الأخبار
أخبار سياسية
المصري توفيق عكاشة كظاهرة أنثربولوجية: أزمة «طقوس العبور» المجتمعية في الثورات العربية
المصري توفيق عكاشة كظاهرة أنثربولوجية: أزمة «طقوس العبور» المجتمعية في الثورات العربية
المصري توفيق عكاشة كظاهرة أنثربولوجية: أزمة «طقوس العبور» المجتمعية في الثورات العربية


03-08-2016 11:27 PM

محمد تركي الربيعو
يعد الأنثربولوجي الأمريكي والتر أرمبرست استاذ دراسات الشرق الاوسط في كلية الدراسات الشرقية التابعة لجامعة اكسفورد، واحدا من أهم الأنثربولوجيين الغربيين، الذين انشغلوا في العقود القليلة الماضية بدراسة وسائل الإعلام الحديثة ومدى تأثيرها على الثقافات الجماهيرية داخل المجتمع المصري.
وقد صدر له ضمن هذا السياق عدد من الكتب والأبحاث المهمة نذكر منها على سبيل المثال: كتابه «الثقافة الجماهيرية والحداثة في مصر»(1996)، وكذلك دراسته «لغز شهر رمضان: الإعلام وثقافة الاستهلاك وتنصير مناسبة اسلامية (2002)، و»ما كان سيقوله سيد قطب: تأملات في كليبات الأغاني» (2010).
وبعيد الربيع العربي، أخذ أرمبرست يعتقد بأن الأنثربولوجيا باتت اليوم أكثر قدرة من السابق على توفير ثورة مفاهيمية تعيننا على تعقل «الفراغ الثوري» الذي أحدثته سياسات الشارع، الذي يبدو له، فراغاً حاملاً بمختلف الإمكانات: المدمرة أو الخلاقة. ولعل ثقة الرجل بأدوات البحث الأنثربولوجي، تعود في الأساس إلى الفشل الذي منيت به أدوات التحليل السوسيو- سياسية، في تفسير الحالة الثورية، حيث نجد أن سوسيولوجيين كبارا من أمثال تشارلز تيللي غالبا ما اختصروا المشهد الثوري بوصفه يمثل «انقسام نظام سياسي معين لجبهتين أو أكثر، تتوزع عليهما سلطة الدولة التي يحتكرها هذا النظام، بحيث تمتلك كل واحدة منهما قدرا ملموسا من هذه السلطة، أو تسيطر على إقليم من أقاليم الدولة، وتتمتع بقدر مؤيد من التأييد الشعبي». ولعل هذه «المسرحة» البسيطة للحدث الثوري هو ما يرفضه أرمبرست، انطلاقا من أن هذه المقاربة غالبا ما سعت إلى التعامل مع الظواهر المجتمعية (الثورات مثلا) في صورة قوانين سببية صارمة تنتظم فيها كل الظواهر، ولذلك فهي منهجية لا يمكن أن تعيننا كثيرا على الانفتاح على حالات اللايقين والصدف والاحتمالات العديدة للحدث الثوري، بعكس الأنثربولوجيين الذين لا يلتفتون كثيرا للقوانين التجريبية، بمقدار ما يولون أهمية كبيرة لفكرة الاحتمالية بوصفها ظاهرة اجتماعية وليس بوصفها مجرد تنوعات محتملة في السلوك السياسي. وبناء على ذلك، فإن أرمبرست في كتابه «حاوي الثورة المصرية»، مركز نماء للبحوث والدراسات، الذي بذل فيه الباحث المصري طارق عثمان مجهودا كبيرا، سواء على صعيد الترجمة أو عبر الملاحق التعريفية والشارحة لمفاهيم النص، يقترح توظيف مفهوم الأنثربولوجي الإنكليزي فيكتور تيرنر (1920-1983) «وضعية العتبة» أو المجاز، الذي جاء به الأخير من خلال تطويره لمفهوم «طقس العبور» الأنثربولوجي، الذي يصاحب لحظات التحول المجتمعي الرئيسية في حياة الشخص، حيث ينتقل من وضعية مجتمعية معينة لوضعية أخرى مختلفة، وفق ثلاث مراحل متتابعة:
الأولى: ما قبل العتبة، حيث ينفصل فيها الشخص عن الوضعية الاجتماعية الأولى (الطفولة ـ العزوبة ـ المدنية).
الثانية: وضعية العتبة، يعلق فيها الشخص في وضعية وسيطة بين المرحلة الأولى والثالثة، أي يكون بين ـ بين (المراهقة، الخطوبة).
الثالثة: ما بعد العتبة، وفيها يدخل الشخص في الوضعية المجتمعية الجديدة، ويعاد إدماجه في المجتمع وفق قواعد جديدة (رجل، زوج).
وبحسب تيرنر فإن «وضعية العتبة في السياق المجتمعي تعني كما تعني في طقس العبور، انسلاخ المجتمع برمته من وضعية معينة، وعدم تلبسه بوضعية جديدة بعد، وإنما يظل عالقا في العتبة بينهما». ومن هنا يمكن الاعتماد على هذا المفهوم لتأطير مختلف الأحداث التي تسود فيها وضعية البين – بين، مثل: الاحتفالات والطقوس الموسمية، نظرية الشذوذ، والمقاربات ما بعد الكولونيالية وغيرها من الحالات الأخرى. بالإضافة إلى هذا المفهوم، فإن أرمبرست يلفت نظرنا إلى مفهوم آخر في سياق استكمال حديثه عن طقوس العتبة في السرديات الممتدة من «برومثيوس» عند الأساطير الإغريقية، وحتى أساطير سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر). هذا المفهوم الذي لطالما حذرتنا منه هذه السرديات يتمثل في شخصية الحاوي (المحتال) الذي يظهر في وضعية العتبة غير الخاضعة لأي سيطرة، والحاوي هو «شخص في الوقت عينه يبني ويدمر، يهب ويسلب. هو الذي يستغفل الآخرين لكنه أيضا يستغفل نفسه على الدوام. هو لا يعزم بوعي على فعل أي شي، وإنما فقط يتصرف تبعا لدوافعه ومثيراته التي لا يسيطر عليها بحال. هو لا ينشغل بمآل أفعاله، خيرا أم شرا؟ إنه لا يأخذ في اعتباره أي قيم أو أخلاق. فكلها تحت رحمة هواه وشهوته، إن أفعاله وأفعاله وحدها هي التي تحدد القيم».

توفيق عكاشة في ظل المفاهيم السابقة:

وبالعودة إلى الثورة المصرية – يرى أرمبرست- أنه «في حال قمنا بتوظيف مفهومي «العتبة» و«الحاوي» السابقين، لدراسة التحولات التي أخذت تشهدها الدولة القومية في ظل الثورات العربية (المصرية)، نجد أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني أنتجت حالة «وضعية العتبة» داخل الفضاء السوسيو- سياسي المصري، كمرحلة وسيطية بين «الانفصال» عن حقبة مبارك و«اندماج» من ثاروا (المجتمع المصري) في نظام سوسيو- سياسي جديد. والحال، أن المقام في وضعية العتبة هذه طال في حال الثورة المصرية، حيث أن المرحلة الثالثة من العملية التي يسميها تيرنر الاندماج، وهي التي يتم فيها بناء معايير سوسيو- سياسية جديدة لم تحدث. فقد ظل المجتمع عالقا في مرحلة «أزمة العتبة»، التي تعني وضعية «ضد ـ البنية»، غير قابلة للاحتواء بسبب افتقارها لأي قواعد سياسية واجتماعية مألوفة».
وفي هذه الحالة فإن بزوغ شخصية توفيق عكاشة (الذي غالبا ما اعتبر على أنه مجرد «ذيل» للمجلس العسكري يتحرك على مسرح السياسة في مصر) يمكن النظر له – بحسب أرمبرست- بوصفه «يمثل حالة «حاو سياسي» أخذ يشتهر في ظل «أزمة العتبة» التي لم تعد تتمثل في مجتمع عالق بين وضعية «بين ـ بين»، وإنما حيث ثمة خرق غير قابل للرتق في كل الممارسات الاجتماعية والسياسية اليومية».
ولتوضيح فكرة النظر إلى عكاشة كـ«حاو» لطقوس العبور المجتمعية، يعيد – أرمبراست- طرح فكرة التعاطي مع الثورة بوصفها «أزمة العتبة» بشيء من التفصيل: «قبل الثورة ومن منحى عملي يمكن اعتبار عكاشة شخصا فاشلا تماما ورتبته دنيا في سلم المحسوبيات داخل الحزب الوطني، نعم تمكن بفضل ثرائه أو علاقاته من اطلاق محطة تلفزيونية، إلا أنه بقي ضائعا وسط خليط من برامج المحطات الأخرى الأكثر شهرة. ولكن في غضون سنة واحدة من بعد الثورة، فإن هذا الرجل المغمور تماما أصبح على درجة من الشهرة توشك أن تكون عالمية. وما يترجح لدى ارمبرست، ان «وضعية «ضد البنية» التي تشكلت في «أزمة العتبة» هذه، هي السبب الرئيس في بزوغ عكاشة، إن تركيبته الثقافية لها فاعليتها حقا، ولكن فقط في ظرف بعينه: وضعية العتبة».
ورغم أن خطاب وتعبيرات عكاشة الجسدية تبدو للبعض مجرد أفعال سخيفة ومضحكة لافتة، فإن ذلك طبيعي تماما ـ كما يرى ارمبرست، فشخصية الحاوي من سماتها أن تكون مضحكة. وغالبا ما تتسم بغرابة مريعة. على سبيل المثال في ضرب من ضروب هذه الشخصية في فلكلور سكان أمريكا الأصليين نجد أن الحاوي يمتلك أمعاء طويلة تغطي جسده برمته، وقضيبه بطول هذه الامعاء. ولكن الكاتب يرى أنه رغم كل ذلك فيجب علينا ألا نحط من قدرة الرجل كدعاية من طراز فعال تماما، فان لبرنامجه هذا قدرة على بلبلة الرأي العام وقلبه في واقع الأمر. لنأخذ مثالا على ذلك: في 18 ديسمبر/كانون الأول 2011 كانت القاهرة تهتز بسبب نشر صور لقوات الأمن وهي تسحل واحدة من المتظاهرات على الأرض وقد انكشف جسدها، وراح جندي يركلها في بطنها بقسوة. لقد اشتهرت الواقعة باسم قضية «الفتاة المسحولة». ولكن بينما كان يعرض الفيديو الذي تسحل فيه الفتاة كان برنامج عكاشة وبكل نشاط يطعن في مصداقية الصورة، مدعيا أن الأمر من «تدبير الطرف الثالث» بغرض تشويه سمعة الجيش وهو أمر بدا لشرائح واسعة بأنه صحيح، رغم أن الفيديو أخذ ينتشر كالفيروس في كل الأرجاء.
ومن هنا، يدعونا أرمبراست إلى التعامل مع ظاهرة عكاشة على محمل الجد، ذلك أن عكاشة (الحاوي) لديه ما هو أكثر من الضحك ليقدمه، فالحاوي شخصية فعالة ومنتجة بطبعها، حتى لو لم تتقصد ذلك. «فهو يضحكنا ويرهبنا في آن» وفي «أزمة العتبة» نقطة اللاعودة التي تفصل بين الضحك والرهبة، هي تحديدا التي يصبح عندها الحاوي شخصا خطيرا.، فمنذ ديسمبر 2011 على أقل تقدير، كانت تعليقات الناس على عكاشة تتوارد بصورة مستمرة، ورغم أن النخب المصرية بدت ساخرة، ولكنها في الآن كانت تؤكد أن عكاشة بات شخصية مؤثرة بالفعل، خاصة في الطبقة الوسطى الدنيا والريفيين من الشعب المصري، وهؤلاء في واقع الأمر هم الجمهور الذي يستهدفه برنامجه «مصر اليوم»، وهم من قال عنهم عكاشة نفسه مرارا إنهم مؤيدوه من الأغلبية الصامتة. كما أن «صدى ما هو مكنون» عن عكاشة بات يأتينا اليوم عبر وضعيات طبقية متنوعة وبأصوات عالية حينا ومنخفضة حينا آخر. والحال أن العديد من أبناء هذه الشرائح باتوا مقتنعين ومؤمنين لا بل ومتعصبين للتهم التي يكثر منها عكاشة «عشان هو الرجل الوحيد في التلفزيون اللي بيقول الحقيقة» والتي مفادها أن «الثورة خربت الأمة»….

باحث سوري
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2049


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة