الأخبار
أخبار إقليمية
الترابى وطبائع الاستبداد
الترابى وطبائع الاستبداد
الترابى وطبائع الاستبداد


استفاد من قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي
03-12-2016 06:25 PM

امينة النقاش

استفاد الدكتور حسن الترابى «فبراير1932 – مارس2016» من قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي استفادة مؤكدة، تنسجم تماما مع تكوينه النفسى والثقافى والسياسى، وربما حفظه عن ظهر قلب، ونفذ نصائحه على امتداد نحو 52 عاما،منذ ظهوره على ساحة المشهد العام فى السودان عام 1964، بعد أن اقتطع –كما هى عادته – بعض نصائح المؤلف للأمير من سياقها، و أساء فهم أهدافها ،ومبررات الكتيب الذى تم نشره بعد موت مؤلفه فى القرن السادس عشر،والظروف التى أملت عليه تأليفه. و«الأمير» كما هو معروف، كتبه مؤلفه فى منفاه، بعد أن مارس السياسة على مدار 13 عاما، وفيه يسدى للحاكم نصائح يعتقد أنه يمكن بموجبها أن تتوحد إيطاليا المفككة لتغدو دولة قومية موحدة وقوية، حتى لو اتسمت الوسائل صوب تحقيق ذلك بالعنف والقسوة والخداع والنذالة وممارسة الحرب ، ولو تعارضت السياسة مع الأخلاق أو دهستها بالأقدام .

ووفقا لمكيافيللى، فالحرب هى فن وسلاح وحيد يحتاج إليه كل حاكم، والأمير- الحاكم -ينبغى أن يكون « ثعلبا يميز الفخاخ، وأسدا ليرهب الذئاب»، وعليه أن يفرض الخوف ويدخل البدع بدلا من العادات القديمة، وإذا فرض على الحاكم- الأمير- الاختيار بين أن يحبه الناس أو أن يهابوه، فمن الأفضل أن يخافوه. وعلى الأمير أن يتقن الخداع، وينكث بالعهود، ويخرب المدن الضعيفة، ويدمر كل من يلحق به أذى، وذلك لأن الغاية التى ينشدها المؤلف وهى ايطاليا دولة قومية موحدة وقوية، تبرر كل وسيلة نحو انجازها. ولاتزال الآراء السياسية التى انطوى عليها كتاب الأمير محلا لسجال واسع حتى يومنا هذا، فى مراكز البحث والدراسات الجامعية والكتابات السياسية ،بين من عده رائدا للتنظير لعلم السياسة ولفهم عصر النهضة ، ومن اعتبره تنظيرا يؤسس لحكم الطغاة والمستبدين ولكل اشكال الأنظمة السلطوية !

لم يكن تاريخ الدكتور حسن الترابى السياسى بعيدا بأى حال عن نصائح كتاب الأمير. استغل الترابى الفرص التى اتاحها له استكمال دراسته القانونية لنيل الماجستير والدكتوراه فى القانون الدستورى من بريطانيا وفرنسا واتقانه للغتين الإنجليزية والفرنسية فضلا عن العربية والألمانية، وامتلاكه بجانب إلمامه بالتراث الإسلامى ،ثقافة موسوعية، فى تعزيز قدراته كشخصية كارزمية جذابة، سواء كأستاذ جامعى قادر على تجنيد الطلاب وجذبهم نحو افكاره الدينية، أو كزعيم مؤسس للحركة الإسلامية فى السودان، بمشاركته الفاعلة فى بناء هياكلها التنظيمية ، بدءا من تشكيل جبهة الميثاق الإسلامى، ثم توليه موقع أمين عام جماعة الإخوان المسلمين ،ثم انسلاخه عنها ثمنا لتحالفه مع نظام جعفر نميرى، الذى كان قد شارك أعضاء من حزبه مع أحزاب اسلامية أخرى ،فى محاولة عسكرية مدعومة من القذافى ،لقلب نظامه، قبل أن يندرج فى العام 1977 فى خطة المصالحة الوطنية التى طرحها نميرى على تلك الأحزاب. أمضى الترابى سبع سنوات معتقلا فى سجون نميرى، ومن السجن إلى مشاركته فى حكم السودان ، ولأن طموحه السياسى كان بلا سقف ، وهدفه الأول هو القفز إلى السلطة، فقد برر فيما بعد تحالفه مع نميرى، بأنه كان من أجل تقويض حكمه من داخله ثم الانقضاض عليه. وكشأن جماعة الإخوان فى كل مكان ،استغل الترابى تواجده فى نظام نميرى كنائب عام ووزير للعدل فى توسيع رقعة نفوذ تنظيمه داخل الجامعات والجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة المدنية ، كما صاغ له قوانين سبتمبر لتطبيق فهمه المشوه للشريعة، التى استخدمت لملاحقة كل اشكال المعارضة لسياسات النظام، بقطع الأيدى وقطع الأرزاق وإعدام الخصوم، وفتح أبواب السجون والمعتقلات، وتشويه الاقتصاد السودانى بالتوسع فى انشاء البنوك الإسلامية، التى كانت مصدرا ولاتزال لتمويل التنظيمات التى ترفع رايات دينية، وانتهى به الحال لتنصيب النميرى إماما للمسلمين. وكان هذا التحالف هو المقدمة الفعلية للانقلاب الذى خطط له الترابى فى يونيو 1989 على الديمقراطية السودانية الثالثة، الذى كان حزبه يتقلد فيها الكتلة النيابية الثالثة فى انتخابات حرة نزيهة، فيما كان هو وزيرا للخارجية.

كان الدكتور الترابى يعتقد ، كبقية تيار الإسلام السياسى، أن الديمقراطية وسيلة فقط للصعود إلى السلطة، يتعين الإطاحة بمبادئها ،لحرمان الآخرين من تداولها، ولأن الترابى يمتلك من القدرات ما يمكنه من التلاعب بالألفاظ والمصطلحات والمسميات، فقد أرجع تخلص نظام الإنقاذ من مشاركته فى الحكم بعد عقد من البقاء فى سدته، إلى مطالبته بالحرية والديمقراطية ومكافحة الفساد، بينما كان هو مهندس سياسات الإنقاذ ومفكرها، وهو صاحب الدعوة للحرب الجهادية فى جنوب السودان التى قادت إلى انفصاله.

وفى سياق رغبته الدفينة فى سحب زعامة الحركة الإسلامية، من جماعة الإخوان المصرية، حول السودان إلى مأوى لكل الجماعات الجهادية الإرهابية من الدول العربية والافريقية والعالم، وأسس لذلك المؤتمر الشعبى العربى الإسلامى، الذى كان منصة لمعارضى الأنظمة وبخاصة العربية ،الذين يلتقون فى دورة انعقاده السنوى، وهوما ساهم فى تكبيد السودان عقوبات دولية مؤلمة.

ولتماهيه مع نصائح «الأمير» طبق الدكتور الترابى المثل الشائع «اللى تغلبه العب به»سواء كان فى أروقة الحكم أو خارجها فى جبهات المعارضة .ففى اعقاب العصيان المدنى العام الذى أطاح بنظام نميرى فى إبريل عام 1985، صار خطابه السياسى عن الديمقراطية والحريات زاعقا ، وعززه بالمشاركة فى الانتخابات العامة ،بعد أن عدل اسم جماعته إلى الجبهة الإسلامية القومية . وبعد أن أسقط النظام الذى كان مشاركا فى حكمه ،بات الاسم جبهة الإنقاذ ، وحين انشق عنها غدا الاسم حزب المؤتمر الشعبى المعارض،لكن الهدف ظل واحدا ، هو العودة بأى شروط للإمساك بتلابيب السلطة. وكان قبل موته المفاجئ قد تخلى عن تحالفه مع قوى المعارضة، وهو يقود دعوة-على أصداء سقوط حكم الجماعة فى مصر – لوحدة فصائل الحركة الإسلامية فى السودان بدعم من الحكومة ،التى سبق أن وصفته بأنه رجل كذاب ومنافق ويغش باسم الدين!

الفرق بين أمير مكيافيللى ،والدكتور حسن الترابى ، ان الأول كان يبرر نصائحه للحاكم ،التى لاتقيم أى وزن للمبائ والقيم والعواطف الإنسانية ، بهدف نبيل هو قوة إيطاليا ووحدتها ، فيما استباح الترابى كل تلك القيم لهدف شخصى هو أن يبقى دائما فى سدة الحكم ، حتى لو كان ذلك على أشلاء دولة، وأشلاء وطن.

الوفد


تعليقات 13 | إهداء 0 | زيارات 7445

التعليقات
#1428308 [دفع الله البدوي]
0.00/5 (0 صوت)

03-14-2016 11:02 AM
الترابي مفكر ومنظر سياسي غير وجه الحياة بالسودان وبالتاكيد هذا التغيير كان لصالح التيار الاسلامي وخصماً علي القوي الطائفية والقوي العلمانية والقوي الديمقراطية .نختلف مع الترابي في اسلوبه السياسي كونه عراب نظام الانقاذ ولكن ابدا لايمكننا ان نقلل من مكانته كمفكر ذكي وصاحب امكانيات مهولة واعتقد ان الصحفية المصرية تملكتها الغيرة في حالة الترابي ونسبت افكاره الي كتاب ؟

[دفع الله البدوي]

ردود على دفع الله البدوي
[SESE] 03-14-2016 02:52 PM
الفرق بين أمير مكيافيللى ،والدكتور حسن الترابى ، ان الأول كان يبرر نصائحه للحاكم ،التى لاتقيم أى وزن للمبائ والقيم والعواطف الإنسانية ، بهدف نبيل هو قوة إيطاليا ووحدتها.......

فيما استباح الترابى كل تلك القيم لهدف شخصى هو أن يبقى دائما فى سدة الحكم ، حتى لو كان ذلك على أشلاء دولة، وأشلاء وطن شطره الى نصفين وهيأ باقيه لانشطارات عديدة بدأت تلوح في الافق......


#1427942 [Rebel]
5.00/5 (2 صوت)

03-14-2016 12:35 AM
* مقال متماسك و رصين و موضوعى, فلك الشكر.
* لكن ميكافللى لم يستخدم الدين, و لم يتطرق إليه و لم يأت على ذكر الدين أبدا فى نصائحه للأمير..بينما تجدين ان الهالك الترابى, قد أساء للوطن و للمواطنين و لميكافللى, و اساء للدين نفسه الذى كان يدعيه!
* و لذلك, و لأول مره فى تاريخ السودان, حسب علمى, تطارد لعنات الناس أجمعين شخصا, و هو فى قبرهّ
* و هذا تسطير إلاهى, و فيه عبره لمن يتعظ..و حسبنا الله و هو نعم الوكيل,,

[Rebel]

#1427805 [ظفار]
5.00/5 (2 صوت)

03-13-2016 05:26 PM
فيما استباح الترابى كل تلك القيم لهدف شخصى هو أن يبقى دائما فى سدة الحكم ، حتى لو كان ذلك على أشلاء دولة، وأشلاء وطن.
حياك الله السيدة أمينة النقاش

[ظفار]

#1427702 [أبو السمح]
5.00/5 (1 صوت)

03-13-2016 02:21 PM
يا أمينة الترابي مات و شبع موت

البشير برضو استفاد من قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي استفادة مؤكدة
و هو يطبقه حرفا" حرف على الشعب الغلبان
ايش قولك فيهو ؟

و لا تتنظري لمن الله يفتكره وبعدين تكتبي عنه

[أبو السمح]

ردود على أبو السمح
United States [احمد] 03-13-2016 09:37 PM
يا اخ ابو السمح الكاتبه وفت وكفت في اشياء تخص السودان والسودانيون ﻻ يعرفها حتي بعض صحفي البلدان المجاوره لنا ، المطلوب كوا ذكرت مقال بنفس الوزن للطاغيه الذي ورث سياسات الترابي المدمره والذي نفذها حرفا حرفا بعد المفاصله والتي اصبح بعدها البشير مسؤوﻻ عن كل الدمار والخراب الذي لحق بالسودان.
اما عبارة (افتكره) الله و بتدي الحلق للماعندو ودان وما شاكلها ، تعابير مصريه ﻻ تليق بجلال الله عز وجل فالله عز وجل ﻻ يضل و ﻻ ينسي حتي يفتكر، تنم عن الجهل المصري بقدسية الله عز وجل .


#1427693 [محمد]
5.00/5 (3 صوت)

03-13-2016 02:02 PM
مقالك رائع .. وملخصه في الجملة الختامية:
"فيما استباح الترابى كل تلك القيم لهدف شخصى هو أن يبقى دائما فى سدة الحكم ، حتى لو كان ذلك على أشلاء دولة، وأشلاء وطن"

لك التحية والاحترام ،،،

[محمد]

#1427650 [محمد22]
0.00/5 (0 صوت)

03-13-2016 01:09 PM
مقولات لمكيافيلي[عدل]
حبي لنفسي دون حبي لبلادي.
من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك.
الغاية تُبرر الوسيلة.
أثبتت الأيام أن الأنبياء المسلحين أحتلوا وأنتصروا، بينما فشل الأنبياء غير المسلحين عن ذلك.
ان الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس.
من واجب الأمير أحياناً ان يساند ديناً ما ولو كان يعتقد بفساده.
ليس أفيد للمرء من ظهوره بمظهر الفضيلة.
لايجدي ان يكون المرء شريفاً دائماُ.

[محمد22]

#1427648 [فيللى]
5.00/5 (3 صوت)

03-13-2016 01:07 PM
خطورة الترابى وتنظيمه تكمن فى حجم الاستباحة الذى مارسوه لكافة الحرمات ،الامر الذى خلف جروحا ومرارات لااحد يدرى كيف ستكون، وما ستخلفته من اعتياد الناس لنفس السلوك الذى لايقيم وزنا لاى قيم مهما كانت قداستها...

[فيللى]

#1427466 [فارس الكلمة]
4.75/5 (5 صوت)

03-13-2016 08:07 AM
شكراً على التحليل والتضامن الصادق مع الشعب السوداني

[فارس الكلمة]

#1427411 [خالد القاضى]
5.00/5 (3 صوت)

03-13-2016 04:12 AM
شكرًا للتضامن مع الشعب السوداني

[خالد القاضى]

#1427368 [الباشكاتب]
4.75/5 (5 صوت)

03-13-2016 01:09 AM
اجدت التعبير فالترابى لا يوجد له مثيل فى كل من اتبع مكيافللى رغم ان الفارق بينهما سبعة قرون .
ميزة مكيافيللى على الترابى انه لم يستغل الدين بصفة خاصه بينما تلاعب به الترابى فى كل مراحل حياته الى ان مات .

[الباشكاتب]

#1427366 [الباشكاتب]
5.00/5 (3 صوت)

03-13-2016 01:08 AM
اجدت التعبير فالترابى لا يوجد له مثيل فى كل من اتبع مكيافللى رغم ان الفارق بينهما سبعة قرون .
ميزة مكيافيللى على الترابى انه لم يستغل الدين بصفة خاصه بينما تلاعب به الترابى فى كل مراحل حياته الى ان مات .

[الباشكاتب]

#1427362 [خلف الله]
5.00/5 (2 صوت)

03-13-2016 12:52 AM
السيدة النقاش تسمي (انتفاضة الشعب في ابريل 1985) .. بالعصيان المدنى العام .. الذى أطاح بنظام نميرى !!!!!

[خلف الله]

ردود على خلف الله
Russian Federation [عمر عمر] 03-13-2016 12:10 PM
و هو كذلك!


#1427309 [ودالحفر]
5.00/5 (4 صوت)

03-12-2016 09:43 PM
أصبت لك الشكر

[ودالحفر]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة