الأخبار
أخبار إقليمية
التعويل على خنق الحركات المسلحة أم على التراضي معها
التعويل على خنق الحركات المسلحة أم على التراضي معها
التعويل على خنق الحركات المسلحة أم على التراضي معها


03-26-2016 11:52 AM
د. عمر بادي

( ... قال مغني القرية بلغته المحلية في أغنيات وداعه للحلة النازحة إلى معسكر كلمة أمام هجمات الجنجويد : إذهبوا إذهبوا ... هذا ما تريده الحكومة ... إذهبوا إذهبوا ... و سيحل مكانكم الجنجويد ... و هذا ما تريده الحكومة ... أنا سوف أبقى في ارضي للأبد ... و هذا ما تخاف منه الحكومة ... إذهبوا إذهبوا ... ) الروائي عبد العزيز بركة ساكن , في روايته ( مسيح دارفور ) .

لقد ورد في الأنباء أن لجنة تنسيق شؤون الأمن في محلية الخرطوم قد اتخذت في إجتماعها الأخير التدابير اللازمة لتنفيذ قرار مجلس الوزراء بتقنين وضع لاجئي دولة جنوب السودان و معاملتهم كأجانب و تطبيق قوانين الجوازات و الهجرة و الجنسية عليهم و إرجاعهم من الأحياء في المدن إلى داخل المعسكرات , و ذلك بعد إنقضاء مدة الأسبوع التي قررها مجلس الوزراء كإنذار لحكومة جنوب السودان حتى تتخلى عن دعم الحركات المسلحة السودانية . حكومة جنوب السودان نفت ذلك على لسان سفيرها في الخرطوم و أيضا على لسان وزير خارجيتها المقال حاليا , بل و رمت بكرة الإتهام على ملعب الحكومة السودانية و أبانت بالدليل دعمها لقوات رياك مشار و هكذا يستمر الحال بين الإتهام و الإتهام المضاد . لكن ما جريرة اللاجئين الجنوبيين الذين وعدهم السيد رئيس الجمهورية أن يعاملوا في السودان كمواطنين و أن يتمتعوا بالحريات الأربعة , و هم يهربون من ويلات حرب أشعلتها حكومتهم في صراع من أجل السلطة و لم ترث لحالهم ؟ و لماذا يعاملون هذه المعاملة السيئة بينما تفتح أبواب الحدود و المطارات للاجئين الآخرين من دول الجوار و غيرها ؟ حقا لماذا إتخذت الحكومة السودانية هذا القرار المتشدد و المجحف في حق اللاجئين الجنوبيين الأبرياء بل و تمادت و قفلت الحدود ؟ الإجابة سوف آت بها لاحقا في هذه المقالة .

لقد أسمت الحكومة السودانية صيف العام الجاري 2016 بصيف الحسم , و عنت أنه في هذا الصيف سوف تحسم أمر التمرد و تنهي الحرب في دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق , مع أن أعوام الحسم التي قررتها الحكومة قد شملت الأعوام الخمسة الماضية , و لكي تتوصل الحكومة هذه المرة إلى قرارها ذاك فقد قامت بعمل الآتي :

1 – تحسين العلاقات السياسية و الإقتصادية مع دول الجوار و تقوية العلاقات الأمنية عن طريق وقف النشاطات المعادية و تسليم المعارضين و المنشقين لدولهم و عدم إيواء و دعم الحركات المسلحة المعارضة . لقد كانت نتيجة هذا العمل مثمرة مع تشاد , و مع أثيوبيا , و مع إريتريا , ومع مصر , و كانت بين بين مع دولة جنوب السودان , و توقف فعلها مع ليبيا بعد ضموروضع الإسلاميين و بروز دور الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر, و مع أفريقيا الوسطى ظل الوضع هادئا .

2 – تكوين القوات المشتركة لتأمين و حراسة الحدود بين دول الجوار . لقد تكونت هذه القوات المشتركة مع تشاد أولا و عندما نجح دورها في وقف الحراك و الدعم عبر الحدود لحركات دارفور المسلحة , تم تعميمها بين السودان و أثيوبيا في مناطق الحدود بين ولاية النيل الأزرق و إقليم بني شنقول فعملت القوات المشتركة علي تأمين الحدود من المتفلتين و المهربين و علي وقف الحراك و الدعم للحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال , و أيضا حدث نفس الأمر بين ولاية القضارف و إقليم تقراي لردع المتفلتين و الشفتة و المهربين . أما في الحدود بين ولاية كسلا و دولة أريتريا و بين السودان و مصر فلم يتم تصعيد حراسة الحدود إلى قوات مشتركة و ذلك لإنتفاء تمترس الحركات المسلحة المعارضة على هذه الحدود .

3 – تعزيز متحركات الردع من القوات المسلحة و الأمن إلى مناطق العمليات في دارفور و المنطقتين . في الأسبوع الماضي هجم الجيش السوداني على معقل حركة جيش تحرير السودان - عبد الواحد محمد نور في جبل مرة و أدى ذلك إلي نزوح 120 ألف من المواطنين من قراهم , و بقيت قوات عبد الواحد محصورة في أعلى جبل مرة كما صرح بذلك السيد كبير مساعدي رئيس الجمهورية . كذلك تحركت أرتال من الجيش السوداني إلى جنوب كردفان للإستيلاء على معاقل الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال في كاودا و ما جاورها . كذلك حدث الأمر في النيل الأزرق جنوب الكرمك .

الآن تستمر الدعوات للحركات المسلحة للتوقيع على خارطة الطريق المقترحة في تزامن مع حملات الجيش السوداني و قوات الأمن على معاقلهم في جبل مرة و المنطقتين , و ذلك من أجل إرغامهم للإنضمام إلى الحوار الوطني و هم صاغرون . إن التعويل على خنق الحركات المسلحة المتمردة بقفل الحدود أمام تحركاتها و وقف الإمدادات العسكرية لها من أجل إضعافها ثم شن هجوم كاسح يقضي عليها , كان هو الهدف , و لكن حدث ما جعل الحكومة السودانية تكيل الإتهامات لدولة جنوب السودان بدعمها العسكري و اللوجستي للحركة الشعبية – قطاع الشمال , لأن ذلك تراه قد أفشل مخططها !

إن التضييق على الحركات المسلحة المعارضة و حصارها في الأركان الضيقة و محاولة القضاء عليها سوف يسبب ردود أفعال تنتقل بوسائل المواجهات من تلك الميدانية إلى وسائل اخرى مدنية أي في داخل المدن في شكل تفجيرات و إغتيالات . هذا ما يفعله القط حين يهاجم في ركن ضيق فيستميت في شراسة ! لذلك , لا بد من التوصل إلى إتفاقيات سلمية و عادلة بين الحكومة و الحركات المسلحة و أحزاب قوى المعارضة الحقة من أجل الحفاظ على وحدة الوطن و تقدمه , و لا بد من الجدية و خلوص النية و ترك التعمية ( الدغمسة ) من جانب الحكومة . اليوم صدرت تصريحات من الحكومة أن خارطة الطريق الموقعة من الحكومة و الإتحاد الأفريقي غير قابلة للإضافة أو الحذف ! هل هذا يمثل قطعا للطريق لأي حلول وسط ؟ لقد أمهلت مفوضية الإتحاد الأفريقي الحركات المسلحة و حزب الأمة إلى يوم 28/3/2016 للتوقيع على خارطة الطريق , و الحركات المسلحة تقول أن أمبيكي قد فقد حياده و انحاز عيانا إلى جانب الحكومة , بينما على الوساطة انفاذ قراري مجلس السلم و الأمن الأفريقي رقم 456 و 539 . هكذا و بعد جولات أمبيكي المكوكية الأثنتي عشر ليس من المستبعد أن ينتقل مجلس الأمن الدولي الى ايجاد وساطة أقوى , و ربما ينتقل الى تطبيق قراره رقم 2295 و التدخل العسكري في السودان .

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني القديم العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2254

التعليقات
#1434891 [jak]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2016 11:03 PM
حليل جيفارا
بدل لامعة,ده بذكرني قادة المعارضة زمان في اسمرا,نايرين ومرطبين اكتر من الوزراء الارتريين وحتي الاثيوبيين,السودانيين فشلوا في اقامة تنظيمات ثورية

[jak]

#1434664 [AAA]
4.00/5 (3 صوت)

03-26-2016 12:57 PM
مقال ممتاز...
*الحقيقة الاولى هي ان انتقال الحرب بوسائل المواجهات من تلك الميدانية إلى وسائل اخرى مدنية أي في داخل المدن في شكل تفجيرات و إغتيالات.. هو تطور طبيعي للصراع الذي طال أمده..ان ما يحدث في سوريا والعراق حتى في الصوما ليس ببعيد عنا..ودائما ما تتحول آليات الصرع وأدبياته الى الأسوا..فهل لدينا مناعة ضد ذلك؟؟
*الحقيقة الثانية هي ان الثورات او الحركات المسلحة وحرب العصابات وما يسمى بحرب الغوريلا يستحيل سحقها تماما لكونها تتمسك بأهدافها ومبادئها وعقيدتها القتالية دون اجر او مرتبات ونثريات..الخ بعكس الطرف الاخر..أمريكا لم تستطع سحق العصابات الفيتنامية كمثال..بل فيتنام الحقت الهزيمة بامريكا وقس على ذلك.
* الحقيقة الثالثة هي بدلا عن ضياع الوقت بالصيف الساخن والشتاء القارس دون جدوى..أجدني اتفق مع الكاتب إن العودة إلى المكون السوداني القديم العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !..تحياتي

[AAA]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة