الأخبار
أخبار إقليمية
حسن الترابي... الساحر
حسن الترابي... الساحر
 حسن الترابي... الساحر


03-08-2016 04:10 AM
حازم صاغية

جمع الشيخ حسن الترابي، الذي رحل عن عالمنا قبل أيّام، بين كونه «رجل نظر» وكونه «رجل عمل».

في «النظر»، نظّر وخطّط واقترح، وكان دائماً يواكب ما يظنّه ميلاً صاعداً، أو قابلاً للصعود، ويتوهّم أنّه بالمبادرة النشطة يزيده صعوداً.

فهو راد الحركة الإسلاميّة السودانيّة يوم كان همّها الأكبر محاربة الشيوعيّة وحزبها، أقوى الأحزاب الشيوعيّة في العالم العربيّ حينذاك. وكان الإغراء الذي يحرّكه إحلال الإسلاميّين محلّ الشيوعيّين بوصفهم الطرف «الحديث» الأوّل في السودان، والطرف الثالث بعد الختميّة والمهديّة. لكنْ في التسعينات، حين أصيبت الحركة الإسلاميّة براديكاليّة توهّمت أن تسدّ مسدّ الضمور الشيوعيّ، صار الترابي ذاك الأمميّ الإسلاميّ الأوّل، يستضيف كارلوس وأسامة بن لادن، ويمضي في ممارسة الأبوّة لنظام اشتُهر بـ «بيوت الأشباح»، مؤكّداً تطبيق الشريعة في مجتمع متعدّد، مع ما يعنيه ذلك من تسعير للحرب مع الجنوب. فما إن انهارت علاقته بالسلطة العسكريّة التي أنشأها ورعاها، وكان الزمن زمن ديموقراطيّة وحقوق إنسان، حتّى راح يتحفنا بفتاوى وُصفت بالتقدّميّة والليبراليّة، كمحاربة ختان الإناث وجواز إمامة المرأة الصلاة، وزواج المسلمة من كتابيّ، ورفض «عذاب القبر».

بيد أنّ من انتظروا من الشيخ نقداً أو مراجعة لدوره الشنيع خلال 1989 - 1999، فكانوا عن عبث يبحثون. فوق هذا، ظلّ نصّه ما إن يواجه مشكلة تستدعي الحسم والوضوح، يغيّب المسؤوليّة المحدّدة ويستعيض عنها بحذلقات لغويّة متفنّنة تستنجد بالطبيعة أو بالقدر لكي تحجب ما صنعه الإنسان.

وهو، في «العمل»، بنى تنظيماً حزبيّاً تحوّل على يديه تنظيماً ثالثاً في السودان، ودخل السجن سنوات في عهدي جعفر نميري وعمر البشير، كما تولّى مناصب رسميّة منها وزارة الخارجيّة ورئاسة البرلمان الصوريّ للبشير. وقد ساجل ضدّ أطراف في الحركة الإسلاميّة داخل بلده وخارجه، وضدّ قيادات «التنظيم الدوليّ» لـ «الإخوان». إلاّ أنّ الثابت في مساره كان الولع بالانقلاب العسكريّ. فمع نميري، كانت العلاقة تفاوضيّة حول حصص السلطة، فيها السجن وفيها المكافأة السلطويّة، وأهمّ منها الوعد بسلطة أكثر. أمّا مع البشير، وهو صنيعة الترابي، فالتفاوض لا مكان له لأنّ السلطة كلّها ينبغي أن تكون حصّة الأب المؤسّس الذي يحدّد للأبناء حصصهم.

وهنا، كان الأب، لا الابن، هو الشخص الضالّ. أمّا مردّ هذا الضلال فعجز كامل عن رؤية الذات والعالم على حقيقتهما وبأحجامهما الفعليّة، وإلاّ كيف يطمح من ليس بعسكريّ أو رجل أمن إلى ركوب سلطة أمنيّة وعسكريّة، يسيّرها بموجب ما تتفتّق عنه أفكاره؟

وما من شكّ في أنّ التكوين الشخصيّ للترابي هو ما ولّد عُظامه. فالرجل الذي استطاع ديموقراطيّاً الوقوف على رأس الكتلة الثالثة في برلمان 1986، آخر البرلمانات السودانيّة، لم يرض بأقلّ من انقلاب 1989 الذي يعطيه وحده كلّ السلطة. ثمّ، في السلطة، توهّم دوراً يحيل السودان إلى منصّة له كي ينطلق إلى أمميّته الإسلاميّة.

لقد أنتج لقاءُ رجل النظر ورجل العمل في حسن الترابي رجلَ السحر الذي صاره. والسحر، وسط شعوبنا التي لا تكفّ عن طلب الانسحار، مجلبة للعظمة ومجلبة للسجن اللذين قضى الشيخ الراحل حياته وهو يتقلّب بينهما. هكذا يغدو الساحر مسحوراً ببضعة أوهام وبضع كلمات.

وكثيرون مثل الترابي تقلّبوا بين العظمة والسجن، وكثيرون سوف يتقلّبون في عالمنا الساحر - المسحور هذا.

الحياة


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 7162

التعليقات
#1426014 [من اهل العوض]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2016 01:02 PM
الاخ كودي.. شكرا على التعقيب.
اؤكد لك اني انسان اكثر من عادي و لا ارى في الترابي بطلا. بل لست منغمسا لهذا الحد في شؤون السياسة. فقط ارقب من الفينة و الاخرى مداخلات بعض الصحفيين العرب المقيمين في لندن فيما يخص الشان السوداني. في مرات عديدة الحظ عندهم ضعف في التناول و قلة الموضوعية .قد يكون ذلك لاسباب عديدة ليس هذا مكانها او اوانها. هذا كل ما هناك.

[من اهل العوض]

#1425500 [من اهل العوض]
4.00/5 (2 صوت)

03-08-2016 02:48 PM
كان العقل البريطاني المغرور يلقب ابطالنا بالدراويش اما الان فامثال صاغية يتقمصون نفس دور ذاك البريطاني و يصف احد السودانيين بالساحر.انها عقلية التعالى على الاخر. قد نتفهم ان اتت من المستعمر البغيض و لكن لا ندري لم يات بها امثال صاغية بعد كل هذه السنين. ربما تماهى في الذات البريطانية حتى اصبح مثلهم يحتقر ما هو سوداني.

[من اهل العوض]

ردود على من اهل العوض
European Union [كودى] 03-09-2016 12:10 AM
اذا أنت تعتبر الترابى بطلك فأنت لديك مشكلة كبيرة, والرجل لم يذكر غير الحقائق الملازمة لشخص الترابى دون رتوش.


#1425462 [من اهل العوض]
4.00/5 (2 صوت)

03-08-2016 01:36 PM
لم يات مقالك بجديد سوى فكرة السحر في العنوان. لا اتفق مع الترابي و لكن اقول ان مقالك به من الركاكة و الفقر ما يجعل الترابي اعلى شانا من ان يتناوله يراعك.

[من اهل العوض]

#1425361 [shah]
4.50/5 (4 صوت)

03-08-2016 10:15 AM
هو ذهب الى غير رجعة ... من يزيل السحر عن أتباعه المسحورين.

[shah]

#1425359 [مهدي إسماعيل مهدي]
4.50/5 (4 صوت)

03-08-2016 10:10 AM
تجسد غباء الترابي في ظنه أنهيُ مكن أن يأتي بالبشير "العسكري" وأن يبعده متى شاء، فانقلب السحر على الساحر، فأمضى ما تبقى من عُمره رهين المحبسين (داره والسجن).

[مهدي إسماعيل مهدي]

#1425279 [السماك]
4.00/5 (2 صوت)

03-08-2016 07:28 AM
المتنبئ!!!!

[السماك]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة