الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
تقاطعات الحب والإبداع
تقاطعات الحب والإبداع
تقاطعات الحب والإبداع


02-02-2016 01:12 AM

بروين حبيب
شكسبير هو الذي قال إنه بإمكاننا أن نحقق الكثير عن طريق الكراهية، لكننا حتما سنحقق أكثر عن طريق الحب! أمّا المقولة فليست فريدة من نوعها. منذ الأزل ونحن نعرف أن الحب هو شراع الحياة، وأن ما قادنا دوما نحو أقدار مختلفة هو الحب، سواء كان ناضجا أو مراهقا أو طفوليا، وسواء كان صحيحا وحقيقيا أو كان وهما.
حتى الموت أحيانا نذهب إليه ونحن على طريق العشق، نمشي فيه ركضا خلف أشياء نحبها ونحن لا نعرف أننا نختصر الطريق نحو حتفنا.
نظرة تشاؤمية
ربما هي كذلك… لكن صدقا يبدو لي أن الحب خلف كل منعرجات حياتنا الخطيرة.
بعض النّاس يقعون في حب الشر، يعشقونه أكثر من أي شيء آخر فيسلمونه أنفسهم بعيون مغمضة حتى يلتهمهم… هذا ليس كل شيء.. فالحب يأتي فجأة، ثم بعد اكتشافه نمرّن أنفسنا على الحصول عليه، ذلك أن مذاقه مثل الفاكهة التي لا تقاوم، يصعب أن نستغني عنه مرة أخرى. المختلف بين أن نعشق برفق ونعومة، أو نعشق بعنف ونمضي في خط تدميري للذات وللآخر يكمن في سر نعرفه، لكننا نعتقد أنّه صعب. أحيانا نستسخفه لكنه لا مفر منه إن أردنا أن نحافظ على إنسانيتنا ونبني علاقة حب صحيحة مع محيطنا، بدءا بالبشر وانتهاء بالأشياء. أندريه مالرو قال «أقصر طريق بين إنسان وإنسان هو الفن».
نحن ماذا نقول؟ بعد أن أصبحت الطرقات بيننا وبين الآخر كلها غير آمنة، ومحفوفة بالمخاطر. هل أدركنا أن إفراغ حياتنا من الفن يجعل غريزة الحب فينا تنحرف عن أهدافها؟
إذ يبدو أن الحب في تركيبته المعقّدة مزيج من الرّغبات في امتلاك شيء ما أو فعله، والنّفس البشرية أحيانا تختلط عليها الأمور حين تنقصها الرؤية السديدة للأمور. وإن كنت قد كتبت عن الفن ومدى أهميته في حياتنا عدة مرات، إلاّ أنني لم أتوقف عند هذه الحكمة التي قرأتها بالصدفة عند مالرو.
في الحب قد يركض الرّجل خلف حبيبته أميالا وهو يطلب ودها وقد تنفر منه بدل أن تحبه، لكنه قد يختصر الطريق إلى قلبها بإهدائها وردة. سلوك كلاسيكي يعتبره البعض أكل عليه الدّهر وشرب، ولكنّه سرُّ الوردة دائما، فالمرأة التي ترمي وردة على الأرض امرأة لا تستحق حب أحد. في الحب أيضا ليس من الضرورة أن نلغي أنفسنا من أجل الآخر، فقد يكون حب الذات وإعطاؤها ما يكفيها من الحب هو الطريق الصح لاكتساب القدر اللازم لنا لنعيش حياة طبيعية. أن نتصالح مع أنفسنا من هذا الباب قد يكون أقصر طريق لنقف بشموخ أمام العالم كله. وليس ضروريا أيضا أن نتوقف دوما عند الحب الذي يجمع الرّجل بالمرأة، مع أنه حب أساسي ليكون العالم بخير، لكن قد نتوقف عند حب الحياة نفسها. وأحب اليوم أن أحكي لكم حكاية الأمريكية ميغان سوليفان، سيدة عانت سوء الحظ ولكنها مع هذا قرّرت أن تحب نفسها وتهبها هدية متميزة. ميغان نجت بأعجوبة من حادثين كادا أن يوديا بحياتها، لكن إصابتها بمرض سرطان الجلد كان أقوى ضربة لها، ما جعلها تقتنع بأنّها ستموت، لكن بدل أن تبقى في مكانها وتتعفن من الحزن قبل أن تموت، خطرت ببالها فكرة جنونية وهي أن تسافر لترى الأعاجيب السبعة في العالم.
وكانت في تلك الأيام قد تعرّفت على شاب تحمّس معها للفكرة، فقام كل منهما ببيع ما لديه من أثاث وحاجيات عبر موقع «إيباي» وجمعا مبلغا ساعدهما على السفر.
على موقعها على «انستغرام» ستجدون مختصرا لرحلتها العجيبة في 13 يوما، حيث طارت عبر 15 رحلة طيران عبر 12 بلدا، وقطعت أكثر من 28 ألف ميل ورأت الأعاجيب التي حلمت بها.
أما الأعجوبة الثامنة فكانت أنها شفيت من السرطان في هذه الفترة القصيرة، ولا نعرف هل سعادتها برحلتها الجميلة وتعرضها للشمس واستنشاق هواء جديد هي السر في شفائها، أم أن وقوعها في حب ذلك الشاب هو الذي شفاها؟ في كل الحالات يبدو أن للحب إفرازات سحرية لها تأثير إكسير الحياة. ما الذي حدث بالضبط لميغان؟ إن أول خطوة قامت بها وهي أنها لم تردع مشاعرها العاشقة للسفر والمغامرة. ثانيا لم تفكّر أبدا في أن الوقت غير مناسب.. أقول ذلك لأنني أعرف أن أهم عقبة في حياتنا للقيام بشيء نحبه هو «الظروف» نتعلل دوما بأن الوقت غير مناسب حتى تمضي الفرصة ونجد أنفسنا قد خسرنا شيئا ثمينا.
في حديث نبوي نتداوله كثيرا يقول «لا تؤجل عمل اليوم للغد» لا نفهم جيّدا أن تأجيل أي عمل للغد يعني قتل الشغف الذي ينتابنا لفعله. والشغف هو الحب القوي كما تُعَرِّفه قواميس اللغة. أما إنطفاء الشغف فهو موهبة نتميز بها أكثر من غيرنا، وهذا ما يجب أن نغيره.
السفر أيضا فن من فنون الحياة، ولعلّه الفن الأجمل على الإطلاق للتعرف على ثقافات العالم. فالمخيّلة تظل مثل عصفور في قفص إلى أن نطلق سراحها ونسافر ونرى. أما إطلاق العصفور من قفصه فيتطلب منا مشاعر حب للحرية وللعصفور. وإن لم نكنّ الكثير من الحب لما نملك من قدرات، بدءا بهذه المخيلة العجيبة فكيف نتفاعل بشكل إيجابي مع الحياة.
أعرف سلفا أننا سنجد مليون سبب لنعتبر رحلة ميغان سوليفان رحلة مستحيلة بالنسبة لنا، هل يمكن لكل شخص مصاب بالسرطان أن يشفى إذا قام برحلة حول العالم؟ المغزى من كل هذا أن لكل شخص حلما في داخله. عليه أن يطلق سراحه ويحققه، فإن عاش فهذا ممتاز وإن مات فإنه سيموت سعيدا. من الصعب ربما أن نشرح مغزى الحكايات التي نرويها الآن، لأنه بقدر ما انفتحت نوافذ العالم أمامنا عن طريق الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت رقعة حريتنا أصغر، ونبض أحلامنا أصبح أقل أيضا… ربّما بسبب الزحام الذي نعيشه، زحام الصور والأصوات وتداخلها. زحام المواقع الإلكترونية، والفضائيات والوجوه والنجوم وأشباه النجوم والكتاب والشعراء وأشباههم… في هذا الزحام تصبح الرؤية صعبة، والتمييز بين ما نريد وما لا نريد أصعب.
لكن باولو كويللو يقول: «فقط حين نحب نتمكن من أن نكون شيئا مهما عن طريق الإبداع»
ولنتذكر أن الشعر يأتي به الحب فنصبح شعراء. الأدب والفنون وتجميل البشاعات التي يصنعها الإنسان الخالي من العواطف كلها تأتي من الحب، وكلها تحيلنا إلى الله أيضا.
بروست الكاتب الفرنسي المعروف قال ذات يوم إن ملحدا مبدعا يقرّبنا من الله أكثر من مؤمن يمزق البشر من أجل إعلاء كلمة الله. والمقولة نفسها يقولها مواطنه جان كريستوف ريفان – وهو طبيب وسياسي وكاتب ـ حين قال إن المقاتلين باسم الله يختصرون وجوده في رقعة صغيرة من الأرض، وإنّهم بقسوتهم يجردون الله من كل معجزاته في خلقه.
نحن ماذا نقول؟
جرّبوا الحب بدءا بحب أنفسكم وأخبروني بالنتائج لأنني خبرت ذلك وأؤكد لكم أن الأمر ممتع جدا.

شاعرة وإعلامية من البحرين

تقاطعات الحب والإبداع

بروين حبيب


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 858


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة