الأخبار
منوعات سودانية
إدريس جماع.. مقاتل يتقدم الجحافل بالشعر ( 2) الشاعر الثائر
إدريس جماع.. مقاتل يتقدم الجحافل بالشعر ( 2) الشاعر الثائر
إدريس جماع.. مقاتل يتقدم الجحافل بالشعر ( 2) الشاعر الثائر


03-07-2016 01:30 PM
الخرطوم - محمد عبدالباقي
لا شك أن الشاعر الملك (إدريس جماع) توسد الثرى وفي جنبيه الكثير من الشعر وفي فواده حبا لا ينضب للإنسانية جمعاء، والمتتبع لشعره يلمس نبض إحساسه الإنساني وشفافيته الموغلة ورهافته النادرة وحبه الفريد لبني جنسه في الأقطار جميعاً. والنظر في جانب من أشعاره التي ضمتها دفتى ديوانه (لحظات باقية) يُبين مكنون نفسه ووثوبها نحو الحرية والإنسانية معا، إذ مزج بين مضامينهما حتى صار من العسير على القارئ المتعجل الالتفات لبقية اتجاهات جماع الأخرى في الشعر، بحسب وصف الشاعر نفسه في مقدمة ديوانه "إنَّ اتجاهي في الشعر، ولا أقول مذهبي، يحترم الواقع، ولكنه يريد له الإطار الفني، ولا يضن عليه بالنظرة الجمالية".
ويضيف جماع في موقع أخر من المقدمة ذاتها "شعري يحب الإنسان وينفعل للطبيعة، وليس هو رد فعلٍ لاتجاهٍ أو تأكيداً لآخر". وأدناه نقف على حبه للإنسانية ونشده للحرية وكراهيته للحرب والظلم فيما كتب خلال مسيرة حياته المنضرمة بالأحداث الجسام.
وحدة ضمير
لم ينفصل الشاعر إدريس جماع عن محيطه، حيث كان السودان وبعض الدول المحيطة ترزح تحت نعير الاستعمار والاضطهاد بضروبه المختلفة، فكتب مساندا مصر ضد العدوان الثلاثي على أراضيها، فقال في قصيدته (في وجه العدوان):
بي ما بصدرك يا مصري من لهب.. وشجية الحق والتاريخ والنسب
عم البلاد ذهول لا تحدده حدود أرض.. ومشبوب من الغضب
هذا الدم الفائر المهتاج نبعثه نارا.. ونحرق منه كل مغتصب
إلى أن يقول:
بدأ على مشهد من كل ذي خلق ظلم.. صريح وحق غير محتجب
لا عيش للناس في دنيا طرائقها.. من شرعة الغاب لا من شرعة الكتب
إن الحقوق حمى تحمي قداسته.. مشاعر الناس من عادٍ ومنتهب
لم يتوقف جماع على زجر العدوان على مصر الشقيقة بل اشرأب ببصره صوب الجزائر الحبيبة التي كان أبطالها يناضلون وعقد شهدائهم شارف على المليون قبل تحريرها، فكتب: قصديته (صوت الجزائر) وفيها:
يهتز وقعك في المشاعر.. يا صوت أحرار الجزائر
لحن إذا مس الشعور.. فكل من في الأرض شاعر
صوت تجمع في إنبعاث دويه.. صوت الضمائر
هكذا كان جماع أممياً يشد من أذر الضعفاء ويستنكر الظلم والعدوان أينما وجدا، دافعه ضمير حى وروح شفافية ومشاعر نبيلة.
ثورة شاعر
قبل هذا وذاك كان جماعا معطونا في مأساة وطنه الراسخ في أصفاد الاستعمار البغيض، وهو لا يلوى يذم المستعمر ويبث الحماس في نفوس شعبه دافعاً إياه لهبة خاطف تفكك الأصفاد من معصم الوطن، ففي قصيدته (أصوات) يتجلى هذا بوضوح:
أشعلوها فلن تهون.. وليكن بعد ما يكون
صيحة الحر صيحة.. تتداعى لها السجون
في قلوب الشباب نار.. وفي عزمه أتون
فالجهاد الجهاد.. ما دام في السرح غاصبون
غير هذا تجد أن ديوانه يضطرم بالثورة والغضب في وجه الغاصب المحتل وقصيدته (من سعير الكفاح) دليل ساطع على ذلك:
قلوب في جوانبها ضرام.. يفوق النار وقدا وإندلاعا
يظن العسف يورثنا انصياعا.. فلا والله لن يجد انصياعا
ولا يوهي عزائمنا.. ولكن يزيد عزيمة الحر اندفاعا
ذم الحرب
ثورة إدريس جماع على الظلم لم تجرده من إنسانيته، فأكثر من ذم الحرب وأتهجن مسلك الذين أججوا أوراها، ووصف مسلكهم بالبغيض وصور نتائجها في أبشع صورة، كما فعل من قبله الشاعر الكبير زهير ابن أبي سلمى في قصيدته الشهيرة:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم.. وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة.. وتضرى إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها.. وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم.. كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فيكتب جماعا وهو يافعا صغير قصيدته (مقبرة في البحر):
إن تسل كل موجة تلق فيها.. قطرة من دم الضحايا
مازجت ماءه فهل يظمأ البحر.. لنهل الدماء وهو البحر!
وأيضا قصيدته (مآسي الحرب) تصور كرهه لقتل الإنسان لأخيه:
جاء عهد الربيع يحدوه آذار.. فأحيا ميتا وكفن حيا
في حياض الدماء ينغمس الزهر.. وينمو الريحان بضا زكيا
ومزاج الندى رشاش الدم القاني.. أنطوى فوقه البنفسج طيا
الشاعر الإنسان
ينبع بغض إدريس جماع للحرب وذمه لها من ضمير صاف ونفس شفافة وحب غير محدود للإنسان:
لك إجلالي على مر الزمان.. أيها الإنسان في كل مكان
تبتني للحق صرحا شامخا فوق أنقاض التجني والهوان
وإنسانية جماع وكرهه للدمار والحرب طابقتها لاحقا دعوة الفيلسوف الإنجليزي الأشهر براتراند راسل قال: ذات مرة أن شواغلي في الحياة ثلاثة منها "إذا كان الحب والتوق إلى المعرفة قد مكناني من الارتفاع إلى السماع فإن الحسرة على الإنسان ردتني إلى الأرض.. أن أصداء صرخات الأمم هدهدت في أعماق قلبي.. الأطفال في سنوات الحرب والمجاعة يصيحون إنهم ضحايا الظلم البشري.. وكبار السن يصبحون عبئا على أبنائهم.. إن الوحدة والفقر والألم جميعها تجعل من حياة البشر سخرية". ويضيف راسل "كم رغبة في تخفيف الشر فلم أنجح ولذا عانيت".
تضيق الصحائف عن شرح وتبيان إنسانية جماع وحبه للناس، فهو الذي كان يحلم بحياة بغير شر يسودها الحب والشعور النبيل:
إن عاش بعض الناس يحلم بالسعادة للبشر
يحيا لحب الناس يشملهم بعاطفة وبر
هوت النفوس بهم إلى قاع رهيب منحدر
كرهوا بني الإنسان بل كرهوا الحياة بغير شر
إن الحياة هي الشعور فكيف يحيا من غدر
من ليس يسعد بالضمير ففي جوانبه صغر

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1141


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة