الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
أعمال كرستين كازانو .. رؤية أخرى للجانب الآخر من حياتنا
أعمال كرستين كازانو .. رؤية أخرى للجانب الآخر من حياتنا
أعمال كرستين كازانو .. رؤية أخرى للجانب الآخر من حياتنا


02-29-2016 11:29 PM


العناصر المكونة لأعمال الفنانة الأميركية تتألف من الحديد وبعض المواد الإنشائية (كالخرسانة) والخشب والخيوط وعظام بعض الحيوانات.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: سلمان الواسطي

بنى تأملية وجمالية جديدة

في معرضها الأخير الذي أقيم مدينة فينكس في ولاية أريزونا الأميركية في الجمعة الثالثة من شهر فبراير/شباط, عرضت الفنانة الأميركية كرستين كازانو آخر آعمالها الفنية التي تدور حول العلاقة التي تربط بين النظم التكنولوجية والنظم البايولوجية خصوصا ما يتعلق بالإنسان.

يُعد هذا المعرض مرحلة من مراحل تناول الفنانة كرستين للعلاقات التي تربط بعض النظم والبيئات التي تحيط بنا خلال مراحل حياتنا.

ولدت الفنانة الأميركية كرستين كازينو في جنوب ولاية فرجينيا عام 1974, وأنهت دراستها الجامعية بالحصول على شهادة البكالوريوس في فن الرسم من جامعة أولد دومنيون.

في عام 2001 انتقلت الفنانة كرستين كازانو الى مدينة فينكس ولاية أريزونا في الجنوب الغربي الأميركي, حيث بدأت تعمل على حالة التوافق والتباين في العلاقة بين نظم الصناعية والعضوية ومدى تقبل هذه العناصر وعملها مع بعض في الحياة, وأقامت ثلاثة معارض عن هذه الثنائية في مدينة فينكس ولاية أريزونا.

لذلك يرى المتلقي أن العناصر المكونة لأعمالها تتكون من الحديد وبعض المواد الإنشائية (كالخرسانة) والخشب والخيوط وعظام بعض الحيوانات كاستخدامها في أحد الأعمال (لفكي حصان) واستخدمت أيضا للتعبير عن هذه المرحلة بعض السوائل العضوية ومعدن النحاس والبلاستيك والحجارة والطين.

لم تكتف في هذه المرحلة فقط باستخدام هذه المواد وتركيبها بعيدا عن الألوان فكانت ألوان الألكريلك ترافقها للتعبير عن رؤيتها الفنية في المعالجة واستكشاف ماهية هذه العلاقة بين هذين النظامين الموجدين في الحياة.

في عام 2013 تحولت الرؤية الفنية للفنانة الأميركية كرستين إلى العمل على ثنائية جديدة موجودة في حياتنا, وهي ثنائية البيولوجيا والتكنولوجيا وماهية العلاقة التي تربط بين هذين النظامين ومدى توافق عمل هذين النظامين مع بعض ومدى تقبلهما وتأثيرهما في حياتنا من خلال استكشاف الأنماط البيولوجية الموجودة في الإنسان أو الحيوان، وكذلك هي تعمل من خلال التقاء هذه النظم لاستكشاف تأثير التكنولوجيا وتفاعلها وعملها مع النظم البيولوجية.

الفن هو نص بصري يدون فيه الفنان كل ما تراه عينه ويحسهُ قلبه وتستشعرهُ حواسه, لذا يبتكر بعض الفنانين الأساليب التي تناسب رؤيته الفنية التي تستشرف الحياة, ويقدم لنا جانبا يكاد يكون مخفيا عن بصيرتنا وعن وعينا الذي غالبا ما يكون مشغولا بالأشياء اليومية التي نحتاجها أو نستخدمها دون أن نمعن النظر في أثرها في حياتنا لأننا نراها بشكل يومي.

لذلك وظيفة الفن وأحد أبعاده الإنسانية والجمالية أن يثير اهتمامنا حول المواضيع والعناصر والنظم التي تشغل حيزا مكانيا وزمانيا في حياتنا.




التجربة الفنية للفنانة كرستين الممتدة منذ سنة 2000 والى الآن, نجد أهم أعمالها تجسدت في المرحلة الممتدة من من عام 2009 الى 2012 تضمنت أعمال هذه المرحلة تشكلت أغلبها من مواد مختلفة (ألواح كونكريتية, معدن, وبعض القناني الزجاجية الصغيرة وأغصان صغيرة والوان اكريلك).

الملاحظ في هذه الأعمال أن أغلبها تعلق مثل اللوحات على الجدران رغم ثقلها, والملفت أنها في هذه المرحلة ضمّنت أعمالها بعض الرموز منها شخصية وأخرى حياتية.

أرادت كرستين أن تبرز لنا من خلال هذه الأعمال مدى الانسجام أو التضاد الذي يحدث ما بين النظم العضوية والصناعية، وأيضا في هذه المرحلة كان اللون له سطوة وقدرة على التأثير البصري في خلق بيئة بصرية رائعة تخفف من ثقل العناصر المكونة للعمل وتشعر المشاهد وهو يرى أمامهُ أعمالا في منتهى الجمال والرهافة ودقة التكوين البصري, لذلك عمدت الفنانة الى استخدام الأشكال الهندسية في حفر الألواح الكونكريتية (كالمربع, والمستطيل, الدائرة) لتكتمل حالة الكمال لرؤيتها الفنية.

في المرحلة اللاحقة الممتدة من عام 2013 الى بداية 2016 تمركزت رؤية الفنانة حول البيئيتين التكنولوجية والبيولوجية ومدى عمل هاتين القوتين مع بعضهما البعض ومدى تعارض عملهما أو الى أي مدى يمكن أن تمضي هاتين القوتين للعمل في خدمة حياة الإنسان، وكلنا يعرف كم أصبحت التكنولوجيا قوة مؤثرة في حياتنا اليومية.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة, ما هي رؤية الفنان لهذه العلاقة وكيف يستطيع أن يكتب الفنان نصه البصري والجمالي؟

رؤية الفنانة كرستين كانت حول إبراز هذه العلاقة المعقدة التي تجمع عالم التكنولوجية بكل تفرعاته وبين عالم البيولوجية المتمثل بالإنسان.

وكانت الفنانة قد تعرضت إلى حادث سير وعلى أثر تلقيها للعلاج وأحاطتها بأجهزة تكنولوجية أثر ذلك في تحول رؤيتها الفنية. هذا يحيلنا الى مدى استيعاب الفنان للمحنة التي يعيشها وكيف يحول هذه المحنة الى عمل فني جمالي وإنساني رائع يحفزنا للنظر إلى ما يحيط بنا من عناصر وأنظمة وبيئات متعددة.

المميز في تجربة هذه الفنانة أنها عملت على تغيير النظرة التقليدية للفن والتي كانت تُعد الفن عبارة عن محاكاة للطبيعة وجمالها وللإنسان، باعتباره كائنا جماليا وموديلا مرافقا بأبعاده الجسدية للفن. أو هو في أبعد الحدود كائن وجودي يعيش في صراع مع المشاكل الوجودية التقليدية (كالموت والحرب والفقر) إلى نظرة أعمق وأشمل في التحول من العناصر والكائنات الفردية إلى الأنظمة والبيئات التي تحيط بهذه العناصر ومدى تأثرها فيه ومدى تأثيرهُ هو فيها وما ينتج من هذه العلاقات من بنى تأملية وجمالية جديدة.

لذا نجد أن عرض أعمالها قد اختلف عما كانت عليه خلال السنوات السابقة حيث نرى في عامي 2014- 2015 قد ابتعدت الفنانة في عرض أعمالها على الحائط، كما شاهدنا ذلك سابقا، وأخذت تعرضها وهي متدلية من السقف أو منسابة من أعلى الجدران على شكل شبكة تتخللها مجموعة من العقد التي تشبه الغضاريف الموجودة في العمود الفقري أو تجويف العين أو الأنف.

وأيضا اعتمدت الفنانة في هذه المرحلة العرض على الحائط، ولكن بطريقة عشوائية غير خاضعة الى إطار أو جسد لوحة، وإنما مجموعة من الدوائر المشكلة من المعدن الصلب وهو مقطع للأنبوب يصب فيه خرسانة، ومن ثم تستند عليه المسامير التي تثبت عليه هذه الأشكال.




استخدمت الفنانة في هذه المرحلة أيضا الخيوط والمقطع العرضي لسيقان الأخشاب في أعمالها, كانت الخيوط تشكل في أغلب أعمالها الشبكة التي تربط الأجزاء المنتشرة بشكل عشوائي وكأن هذه الخيوط فعلت نفس ما كانت تفعلهُ الحصى في أعمالها لسنة 2013 حيث تشكل المحور الذي يشد هذه الأعمال كمرتكز جمالي يعطي للعمل قوة ويرجع يشد عين المتلقي الى فكرة الرئيسية للعمل ويبعدهُ من حالة التشتت التي قد يصاب بها بسبب توزع أجزاء العمل في أكثر من اتجاه كونه غير مؤطر بإطار كالذي نجدهُ في الأعمال الفنية التقليدية.

تجربة الفنانة كرستين كازانو تجربة مثيرة وتستحق الرعاية والدراسة لما لها من أبعاد فنية وجمالية متعددة ولأنها أحاطت بجوانب مهمة ببعض النظم وعلاقاتها الموجودة في حياتنا وابتعدت عن العرض التقليدي الذي اعتدنا أن نراه في أغلب معارض الفنية التي تتسيد فيها تجارب الفنانين على اللوحات المكونة من الألوان والأطار والقماش أو الورق الى فضاءات جديدة، قد لا تكون هي أول من فعل ذلك فيما يسمى بالفن بالتكوين الإنشائي.

ولكن بالتأكيد تجربة كرستين توسعت وركزت على جوانب وبيئات قد غفل العديد من الفنانين عن تناولها بهذا الشكل المميز, وخصوصا أن تقديم الأعمال بهذا الشكل ليس بالشيء اليسير، وبالاخص حين تقدمهُ فنانة حيث نجد أنهُ يتطلب مجهودا بدنيا ووقتا طويلا لأنجاز هذه الأعمال.

أعمالها تشكل في حالات منها شكلا صادما لعين المتلقي التي اعتادت على مشاهدة الاعمال الروتينية (اللوحات) وفي جانب آخر يبين لنا أين وصل الفن في معالجاته البصرية والذوقية، وكيف يقدم لنا أفكارا بشكل السهل الممتنع الذي لا يجيدهُ سوى الفنان الماهر.

وقد أجادت الفنانة الأميركية كرستين كازانو في تقديم أعمال رائعة وجميلة تحكي لنا من خلالها عن مسار قد يكون مخفيا عن اهتمامنا وانتباهنا رغم أننا نعيشهُ يوميا. وأعتقد هذا أجمل ما يقدمهُ الفن والفنان لنا.

سلمان الواسطي ـ مدينة فينكس ـ ولاية أريزونا (الولايات المتحدة)


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6251


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة