال ميناء مدينة الصويرة المغربية بوصول آلة غريبة. جلبها شخص مغربي، عبر باخرة انطلقت من مصر. وبحكم كون العمال، كما هو حال المغاربة آنذاك، لم تكن لهم أيّ معرفة سابقة بهذا النوع من الآلات، فقد اضطروا إلى منع خروج هذا “الشيء” في انتظار ما يقرره السلطان، الذي ما لبث أن أمر بنقل الآلة إلى مدينة مكناس ليتم تشغيلها بعد ذلك بسنة.

هذا الحدث البسيط، المرتبط أيضا بمبادرة رجل أكثر بساطة، شكّل نقطة تحول في مسار الكتابة والتأليف بالمغرب ومجالات تداولها. وإذا كانت الطباعة تعتبر حلقة أساسية ضمن محددات مسارات الكِتاب، فإنها تحتفظ في حالة بلد كالمغرب بثقل خاص لا يوازيه إلا ثقل أسئلة يثيرها تأخرُ ظهور الطباعة الحجرية بهذا البلد ودواعي استيرادها من مصر من طرف قاض مغمور وتحول ملكيتها إلى السلطات المخزنية.

الهاربون من الأندلس

تبدو محاولة تحديد فترة دخول الطباعة للمغرب محفوفة بكثير من الغموض. ويجد القارئ، ومعه الباحث، نفسيهما أمام أطروحتين على الأقل متناقضتين بامتياز.

تجعل الأطروحة الأولى من المغرب أول بلد عربي وأفريقي عرف الطباعة وثاني بلد إسلامي بعد تركيا. وتُرجع الأطروحة ذلك إلى حوالي سنة 1516، كما يؤكد ذلك الباحث المغربي المختص في مجال الكتاب أحمد شوقي بنبين.

بينما تضع الأطروحة الثانية المغرب ضمن آخر الدول الإسلامية التي عرفت الطباعة، وتحصر تاريخ هذا الدخول في سنة 1865، وذلك بعد لبنان الذي يعود تاريخ مطبعته الأولى إلى سنة 1610 ومصر (1798) وتونس (1860).

وتستند الأطروحة الأولى إلى احتمال وجود مطبعيين يهود ضمن المهاجرين إلى المغرب هربا من محاكم التفتيش الأسبانية، وإلى كون بعضهم قد حمل معه مطابعه. ويشير الباحث محمد سديد في هذا الإطار إلى صدور أول كتاب عن المطبعة الفاسية سنة 1516 لدافيد بن يوسف أبي درهم حول الشعائر الدينية اليهودية، وذلك بمطبعة كان يديرها صمويل بن إسحاق نيفدوت وابنه إسحاق. وقد تواصل عمل هذه المطبعة، كما يؤكد سديد، إلى سنة 1524، حيث أنتجت على الأقل خمسة عشر كتابا. وفي نفس السياق، يؤكد الباحث أحمد شوقي بنبين، أن أول كتاب يهودي طبع في أفريقيا كان في 1525، ويتعلق الأمر بشرح إسحاق أبرنال للتوراة، ويشير الباحث بنبين إلى وجود نسخة من هذا المؤلف بمكتبة المعهد العبري بالولايات المتحدة الأميركية.

مملكة الكتاب

السلطان المغربي محمد بن عبد الرحمن سارع بعد علمه بوصول مطبعة الروداني إلى نقلها من ميناء الصويرة إلى مكناس موليا اهتماما كبيرا بها


وفي مقابل ذلك، يشير الباحث العراقي فوزي عبدالرزاق إلى أن هناك عددا من الشكوك التي تحيط بحقيقة وجود نشاط لأعمال الطباعة العبرية في مدينة فاس المغربية خلال القرن السادس عشر. ويستند فوزي عبدالرزاق، صاحب كتاب “ممكلة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب”، في ذلك إلى غياب أيّ أثر عن هذا النشاط في المصادر المغربية، معتبرا أنه من المحتمل أن تكون العناوين الخمسة عشر الصادرة عن مطبعة صمويل بن إسحاق وابنه من العناوين التي جلبت من أسبانيا أو البرتغال أو ربما البندقية التي كانت توجد فيها دور للطباعة تهتم بنشر الكتب العبرية من أجل التصدير. أما وجود صفحات من كتاب أبي درهم، المشار إليه، بمكتبة الكونغرس فيعتبره فوزي عبدالرزاق دليلا غير مقنع لكون الكتاب لا يحمل أيّ تاريخ ولا أيّ اسم لمكان النشر.

الطباعة ودهشة السفراء

لا تنفي الشكوك التي مازالت تحيط بوجود مطابع بالمغرب خلال القرن السادس عشر معرفة المغاربة بالمطبعة أو اطّلاعهم على منتوجاتها حتى قبل دخول الطباعة الحجرية سنة 1864.

تمكن الإشارة، في هذا الإطار، إلى أهمية ما حملته رحلة محمد الصفار، التي دوّن فيها أخبار رحلته إلى فرنسا ما بين 1845 و1846، من ملاحظات مهمة في مجال الطباعة في المغرب.

يعكس نص الرحلة حجمَ الانبهار تجاه تقنيات الطباعة من خلال وقوف الصفّار على التفاصيل الدقيقة لاشتغال هذه التقنية، ومن ذلك ما كتبه “وأعجب ما رأينا عندهم من آلة الكتابة نوع خاص يطبع لك الكتابة بأيّ خط شئ ت عربيا أو عجميا، مغربيا أو مشرقيا أو كيف شئت. وذلك أنهم يأتون بالورقة مكتوبة بمداد خاص يصنعونه مستحمر اللون كمداد الجوز، فيضعونها على حجرة عندهم ويشدون عليها، ثم يحلّون فتنطبع الكتابة في الحجرة كما هي في الورقة، ثم يطبعون على تلك الحجرة ما شاؤوا من الأوراق بعد أن يدهنوا الحجرة بذلك المداد فتخرج الأوراق مكتوبة بمثل الكتابة الأولى من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف”.

يُرجع فوزي عبدالرزاق أهميةَ ملاحظات الصفار أساسا إلى المكانة التي كان يحتلها، حيث كان في خدمة ثلاثة سلاطين مغاربة منذ خمسينات القرن التاسع عشر إلى سنة 1882، وقد عُرف بإشرافه على تربية السلطان المغربي المولى الحسن المعروف بتوجهه الإصلاحي.

سنوات بعد ذلك، سيعلن سفير مغربي آخر عن دعوة واضحة إلى تبني الطباعة. ويتعلق الأمر بالحاج إدريس بن الوزير محمد بن إدريس العمري الفاسي وبما جاء في مؤلفه “تحفة الملك العزيز بمملكة باريز”، الذي هو تدوين لرحلته إلى فرنسا أواخر سنة 1860. ومما في جاء في هذه الدعوة “وهذه نسخة القاموس المطبوعة عام اثنين وسبعين بمصر يباهى بوجودها هذا العصر، لا تجد في النسخ القديمة مثلها ولا ما يقرب منها: فقد كانت عَدَتْ عليها أيدي الناسخين، حتى عجزت عن تداركها عقولُ الراسخين.
وكادت تنبذ لأجل التحريف، مع شرف موقعه من الدين واعتناء المتأخرين به والمتقدمين، حتى قيّض الله له بعض علماء مصر فصرفوا إليه وجه اعتنائهم، بهمة دولتهم ورؤسائهم. فجاءت هذه النسخة في غاية الإتقان وبرزت في ميدان الجودة والإحسان (…) ونطلب الله بوجود مولانا أمير المؤمنين أن يكمل محاسن مغربنا بمثل هذه المطبعة ويجعل في ميزان حسناته هذه المنفعة”.

مطبعة الروداني مطبعة السلطان

سينتظر المغرب خمس سنوات أخرى بعد هذا النداء ليعرف دخول مطبعته الحجرية الأولى. ولم يكن الأمر استجابة من السلطان محمد بن عبدالرحمن الذي وجه له العمراوي دعوته.

الذي حدث أن قاضيا من مدينة تارودانت، الواقعة جنوب المغرب، ويدعى محمد الطيب الروداني، قد اقتنى مطبعة من مصر أثناء رحلته للحج وأدخلها للمغرب سنة 1864، وجلب معه خبيرا مصريا في فن الطباعة يسمى محمد القباني بهدف الإشراف على تشغيلها. وكان الاتفاق بينهما ينص على التزام هذا الأخير بالاشتغال في المطبعة مدة سنة كاملة مقابل تحمل الروداني للوازمه فيما يخص مأكله ومشربه وملبسه، بالإضافة إلى أجرة شهرية تقدر بمئتي قرش مصري. غير أن السلطان المغربي محمد بن عبد الرحمن أمر، بعد علمه بوصول المطبعة المذكورة إلى ميناء مدينة الصويرة، بنقلها إلى مدينة مكناس.

نص رحلة يكشف حجم انبهار محمد الصفار تجاه تقنيات الطباعة


لم يُكتب للروداني أن يشاهد إنتاج مطبعته، إذ توفي في سنة 1865. أما المطبعة، التي سميت بـ”المطبعة السعيدة” فظلت خاضعة للإشراف المباشر للسلطات المخزنية إلى حدود سنة 1871. وقد كان أول إصداراتها كتاب “الشمائل المحمدية” لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي. وتحولت المطبعة الحكومية فيما بعد إلى مؤسسة فردية، تحمل اسم “المطبعة الفاسية” ثم “المطبعة العامرة”. وقد صار يسيّرها المطبعي المغربي الحاج الطيب ابن محمد الأزرق الفاسي الذي تعلم المهنة على يد التقني المصري محمد القباني، وذلك على أساس تقديم عُشر منشوراته للحكومة.

ثورة الطباعة المغربية

عرف المغرب مع توالي السنوات دخول مطابع حجرية جديدة. ويشير فوزي عبدالرزاق ومحمد المنوني في هذا الإطار إلى عدد من الطابعين والناشرين الذين أسهموا في حركية الطباعة بالمغرب، خصوصا خلال الفترة الممتدة من 1865 إلى 1917 ومن بينهم الطيب الأزرق والعربي الأزرق والمكي بن ادريس وأحمد اليملاحي وأحمد بن الطيب الأزرق وعبدالسلام الذويب وأحمد يمني.

ويعتبر فوزي عبدالرزاق الطيبَ الأزرق رائد الطباعة الحجرية في المغرب، ويعود ذلك أساسا، حسب فوزي عبدالرزاق، إلى حرصه على تحويل المؤسسة المخزنية إلى مشروع ناجح قادر على تحقيق الأرباح والتخفيف من تكاليف الإنتاج، وذلك من خلال اتخاذه عددا من الإجراءات من بينها استعمال صنف من الورق أقل جودة والتخلي عن شكل النصوص والاعتماد على ناسخين من الدرجة الثانية، وذلك بالإضافة إلى العمل على تحديد الوظائف والطرق الخاصة بتدبير شؤون الطباعة. ويعتبر فوزي عبدالرزاق الحدث الأساسي الذي صنعه الطيب الأزرق هو إقدامه على طبع القرآن الكريم في سنة 1879 ليكون بذلك أول طابع مغربي يحقق ذلك.

وسيحكم التميز نفسه، وبدرجة أقل نسبيا، اشتغال أخيه العربي الأزرق، ويرجع فوزي عبدالرزاق جانبا من نجاحه إلى الدعم الذي حصل عليه من طرف السلطات المخزنية المغربية، حينما تعاقد معها لطبع “شرح الخوجة على كتاب تحرير أصول الهندسة لأوقليدس” في سنة 1876. كما كان من منشورات أبناء الأزرق “شرح لامية الزقاق” لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي، و”إتحاف السادة المتّقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين للغزالي” لصاحبه محمد مرتضى الحسيني الزبيدي في 13 مجلدا، و”سلوة الأنفاس” لمحمد بن جعفر الكتاني.

المغرب والمشرق

بعد الروداني جاء أحمد يمني، الطابِع السوري الذي مارس الطباعة بفاس بين 1905 و1906. ويعتبره فوزي عبدالرزاق أول من اعتمد مطبعة ذات حروف متحركة تتجاوز، على مستوى قدرتها العملية، إمكانات المطابع الحجرية بخمسة أضعاف.

ويقف فوزي عبدالرزاق عند استعمال أحمد يمني للحروف المشرقية الشبيهة بتلك التي كانت تستعمل في كل من دمشق وبيروت، والتي كان مصدرها الأصلي ألمانيا التي كان العثمانيون أحد حلفائها السياسيين، ليطرح احتمالين بشأن سبب اختياره ممارسة الطباعة بفاس.

ويربط الاحتمال الأول ذلك بوضع أحمد يمني باعتباره أحد المفكرين السوريين الذين تكونوا في المدارس التبشيرية الغربية في سوريا الكبرى والذين هاجروا إلى بلدان أخرى بحثا عن ظروف أكثر ملاءمة. ويجعل الاحتمال الثاني الذي يقدمه فوزي عبدالرزاق من أحمد يمني مبعوثا من العثمانيين إلى فاس بهدف التأثير على التوجهات السياسية للبلاد وتحفيز الرأي العام على تبني أهداف الجامعة الإسلامية. ويستند فوزي عبدالرزاق في صياغة هذا الاحتمال إلى تخصيص أحمد يمني أغلب منشوراته لكتابات مؤلفين مغاربة يعرفون “بتعاملهم المتين مع العثمانيين” وبتأييدهم لتوجهاتهم.

وقد حقق توالي تأسيس المؤسسات المطبعية، وإن كان بشكل بطيء، تراكما على مستوى الإنتاج. حيث تجاوز ما أصدرته المطابع الحجرية بالمغرب، حسب دراسة للباحثة لطيفة الكندوز، ما نشر خلال مرحلة الاستعمار، الذي أتى بمطابعه الحديثة والمتطورة، مكرسا جانبا هاما منها لإنتاج ثقافة واسعة.
حسن الوزاني


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 595


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة