الأخبار
أخبار إقليمية
الروائي الطيب صالح في عيون الألمان!*
الروائي الطيب صالح في عيون الألمان!*


02-19-2016 09:54 PM
د. حامد فضل الله

الروائي الطيب صالح في عيون الألمان
بمناسبة الذكرى السابعة لرحيل كاتبنا المبدع
(1929 – 18 فبراير 2009)

إلى ذكرى الكاتب والناقد الأدبي الراحل
رجاء النقاش، أول من قدم الطيب صلاح
للقارئ العربي


بصدور رواية „بندر شاه“ عام 2001 اكتمل نشر روايات الطيب صالح الثلاث (موسم الهجرة إلى الشمال، عرس الزين(1)، بندر شاه) وقصصه القصيرة التي جمعت في كتاب بعنوان „حفنة تمر“، عنوان إحدى قصص المجموعة والتي ترجمت الى الألمانية وصدرت بعد أكثر من ثلاثين عاما منذ صدور روايته الأولى „عرس الزين“/ بيروت عام 1966.
في هذا المقال إستعراض موجز لما سطرته أقلام بعض الكتاب والنقاد على الصفحات المتخصصة بالأدب في بعض الصحف والمجلات الألمانية وذلك بعد الإحتفاء والترحيب الرائع برواياته من الكتاب والقراء.

صورة الأوروبيين في قصص ومسرح الأدب العربي الحديث،
روتراود فيلاند (2)Rotraud Wielandt

إن رواية موسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح شكلت لدى العديد من الباحثين والنقاد الأوروبيين مدخلاً لدراسة آثار الاستعمار على الصعيد الاجتماعي والثقافي التي ما زالت تربط بين البلدان الأوروبية وشعوب مُستعمراتها رغم الاستقلال السياسي لتلك البلدان المُستعمرة.
وشكلت شخصية البطل الروائي مصطفى سعيد في انفصاميتها ما بين الحقد على الاستعمار والرغبة في الانتقام منه. لقد فقد نفسه أي هويته ووحدة شخصيته للأبد تحت تأثير ثقافة المستعمرِين أثناء دراسته في بريطانيا، كما أن انتقامه من الاستعمار عن طريق غزواته الجنسية باغتصاب النساء الانجليزيات ودفعهن إلى الانتحار لا يغير من واقعه شيئاً، أنه انتقام العاجز، وحتى عودته إلى الوطن ومحاولة بناء حياة جديدة مستفيداً مما اكتسبه من معرفة دون أن يتمكن من الخلاص من آثار الماضي مما أدى الى فشله من جديد وأن تنتهي حياته بشكل مأساوي، وبذلك يبقى هو أخيراً ضحية الوضع التاريخي بصورته الإجمالية.
على نقيض ما يمثله مصطفى سعيد كانت شخصية الراوي الذي درس أيضاً في بريطانيا بعد استقلال السودان عنها، أكثر توازناً، فهو مختلفاً عنه في أفق تجربته وتقيميه ونقده للاستعمار:
إن الأوروبيين ليسوا أعداء سياسيين بالوراثة والأفارقة ليسوا بالمغتصِبين ولا المطالبين بالثأر، لا عداء تاريخي.
تُختتم الرواية بمغادرة الراوي غرفة غريمه/ مصطفي سعيد/ يسيطر عليه الغيظ والحقد وتقوده قدماه إلى شاطي النيل، يدخل الماء عارياً سابحاً نحو الشاطي الشمالي ويقاوم قوى التيار الذي يشده إلى القاع بكل ما يملك من قوة وعزيمة رافعاً قامته في محاولة للبقاء على السطح وهو في حالة بين الحياة والموت وفي منتصف الطريق بين الشمال والجنوب.
إن الخاتمة الرائعة والتي لا تتعدى ثلاث صفحات مبنية على رمزية مكثفة غير عادية بجانب طريقة السرد المحكم بما فيه من تشويق وإثارة عبر العديد من صفحات الرواية، تكشف من خلال الشخصيتين الرئيسيتين عن أزمة ومأساة ومسار المثقف السوداني بين التمسك بالقديم والانفتاح نحو الجديد. وتعكس العلاقة المستجدة بين السودان وبريطانيا على المستوى الثقافي بكل أبعاده والتي تعتمد في أساسها على القيم المشتركة بين الشعوب بغض النظر عما تركته العلاقات السياسية الاستعمارية السابقة من آثار سلبية والتي لا يمكن التحرر منها بين يومٍ وليلةٍ.

وتحت عنوان „الإنجليزي الأسود على ضفاف النيل“، „موسم الهجرة إلى الشمال“ للطيب صالح، رواية كلاسيكية لأدب ما بعد الكولونياليه تكتشف من جديد.

كتب هانز بيتر كونش(3) Hans-Peter Kunisch
“ .... فالرواية، ومنذ نشرها لأول مرة في منتصف الستينات توطدت “ككتاب مقدس” في أوساط المثقفين وهي الآن في مصاف الأدب العالمي، لفترة طويلة قبل أن يصدر صاموئيل هانتنغتنSamuel Huntington كتابه “صراع الحضارات” تطرق الطيب صالح إلى هذه الموضوعة كشرخ ينسحب ويتجلى في بعض المصائر الفردية لشخصيات الرواية.

بالرغم من مضي ثلاثين عاماً على ذيوع رواية صالح إلا أنها – ومما يدعو إلى الدهشة – لم يزل تأثيرها الروحي طاغياً وهذا ما ينطبق كذلك على ترجمتها إلى الألمانية التي أتت متأخرة جداً – مما يعلل تزكية الرواية هذه – هو أن القطيعة بين الثقافات رغم التناقض بين التحزب للعولمة أو التظلم منها لم تفقد أهميتها ولأن الرواية كُتبت بحريه مُسيطرة. إن تعدد الإحتمالات داخل الرواية لهو مشروط بالفقرات “المقالية” وقصص أهل القرية الشفهية والمونولوج الداخلي وهذه العناصر في حد ذاتها توسع المنظور أكثر من مضمون حياة سعيد غريبة الأطوار والذي تلاشى دوره مع انسيابة الرواية شيئاً فشيئاً.
أما المشهد الختامي الرائع، جاء كنهاية مفتوحة... أيتبع سعيد إلى النيل...؟

تركت كل قضايا الصراع الحالية تقريبا المتعلقة بالحياة الأفريقية بعد الإستعمار آثارا واضحة في هذه الرواية المدهشة:
عواقب التطور (الثورة) التعليمي.
السلوك الإستعماري الحديث للنخبة الجديدة، داخل البلاد، التي تعلمت في الغرب.
حق تقرير المصير للأفراد والثقافات.
الوضع الإجتماعي للمرأة وختان الإناث.
ربما يكون إصرار الطيب صالح على المزج التجريبي والتقليدي في هيكلية السرد في هذه الرواية الصغيرة- التي تنمو من فصل الى فصل والمشار فيها دائما الى جوزيف كونراد وتسترجع “عطيل وتقترب بصورة مدهشة من أثر شكسبير – هو الذي جعل تباين الثقافات والمناقشات الحالية حول السرد القديم والحديث مكسوا بالغبار”.

وكتب فريدولين فوغر(4) Fridolin Fuger إن الشخصية الرئيسية في الرواية ليست مصطفى سعيد ولكنها الراوي ذاته.
ويستدل على ذلك بشكل خاص من خلال المشهد في غرفة المكتب، الذي يؤكد أن سعيدا ليس الشخصية الحقيقية المختارة. إن المصير الذي آل اليه الرواي يعكس تمزقه الداخلي وأزمة مصيره، الأمر الذي ساعده في نهاية المطاف لإعادة تصويب توجهه.
وهنا أيضاً إشارة إلى رمزية دخول الراوي إلى نهر النيل والسباحة صوب الشاطئ الشمالي.

كتب لودفيج أمان(5) Ludwig Ammann منوها في تقييمه لرائعة الطيب صالح „موسم الهجرة إلى الشمال“، بأن صالح استبق في روايته هذه بعقد من الزمان „نقد الإستشراق“ لإدوارد سعيد، فإدوارد سعيد لم ير في الإستشراق سوى تحقير الشرق غافلا عن تمجيد المستشرقين للشرق ومتجاهلا حركة الإستغراب „الإستشراق معكوسا“، وصالح لا يأبه لمراعاة المحظورات ولا يلجأ للمراوغة، ومارس آنذاك النقد الذاتي متعرضا للفساد والرشوة في أنظمة ما بعد الكولونياليه.
وعن قصصه القصيرة كتبت أولريكا روده(6) Ulrike Rode „رحالة بين الشمال والجنوب“ – قصص قصيرة عن حياة ما بين ثقافتين ملؤها الحنين والألم.
بينما يحزن الطيب صالح في قصته الأولى للفردوس الضائع، للتكامل بين الإنسان والطبيعة والعلاقة المتواصلة بين الإيمان والحياة، يصل في قصصه التالية الى موضوع حياته الأساس وهو التباين ما بين التقليد والتقدم وإنقطاع الثقافات.
في قصة „ حفنة تمر „ التي شكلت عنوان الكتاب تعبر القصة المؤلمة عن نزع تصوره المثالي للوطن المحبوب، وبفضل التتابع الزمني للقصص نرافق الكاتب في تغير وعيه وتنامي نظرته الواقعية للوطن الذي خلّفه وراءه.
إننا ندرك إرتباطه بعائلته الكبيرة في حفيف جريد النخل الذي يرمز الى نبض الحياة. ونبدأ في الوقت عينه في تفهم مدى إحساس الإنسان بالتمزق الذي يعتريه عندما يعود من الغرب المتفوق إقتصاديا وثقافيا الى وطنه الذي بات غريبا عليه.
الطيب صالح بقى مترحلا ما بين عالمين وثقافتين، وفي كل إنجازه الأدبي عمل على معالجة هذا النمط من الحياة المليئة بالإرهاق وبلغة غنية بالمشاعر، دون ان يترك لمشاعره أو يتسرع في تقييمه في تقرير ما هو صواب أو خطأ.
إن قصصه شديدة التركيب تجبرنا نحن القراء الغربيين على إعادة تقييم الذات.

مضى تقريبا أربعون عاما على هذه القصص التسع للكاتب العربي الكبير ومما يدعو الى الدهشة فعلا أنها ما زالت وبالرغم من كل العولمة تحتفظ بحيوتها حتى الوقت الراهن.
وكتب إنغو أريند(7) Ingo Arend - نخلة الرحمة، من الأسطورة إلى المنطق-.
تجسد شجرة النخل في هذه القصص الوحدة الكلية المفقودة. إنها رمز الحياة، فسعيد هو الذي يزرعها والناس يبتهجون عندما تلامس الريح تاجها. إنها منبع الاسطورة والكل ينطلق منها.
„من أسطورة الوحدة إلى واقع العزل“ يعود ويتطرق صالح دائما في قصص الحب الصغيرة الى خطوط الفصل العنصرية، وأيضا هومي بابا Homi Bhabha المهاجر في عصر ما بعد الكولونياليه هو نموذج لذلك.
وهكذا يصف الطيب صالح بدون رحمة وعاطفة إنفصال الجزء عن الكل.
وكما في روايته „موسم الهجرة الى الشمال“ يشكل الصراع بين التقليد والحداثة جوهر روايته الجديدة „بندر شاه“(8) وفيها يتألق في ربطه ما بين أحدث أساليب الرواية الأدبية والأداء الشفاهي الموروث.
في حين يؤكد صالح إستمرار الصراع ما بين التمسك بما هو قائم من جهة وإرادة التغيير من جهة ثانية – أي ما بين القديم والجديد، أكان ذلك على المستوى السياسي من جهة أو كما تتجلى من جهة ثانية في قصة حب مريم ومحيميد. في حين ينتقل من موضوعيته هذه وباسلوب مجازي يعالج من خلاله قصة البطل الرئيسي للرواية وتبدأ بانقاذ „ضوء البيت“ والد „بندر شاه“ من نهر النيل مقتبسا بذلك قصة سيدنا موسى التاريخية.
„بندر شاه“ هي قراءة مركبة، جرى إغناءها أكثر فأكثر من خلال تنوع الرؤى والأزمنة المتعددة والإضافات المتنوعة، وفي الوقت عينه عمل صالح على شد انتباهنا من خلال سرده للتفاصيل الكثيفة للحياة في „ودحامد“ بكافة ألوانها، ويصف الجمال الذي تعكسه طبيعة النيل في أدق تفاصيلها ويغني حوارات نساء ورجال القرية بالوان الفكاهة الموروثة.
بعد رواية „موسم الهجرة الى الشمال“ يثبت صالح مرة أخرى بأنه روائي كبير.

ويكتب شتيفان فايدنر(9) Stephan Weidner بعنوان مثير: „الرجل الآتي من النيل“ مغامرة لا مثيل لها في الأدب العربي. بروايته „بندر شاه“ يثير الطيب صالح الحيرة.

صمت صالح ثلاثين عاما، وفي صمته الإبداعي يمكن مقارنة هذا الكاتب السوداني الكبير الذي تألق في الستينيات كصوت واعد لأفريقيا السوداء، بصمت رمبو(Rimbaud) (شاعر فرنسي- المترجم) انه صمت تراجيدي لا يمكن تفسيره.
و”بندر شاه” هي أكثر رواياته غموضا ولا يمكن سبر غموضها، فهي متاهة يسهل ولوجها ولكن الخروج منها هو المأزق. وعندما يصل القارئ إلى نهايتها يتمنى قراءتها من النهاية إلى البداية على مثال “خيط أريادنا” (10) Ariadne ليكتشف بأنه قطع كما هو حال تتابع الأجيال الطبيعي في „ودحامد“.
وحتى تتضح الصورة للقارئ، فإن الرواية تسير في خطين كشرائح شفافة مترادفة فوق بعضها البعض، فالحدث الأول يروى بنبرة اسطورية عن كيفية النهضة التاريخية للسودان ومعه القرية عند نهاية القرن التاسع عشر، وخروج الرجل الغريب من النيل عند قرية „ودحامد“ وكأنه طفا لتوه وهو فاقد الذاكرة من نهر الليته(11) Lethe. أهل القرية احتفوا به وسموه „ضوء البيت“ وصار واحدا منهم، نجح في عمله وأضاف الجديد وأصبح في فترة وجيزة من الأثرياء وعندما حملت زوجته ابتلعه النيل من جديد، لتضع بعد ذلك مولودا يحمل الاسم المليء بالأسرار „بندر شاه“ أما الحدث الثاني فيعرض توثيقا لثلاثة أجيال سابقة.
ويمكن القول بأن موضوع الرواية يقوم على سبر العلاقة ما بين الأجيال في عالم سريع التغيير، والدور الذي يلعبه الدين والتقليد في عمليات التحول الجارية بما تقدمه من مرتكز يتكئ عليه الناس، وفي الوقت عينه يشكل قيدا يخضع الناس للمراوحة في الهيكيلية الموروثة.

الطيب صالح هو أحد رواد الأدب العربي المعاصر الذي حظي إنتاجه بالدراسات والأبحاث المتعمقة باستثناء رواية „بندر شاه“ التي لم تتعرض لتحليل علمي أو محاولة تفسير متكامل وبقدر ما يصعب على المفسرين سبر غور الرواية فإنه يجعل من قراءتها أحد أكبر المغامرات التي لا مثيل لها في الأدب العربي.
و“بندر شاه“ مثل كتبه الأخرى مليئة بالايحاءات والإثارة. فالقارئ يشعر في „ودحامد“ بأنه يسبح مع „محيميد“ وجده في النيل ويخترق صوت المؤذن أذنيه.
هذه الإنطباعات الجميلة المتعددة الألوان يكتسبها القارئ من تفاصيل الروايه إلا أنه يصعب عليه إكتشاف البعد اللازم الذي يسمح بتحويل الجزئيات الى أصل متكامل.
وبعد رائعته „موسم الهجرة الى الشمال“ أصدر الطيب صالح وديعته „بندر شاه“ مثيرا بذلك الكثير من الأسئلة التي تستهدف الأجيال القادمة من القراء.

في مقابلة مطولة أجرتها الكاتبه والصحفية مارتينا صبرا(12) Martina Sabra مع الكاتب „الطيب صالح“ نقتطف منها:
هل لاحظت تطورا في النقاش حول رواية „موسم الهجرة الى الشمال“ على إمتداد ثلاثين عاما منذ صدورها وحتى الآن؟

في الجامعات كتب الكثير عن الرواية والأكاديميون يناقشونها آخذين بعين الإعتبار الأبعاد النفسية واللسانية (اللغوية) إلا أن المهم في نظري، أن نأخذ بعين الإعتبار أن إهتمام القارئ العادي ينصب على الموضوع الرئيسي المتمثل في تفوق الغرب والكليشيهات ونقص الفهم المتبادل كما نشاهده يوما بيوم في وسائل الإعلام. فنحن ما زلنا لا نقبل بعضنا البعض كآدميين تملأهم المشاعر والآمال الإنسانية الصادقة. إنني أشعر بالحزن لإستمرار هذه الفجوة.
ماالذي يدفع القارئ الألماني للإهتمام بالأدب السوداني؟
نحن نقرأ أيضا الأدب الألماني توماس مان، هرمان هسه، غنتر غراس. وإذا أردنا أن نفهم بعضنا، فيجب على الأوربيين أن يخرجوا من عزلتهم القائمة على الغطرسة، فالأوربييون لا يزالون يعتقدون بأنهم الأكثر تحضرا في العالم وليس هناك ما يتعلمونه من الآخرين. إلا أن مجتمعا فقيرا على المستوى الإقتصادي يمكن أن يكون ثمينا على المستوى الثقافي، فالسودان يتكئ على حضارة تعود الى خمسة آلاف سنة، فلدينا ما نقوله، ولدينا ما نقوله للأوربيين.


وداعا الطيب الصالح

توفي الطيب صالح في 18 فبراير/ 2009 ونعته كبريات الصحف الألمانية ومذكرة بأعماله، نقتطف منها الأتي:
يقول شتيفان فايدنر(13) في مقالة „موسم الهجرة الى الجنوب“:

على مسرح الأدب والشعر كان السودان أرضا مجهولة قبل ان يقتحم الكاتب السوداني الطيب صالح المسرح الأدبي الصارخ في بيروت في ستينيات القرن الماضي. لقد كان فنانا كبيرا أثبت بأن الإبداع لا مكان له مهما كان قريبا أو بعيدا وبصرف النظر عما اذا كان لهذا المكان أو ذاك أية أهمية.
كان صالح ودودا في علاقاته الشخصية ومتواضعا في تقدير دوره الأدبي، مقدما أي قصيدة كلاسيكية عربية مشهورة على أنها أكثر قيمة من رواياته جميعها. ولكن مؤرخي الأدب سيقدمون بالتأكيد حكما مغايرا لما ذكره، مع ملاحظة أن الطيب صالح قدم آخر إنتاج كبير له عام 1971.

ويكتب مارتن إبل(14) Martin Ebel رواية “موسم الهجرة الى الشمال” مرافعة أدبية عن نمط من الحياة، لا ينكر الغرب ولا التنوير ويفضل بالرغم من ذلك القرية الشرقية على المدينة، وإن الحقائق تفصح عنها النساء.
إن قراءة الكتاب للمرة الأولى تفعم بالسرور، أما القراءة الثانية فيرافقها تهليل وسعادة المكتشف.

وفي نعيه يكتب فولفغانغ غنتر ليرش(15) Wolfgang Günter Lerch تحت عنوان: “على قوس النيل”:
صحيح أن السودان بلد عربي ولكنه كان مجهولا في مراكز الأدب العربي مثل مصر ولبنان وسوريا أو العراق، حتى جاء الطيب صالح والذي كان له تأثيره في مسار الحداثة العربية.
ولقد كان سباقا في أعماله حينما طرح موضوع صراع الحضارات الذي يثار في عالم اليوم والذي طبع تاريخ المنطقة والبلد الذي ينتمي اليه.
يؤكد ليرش بأن أعمال الطيب صالح ستجعل وطنه السودان خالدا والى الأبد في سماء الأدب العربي.

الطيب صالح ينزع عن الموت سطوته (16) ريجينا قرشولي

أعمال الطيب صالح كانت من أجمل الصدف السعيدة في حياتي كمترجمة للأدب العربي إلى اللغة الألمانية، لا أستطيع أن أقول ما هو العمل الذي شغلني وأثر بي أكثر من غيره من أعماله.
أهي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” ببنيتها المحكمة التي بلغت حد الكمال في حبك كل ما في التلاقي بين الحضارات من تناقضات في كل متجانس؟ أم هي تلك القصص الرائعة التي تمكن فيها من ولوج أعماق شخصيات إنسانية نموذجية وسرد سير حياة كاملة بما يشبه ضربات رسام سريعة؟ أم هي ياترى “بندرشاه”، الرواية الأكثر فنية في إيقاعاتها، والتي تمكن فيها من أن يوقظ قرية سودانية صغيرة من سبات ثانويتها ليزرعها في صلب التاريخ. ففي كل حدث يحدث للتو ثمة عودة إلى ما حدث عبر الزمن. انه ينزع هنا عن الموت صفته النهائية القاطعة الحاسمة، ويفقده بذلك سطوته وجبروته. إن مابهرني كمترجمة لأعماله قبل كل شيء هي الدقة المطلقة. لا توجد مفردة لم توضع في مكانها الصحيح ولا توجد جملة لا تنتهي بنقطة – كما هي الحال باللغة العربية، وبالتالي باللغة الألمانية، وبكل لغة أخرى. ما أعنيه هنا هي دقته الأسلوبية. والوضوح الذي يختبئ العمق في ثناياه. والغنى الخارق في الإيحاءات التي يبثها بين الكلمات، لا فيها وحسب.
وقبل هذا وذاك: تلك البساطة الظاهرية المفترضة التي يحمُّلها أفكاراً ترقى إلى المستوى الفلسفي إن ما بهرني فيه كإنسان هي مودته وطيبته وسخريته الخافتة وإنسانيتة البادية دون أن يكسرها أي تصنع.
ويالضحكته من قهقهة تدخل دون استئذان كل قلب، ولم يكن ليستطيع أن يتجنب عدواها أي جليس ...

مدخل لقراءة نصوص للطيب صالح أندرياس فليتش (17) (Andreas Pflitsch)
قام أندرياس فليتش الأستاذ في مركز البحوث للأدب والثقافة في برلين، بتقديم مدخل لروايات الطيب صالح في فقرة “ذكرى تتحدث” (Erinnerung spricht ) أثناء انعقاد مهرجان الأدب العالمي التاسع من 09 - 20 سبتمبر 2009 في برلين وبمشاركة واسعة لكتاب من العالم العربي.
جاء في التقديم: أن تواضع الكاتب الذي يشرفه وأعماله القليلة يجب أن لا تضللنا عن أهمية إنتاجه للحداثة العربية.
تعالج رواية موسم الهجرة إلى الشمال موضوعة مركزية للأدب العربي الحديث عنوانها تحدي الغرب.
بدءاً من نهاية القرن التاسع عشر انصب اهتمام الأدب العربي الحديث التعاطي على ما تقدمه الحضارة الغربية: بين الانبهار للثقافة الغربية من جهة والشعور بالإذلال على المستوى السياسي في ظل هيمنة الاستعمار والامبريالية من جهة أخرى. برزت فجوة كبيرة جرت لمحاولة القفز عنها من خلال التفسيرات المتعددة. ومن هنا تتضح مرواحة علاقات المثقفين العرب بالغرب، ما بين الإعجاب الشديد من جهة والخوف من فقدان الهوية الذاتية، أي ما بين الحب والكراهية من جهة أخرى. ومن هنا نلاحظ مدى تأثر موضوعة رواية الطيب صالح بهذه العلاقة الانفصامية، لعدد كبير من المثقفين في أفريقيا والعالم العربي مع الغرب.
على هذا النحو برزت حالة انفصام، بين مشاركتهم في النضال السياسي لبلادهم بهدف الاستقلال عن الهيمنة الأوروبية ومن جهة أخرى اعترافهم وتعلقهم بسيادة الثقافة الغربية.
بعد ذلك قام رولاند شيفر (Roland Schaefer) الممثل والمخرج المعروف على نطاق المسرح والسينما والتلفزيون بقراءة مقاطع مطولة لرواية موسم الهجرة إلى الشمال، كشف من خلالها عن الصور الجمالية التي يقدمها الكاتب من خلال أسلوبه الروائي وصياغته المثيرة.

* بسبب المقالات الكثيرة التي نشرت في المجلات والصحف الألمانية بعد صدور الطبعة الأولى “لموسم الهجرة الى الشمال” عام 1998 نكتفي هنا بذكر بعضها فقط.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
صدرت المجموعة عن دار لينوس Lenos (بازل سويسرا) وبإشراف الكاتب الألماني المستعرب هارتموت فندرش Hartmut Fähndrich والذي اختتم كل رواية بتعريف قصير عن الروائي مع عرض موجز لمضمون كل رواية.

نقلت الروايات عن العربية وفاءً لجمال النص العربي وباقتدار مصحوب بلغة أدبية رصينة د. رجينا قرشولي الباحثة في المعهد الشرقي التابع لجامعة لايبزج Leipzig وزوجة الشاعر السوري د. عادل قرشولي.

الهوامش:
صدرت الترجمة الألمانية الأولى لرواية “عرس الزين” مع النص العربي في مجلد واحد عن دار نشر صغيرة “(Edition Orient)“عام 1983 وقام بالترجمة استيفان رايشموت Stefan Reichmuth كمادة للتدريس لطلاب الدراسات الإسلامية والعربية في الجامعات الألمانية.
Rotraud Wielandt; Das Bild der Europäer in der modernen arabischen Erzähl- und Theaterliteratur; S:437-478; Beirut 1980; Franz Steiner Verlag. Wiesbaden.
Hans-Peter Kunisch; Der Schwarze Engländer am Nil; Süddeutsche Zeitung/ 139/ 1998;
الترجمة الكاملة للنص نشرت عام 1999 في صحيفة أخبار الأدب/ القاهرة، ومجلة كتابات سودانية، بمشاركة الكاتب أمير حمد.
Fridolin Fuger ; Faustgestalt Zwischen Nord u. Süd. (Der Bund, 26.03.1998)
Ludwig Ammann; Lust an Herrschaft und Unterwerfung; (Badische Zeitung 28.05.1998)
Ulrike Rode; Auf Wanderschaft Zwischen Nord u. Süd.
Ingo Arend ; Palmherz – Vom Mythos Zum Logos; Freitag 11 /Die Ost – West Wochen Zeitung/ 09.03.2001
(Bander Schah ) (Tajjib Salich) كما جاء في النشرة الصحفية لدار لينوس (Lenos) 2001
Stephan Weidner ; Der Mann, der aus dem Nil kam; Frankfurter Allgemeine Zeitung/ 07.02.2002
حسب الاسطورة الاغريقية التي تروي قصة الأميرة „أريادنا“ ابنة الملك مينوس (Minos) „ملك كريت“ التي أهدت حبيبها „تسويس“ (Theseus) بكرة خيط يمده خلفه حينما يدخل إلى المتاهة ليستعين به في طريق عودته إذا خرج منها ليعود سالما من حيث بدأ. والاسطورة تضرب كمثل عن كيفية تخطي الحالات الصعبة والخروج من المآزق (المترجم).
الليثه (Lethe) حسب الاسطورة الاغريقية، هو نهر النسيان، الذي يعد واحدا من خمسة مجاري مياه في الآخرة، وبانتقال الأموات إلى الآخرة وشربهم منه ينسون فورا السعادة أو العذاب الذي عاشوه في الحياة الدنيا (المترجم).
Martina Sabra; Überall Leben Wirkliche Menschen; Frankfurter Rundschau/ 03.04.1998
Stefan Weidner; Zeit der Südwanderung; 19.02.2009
Süddeutsche Zeitung
Martin Ebel ; Sudanesischer Autor Salich gestorben; 20.02.2009
/Tages-Anzeiger
Wolfgang Günter Lerch; Am Nilbogen; Frankfurter Allgemeine Zeitung/ 20. 02.2009
ريجينا قرشولي: هذه فقرة من المداخلة التي القيت في ملتقى أصيلة تكريماً للطيب صالح في المغرب في 11/8/2009. النص الكامل نشر في صحيفة „أخبار الأدب“ القاهرية في 6/9/2009
Andreas Pflitsch; Einführung in die Lesung von Texten von Tayeb Salih; im Rahmen des Programms „Erinnerung sprich“; internationales Literaturfestival Berlin; 15.September 2009


hamidfadlalla1936@gmail.com


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1600

التعليقات
#1417484 [عبدالمنعم سيداحمد]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2016 03:10 PM
يبدو أن Rotraud Wielandt لم يقرأ رواية الطيب صالح أو هناك خطأ في الترجمة: ليس في رواية "موسم الهجرة " ما يشير من قريب أو بعيد الى أن مصطفى سعيد يغتصب النساء ولو كان الأمر كذلك لفقدت الرواية أهم عناصرها المحورية وهو الإنجذاب السحري بين الشمال والجنوب وبكل عنفوانه وتناقضاته متمثلاً في العلاقات الجنسية بين رجل وامرأة كما يحدث بين المرأة والرجل ولكن من الناحية النفسية بين "السيدة" و "العبد" بين بنت الجلّاد وابن المجلود ( مع تحياتي للأخ حامد)

[عبدالمنعم سيداحمد]

ردود على عبدالمنعم سيداحمد
[mohamed] 02-21-2016 10:19 AM
اعجبني تعليقك يدل علي انك زول ناقش


#1417379 [ابوعكاز]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2016 11:04 AM
جهد رائع منك د.حامد للتعريف باهتمام الالمان بادبينا الطيب صالح ، الذي هو علامة فارقة في تاريخنا الادبي ولو كان في غير بلدنا لرفع الى مصاف غوتة ونيتشة وشكسبير ، وملحظ ثاني عدم اعتمام معلقي الراكوبة الاعزاء بالتعليق على هكذا جهد وكتابة

[ابوعكاز]

#1417332 [Abu Ahmad]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2016 09:12 AM
شكرا د. حامد على هذا العمل الكبير والمضمون الراقي (الروائي الطيب صالح في عيون الألمان) لما فيه من تقدير لأعمال هذا المبدع الذي بز أقرانه في العالم العربي ونال إحترام الجميع. أتفق مع ما ورد من أن (بندرشاه) لم تحظى بالدراسة والتحليل الكافي وأذكر أن الطيب صالح نفسه أشار في إحدى المقابلات إلى أهمية (بندرشاه) وأنها لاتقل عن موسم الهجرة إلى الشمال .. رحم الله الطيب صالح فقد كان فريد عصره وزمانه .

[Abu Ahmad]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة