الأخبار
أخبار إقليمية
6 أبريل .. ثورة عارمة ودماء قليلة
6 أبريل .. ثورة عارمة ودماء قليلة
6 أبريل .. ثورة عارمة ودماء قليلة


04-06-2016 08:28 PM
أحمد طه صديق-

عندما غادر جعفر نميري رئيس الجمهورية الأسبق للولايات المتحدة بغرض إجراء فحوصات طبية في اليوم التالي لانتفاضة السادس من أبريل 1985، بدا الأمر غريباً لكثير من المراقبين، لكن ربما لأن النظام مر بالعديد من التظاهرات من قبل، بل تعرض لانقلابات عسكرية بعضها نجح لفترة محدودة أطولها انقلاب الشيوعيين العسكريين بقيادة الرائد هاشم العطا الذي استمر لمدة ثلاثة أيام، ربما هي التي جعلته لا يلقى بالاً لتلك التظاهرات، وحتى عندما اشتد أوارها صرح لصحيفة «المصور» المصرية بثقة مفرطة قائلاً «ما في زول يقدر يشيلني»، ولم يكن يخطر أبداً على باله أن نظامه المحروس بجهاز أمني منظم استطاع أن يخترق جميع التيارات السياسية والنقابية في البلاد ويستقطب عدداً من الرموز السياسة أيضاً، أن يهتز عرشه، وكرد فعل للتظاهرات نظم الاتحاد الاشتراكي التنظيم الحاكم موكباً أسموه موكب الردع خاطبه عدد من رموز الحزب، شاركت فيه مجموعة قليلة من المتلزمين وبعض المواطنين، وكان عدد من النقابات في ديسمبر «1984» كونت ما عرف بميثاق التجمع النقابي، شمل ست نقابات هم أساتذة جامعة الخرطوم والأطباء والمحامين والصيارفة والمهندسين والتأمينات الاجتماعية، بيد أن الانتفاضة كانت عفوية، وفجر شرارتها الأولى طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، ثم بعد ذلك مجموعة من طلاب المراحل التعليمية المختلفة، كما شارك فيها ما يسمى الشماسة وهم الصبية المتشردون وبعض العمال،
وبعد ثلاثة أيام، أعلنت الهيئة النقابية للأطباء الإضراب عن العمل لمدة يومين عبر بيان أصدرته، في حين كانت ما يعرف بالمحاكم الناجزة تحاكم المتظاهرين والتي تم تشكيلها في أعقاب تطبيق قوانين سبتمبر الإسلامية التي أثارت جدلاً في تطبيقاتها، باعتبار أنها استندت إلى أحكام متشددة بناء على بينات ظرفية غير كافية، كما أهملت الواقع الظرفي المعيش، وفي تلك الأثناء، كانت العاصمة تعاني من ظلام دامس وشلل في المرافق العامة بعد تنفيذ العصيان المدني الشامل عدا الطوارئ في المستشفيات الرئيسة، وتظاهرات في المدن الثلاث وضواحي العاصمة، تلك كانت الأيام الثلاثة الأخيرة من نهاية إسدال الستار على نظام الحكم المايوي.
وفي تلك الأجواء الملتهبة، كان يعمل في وكالة السودان للأنباء موظف وحيد هو نائب مدير وكالة السودان للأنباء المرحوم محمد حسني حواش، لتلقي أي أخبار ونقلها لجهازي الإذاعة والتلفزيون، وفي يوم الجمعة ظهراً تلقى نبأ من إدارة التوجيه المعنوي عن طريق الهاتف حمل ملخصاً خبرياً لخطاب الفريق سوار الذهب للوحدات العسكرية، مؤكداً على أهمية الدفاع عن ثورة مايو، لكن كانت المفاجأة للكثيرين أن الفريق سوار الذهب هو من قام بإعلان تسلم القوات المسلحة للحكم من براثن النظام المايوي، ولا شك أن هذا القرار لم يكن سهلاً للفريق سوار باعتبار أنه كان حريصاً على القسم الذي أداه لحماية النظام، بيد أنه تم إقناعه بواسطة القادة وعدد من الضباط من أجل القيام بالثورة حماية لاستقرار البلاد وحقن الدماء، وبما أنه كان حريصاً على تلك المبادئ وافق لقيادة العملية التي لم تتطلب جهداً كبيراً أو إسالة أية قطرة من الدماء بعد التوافق التام بين القيادات العسكرية، وحين احتدمت الثورة الجماهيرية وبات النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، شهد الفريق عمر اجتماعاً حاشداً مع قادة الوحدات العسكرية بالخرطوم طالبهم بالانضباط وذكرهم بأن الرئيس نميري هو الرئيس الشرعي للبلاد، والذي جاء عبر انتخابات مباشرة، إلا أن هذا التحذير لم يمنع قادة هذه الوحدات بالاتفاق في أقل من أربع عشرين ساعة على إزاحة النظام في ثورة بيضاء تم خلالها اختيار المشير سوار الذهب رئيساً لمجلسها العسكري.
عوامل الثورة
لا شك أن العديد من العوامل كانت وراء تفجير انتفاضة أبريل «85»، أهمها الأوضاع السياسية والاقتصادية وإحساس المواطنين بسطوة حكم الفرد، بينما لم يكن لإعدام محمود محمد طه أي تأثير على الحراك الجماهيري التلقائي. وربما كان تحدي نميري للجماهير قبل فترة قصيرة من الانتفاضة بأن الدولار سيصل «100»، تأثيراً سالباً على العقل الجمعي للجماهير.
الوضع في الجيش
قبل ثلاث سنوات من الانتفاضة أي في العام «1982» كان مجلس الشعب القومي في إحدى جلساته يتداول قضايا الراهن بقدر غير مألوف من الجرأة والصراحة، حيث تناول قضايا الفساد، وهم لا يدرون أنهم في تلك اللحظات، كان الرئيس نميري يتابع الجلسات عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، كذلك لم يكن ضباط القوات المسلحة بمن فيهم كبار الرتب، بمعزل عن ذلك التململ. فدعا نميري لاجتماع يستمع فيه لآرائهم، ففوجئ بالضباط يتحدثون بصراحة لم يتوقعها الرئيس، الأمر الذي أغضبه، فأصدر قراراً بإقالتهم بإعفاء الفريق عبد الماجد نائبه في الرئاسة ومساعده الأول في قيادة القوات المسلحة، ولم يكن عبد الماجد ذو الميول العسكرية ميالاً للسياسة، ولم تكن له طموحات لمنافسة نميري في السلطة، وحتى عندما أعلن نميري استقالته عبر الاجتماع السياسي العاصف بقاعة الصداقة، كان يظن عدد من المراقبين أنه كان من الممكن للفريق عبد الماجد أن يقطع على نميري طريق العودة باستلامه السلطة، بيد أن عبد الماجد لم يكن يوافق على تلك الفكرة رغم أنها كانت متاحة تماماً بحكم الشعبية التي كان يتمتع بها داخل القوات المسلحة. وقام نميري بعد ذلك بتعيين رئيس جهاز أمن الدولة اللواء عمر محمد الطيب نائباً له حيث جمع بين المنصبين. وكان عمر عندما وصل إلى هذه المناصب الرفيعة، في بداية الخمسينات من عمره، بعد أن تلقى دورات في الولايات المتحدة وألمانيا والعراق، كما كان له دور بارز في قمع التمرد في جنوب السودان إبان حكم الفريق عبود والذي تم إنهاؤه لاحقاً عبر اتفاقية أديس أبابا ليندلع في العام «1983». وكان اللواء عمر المولود في منطقة الزيداب شمال السودان ثاني دفعته في الكلية الحربية بينما كان صديقه الحميم الفريق عبد الماجد حامد خليل أول الدفعة.
نقل الفلاشا
لم يكن لنقل الفلاشا الإثيوبيين تأثير كبير على إشعال شرارة الانتفاضة بحكم أن الجماهير السودانية لم تكن متأثرة كثيراً بالحراك القومي في المنطقة الذي كان يقوده الرئيس جمال عبد الناصر، اهتمامها أكبر بالنواحي الداخلية، لكن مع ذلك حاول نميري السير في ذلك الاتجاه فانضم لما يسمى ميثاق طرابلس للوحدة بين السودان ومصر وليبيا في عهد الرئيس الراحل السادات، لكن لم يكن كل من السودان مصر متحمسين لبلورة تلك الأفكار العاطفية إلى واقع عملي يقفز على المعطيات الظرفية للبلدين، بينما كان يتبناها بهوس الرئيس القذافي قبل أن يتحول إلى مركزية أحلامه الشخصية المتمثلة في زعامة العالم العربي وتشكيله وفق نظرية الكتاب الأخضر.
نميري أزمة ثقة
وبالرغم من أن جهاز الأمن في عهد نميري كان حامياً للنظام ببراعة، لكن فيما يبدو أن نميري كان لا يريد الاعتماد على مصادر أمنية واحدة، وقيل إن بعض الذين عينهم في صفوف الجهاز كانوا يتعامل معهم كمصادر موثوقة، كما أن النميري قام أيضاً بإقالة عدد من ضباط الجهاز عبر كشف كان يحمله وهو داخل مبنى الجهاز وجالس على كرسي رئيس الجهاز عندما كان خارج البلاد.
كيف جرى حل جهاز الأمن؟
عندما كانت الانتفاضة مشتعلة، كانت العديد من الجماهير التي كانت لديها صورة سالبة في عقلها الجمعي عن جهاز الأمن المايوي، كانت تهدف حله كما كانت كل التيارات السياسية تحمل ذات الرأي، ولهذا لم يكن للمجلس العسكري مناص من الموافقة على الفكرة، بل أن عدداً من أعضائه كانوا غير موافقين عليها والتي تمت على عجل ودون دراسة كافية.
وفي العاشر من أبريل كانت الجماهير قرب القيادة العامة تطالب بحل الجهاز وهي تلتف حول سيارة يمتطيها أحد أعضاء المجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط النظام المايوي، وفي تلك اللحظات كانت القوة المكلفة بحراسة الجهاز من قبل القوات المسلحة لم تسمح بخروج أحد من أفراد الجهاز من المبنى، ثم بعد ذلك تم تنويرهم بواسطة اللواء السر أب حمد بأن الإعتقال سيكون مؤقتاً، وبعدها تم نقلهم بواسطة سيارات إلى سجن كوبر كمعتقلين.
تداعيات ما بعد الحل
يبدو أن حل جهاز الأمن المايوي تسبب لاحقاً في كشف ظهر النظام الديمقراطي الذي كانت تتناوشه العديد من التيارات الطامعة في السلطة مثل البعثيين والإسلاميين آنذاك، فضلاً عن سيل الإضرابات المهنية المتلاحقة التي عملت على إضعافه، ذلك بالرغم من أن ولاء جهاز الأمن المايوي للنظام، لكن أفراده لم يكونوا جمعياً على قلب رجل واحد مع النظام كما أنه بحكم المهنية الأمنية ما كان سيجدون صعوبة في التعامل مع النظام الحزبي وحمايته باعتبار ما يملكونه من خبرات كبيرة ومصادر عديدة كانت ستعينهم على تلك المهمة، لكن لاحقاً نفى مسؤول الأمن في عهد النظام الحزبي الديمقراطي الفريق عبد الرحمن فرح إبان فترة رئاسة الصادق المهدي لرئاسة الوزراء، أن يكون جهاز أمنهم ضعيفاً. وقال إنهم كانوا يعلمون بتحركات ضباط الإنقاذ عندما كانوا يخططون لحركتهم الانقلابية في يونيو «1989»، بيد أن الصادق المهدي قلل من مخاطر هذه المعلومة رغم أهميتها، وهو أمر يثير الدهشة. فهل كان المهدي يثق في الإسلاميين؟ أم أنه كان يظن أن أي تيار سياسي لن يجرؤ على قلب نظام حكم ديمقراطي جاء عبر مناكب الجماهير عبر ثورة شعبية، لكن بصرف النظر عن صحة ما ذكره الفريق عبد الرحمن فرح، فإن التكوين العاجل لجهاز الأمن في الحقبة الديمقراطية، وفي الظرف الذي واكب والإمكانات التي كان يعمل بها، كلها مؤشرات توحي بأن مقدرته الأمنية في حماية النظام الديمقراطي في ظل تلك الظروف، ستكون محل جدل كبير، لكن ربما كان المستفيد الأول من حل جهاز الأمن المايوي هو حكومة الإنقاذ الحالية التي وجدت الطريق ممهداً لها ثم لعلها استفادت لاحقاً من خبرات ذلك الجهاز المحلول والذي أطلقت سراح رئيسه لاحقاً من المعتقل بعد حكم قاس بلغ تسعين عاماً بواسطة القضاء في الفترة الانتقالية بتهمة التخطيط والإشراف على نقل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل، ومن المفارقات أيضاً، أن شاهد الملك في القضية هو الذي فند أقوال اللواء عمر محمد الطيب ببراعة، وقال في المحكمة إنه عندما انطلقت عملية نقل الفلاشا قال لهم اللواء عمر «بقيف معاكم بمسبحتي»، ولم تثن برجماتية الإنقاذ، من الاستفادة لاحقاً من خبراته حيث تبوأ منصباً مهماً في فترة سابقة.
قريباً من البياض
ربما يحمد للواء عمر النائب الأول لرئيس نميري أنه إبان الانتفاضة الشعبية ضد نظام حكمه، أنه لم يطلق أيدي أفراد الأجهزة الأمنية المختلفة لسفك الدماء والإفراط في العنف، حيث لم تتسم الانتفاضة بسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى بالنظر إلى حجم التظاهرات آنذاك، ولعل هذه المرونة النسبية هي التي أغضبت نميري فيما بعد، متهماً اللواء عمر بالتسبب في سقوط النظام الذي طالما ظل قابضاً عليه بيد من حديد، ودون تساهل عندما يميد النظام بين يديه في بعض المرات.

الانتباهة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1641

التعليقات
#1440725 [علي]
1.00/5 (1 صوت)

04-07-2016 06:59 AM
طلعتو في 1985 ضد نميري وقلتو سفاح ... اها الليلة اشربو لما ماتترووا
تفووووووووو عليكم

[علي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة