الأخبار
أخبار إقليمية
غابة العاقب، صحراء الجابري
غابة العاقب، صحراء الجابري
غابة العاقب، صحراء الجابري


04-08-2016 12:17 PM
صلاح شعيب

لم تكن المعاني التي استندت عليها مدرسة الغابة والصحراء للقول بهجنة الهوية السودانية محصورة في مناحي الأدب فحسب، وإنما تتمظهر كذلك في مجال التجديد الغنائي، والموسيقي. ولكن لم يشأ الموسيقيون أن يكونوا مجدين في التنظير الرابط لإنتاجهم بالسجال الدائر حول هوية البلاد منذ مرحلة الثلاثينات. بخلاف الموسيقيين جمعة جابر، ومكي سيد أحمد، لم نجد في الساحة الغنائية دراسات متكاملة موازية لدراسات المفكرين، والأدباء، والتشكيليين. وربما ينطبق التقصير على الدراسات المسرحية المتعلقة بخطاب الهوية، ذلك برغم أن مجال الغناء والمسرح قد شهدا محاولات مبكرة لرسم صورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه أسس التأليف السوداني في هذين المجالين الحيويين. ولقد بدأت سودنة المسرح السوداني في أعقاب نشاط مسرح الجاليات الذي كان يقدم في الأربعينات لجمهور عربي، ونخبة المجتمع السوداني، أنواعا من التمثيليات. ولو أن الفضل يرجع للمغنين الذين طوروا ترنيمات الكرير، والهمبي، السابقة للتأطير الذي تم للأغنية، فإن الفضل يرجع إلى إبراهيم العبادي، وخالد أبو الروس، في رسم صورة مثالية كذلك للتأليف المسرحي. وقد يشبه الدور الذي قام به الرائدان المسرحيان دور محمد أحمد سرور، وعبد الكريم عبدالله مختار المشهور بكرومة في تأسيس المقام الغنائي الذي تنافس الفنانون على تنميته، وتطويره، والتجريب داخله.

بموالاتهما المازجة بين المقامات الخماسية والسباعية قدم الفنانان أحمد الجابري، والعاقب محمد حسن تأليفا غنائيا لا يخرج كثيرا عن مضمونه عن دعوات مدرسة الغابة والصحراء التي سعت إلى توليفة عربية ـ أفريقية في همها بإبرازها لهوية البلاد. ولكن نظرا لغياب الدراسات الموسيقية المتصلة بشؤون الهوية ذهب الفنانان القديران دون أن يٌقيم تجريبهما داخل مقامنا النغمي عبر مباحث معتبرة عن أعمالهما المميزة.

بغير صوتهما الشاديين بتدريب عالٍ فإنهما نهلا كثيرا من المدرسة المصرية، واللبنانية، وتأثرا بألحان الموجي، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، ووديع الصافي، ورياض السنباطي، وغيرهم. والحقيقة أن ذلك التأثر شمل عددا كبيرا من فناني تلك المرحلة، ولكن انعكس هذا التأثر في تطوير المقدمات الموسيقية، وتنمية اللحن، وتنويعه، والتكثيف في كوبليهاته، وتعميق مداءات الصوت. ويلاحظ أن هناك تسجيلات في الإذاعة، والتلفزيون لفنانين كبار أمثال حسن عطية، وأحمد المصطفى، ومحمد الأمين، ووردي، يقومون فيها بأداء أغنيات عربية بالعود، ذلك ما يؤكد أن السطوة الإعلامية المصرية كائنة عبر ارتباط الفنانين حينذاك بمنتجات غنائية لمراكز إقليم الشرق الأوسط.

-2-
صوت الجابري كان رخيما حينا، وحادا يتحرك بين أعلى السلم إلى منخفضه بلا أدنى تعب، أو تصنيع في اللحن. وبناءً على النص كان يحرك صوته الغرويد كيفما شاء. أما العاقب فقد تميز برخامة الصوت إن لم يكن غِلظًه الذي يسيطر عليه بما يشبه الهمس. وبرغم أن العاقب موصوف بفنان الفنانين في الوسط الفني، إلا أن الجابري تميز بأنه فنان الموسيقيين. إذ من خلال تنوعاته الموسيقية كان يمتع العازفين، وفي ذات الوقت يختبر قدراتهم، وينميها، ويرققها. ولذلك وجدنا أن كل الذين عزفوا خلفه صاروا من أميز العازفين. والملاحظ في إنتاج الجابري أن معظم أعماله تحتوى على ثلاث كوبليهات تقريبا، وذلك ما يميزه مع قليل من أبناء جيله.

عاشا في حي العرب متجاورين لعبد الرحمن الريح، والاثنان تأثرا بأحمد المصطفى الذي كان يملأ الأفق الفني. ولكن قدر لود الريح أن ينقذ الجابري من تماهيه، أو تقمصه الزائد للعميد. رفده بعملين سريعين قفزا بالجابري إلى خصوصيته. ولكن لجنة النصوص صدته مرتين، وفي المرة الثالثة قبلت به، فتأمل كيفية التجاوز لهذا التحدي الصعب. أما العاقب فقد عاني أثناء البحث عن لونية تميزه ليتجاوز بها تحدي التخلص من الشبه بين صوته وبين صوت أحمد المصطفي. وأخيرا تمكن العاقب بجهده الخاص الخارق، وبفضل التأثر بالسلم السباعي، أن يتفرد. وزاد تفرده المتألق حين عاد من بعثة دراسة للموسيقى الشرقية التي رافقه فيها محمد عبدالله أبكر محمدية، وبرعي محمد دفع الله. وحين عاد من القاهرة فجر رائعته "هذه الصخرة" و"حبيب العمر" التي حذت حذو الأغنية المصرية. وهكذا تخلص من التأثر بأحمد المصطفى. وقد تمكنت الأوركسترا التي تضم الخواض، وأحمد زاهر، والطيب خليفة، وبدر التهامي، وعلاء الدين حمزة، من إتقان النوتة الجديدة للشاب العاقب والتي لم تكن للأوركسترا السودانية كثير شغل بمثيلها.

أثناء ذلك كان الجابري يتواصل مع الشعراء مصطفى عبد الرحيم، والصادق إلياس، وكامل عبد الماجد، الذين يمدونه بنصوص حية فيصوغها بلا تقيد بالخماسي. وهكذا كأنه يجاري العاقب في تجريبه الفصيح كما فعل برائعة هذه الصخرة، وحبيب العمر. ونلاحظ أن الجابري لم يغن بالفصحى كثيرا، ولكنه اعتمد على أعمال عامية سودانية ليكسبها جزء من الصبغة السباعية في اللحن. والملاحظ الجديرة بالانتباه كذلك أن الفنانين عصاميان بالدرجة التي يمكن وصفهما بالعبقريين. فالجابري والعاقب اعتمدا علي درس الخلوة كمرتكز لتطوير قدراتهما في القراءة والكتابة. ولذلك يمكن قياس نجاحهما الباهر بتذوق الشعر الذي قاما بغنائه، وبقدرتهما العالية على تقمص معاني شعراء الفصحي عبر اللحن. أضف إلى ذلك براعتهما في تجويد مخارج الحروف، وإجادة العزف على العود. ولا بد أن خاصية تحدي الظروف التي غيبت تعليمهما النظامي ارتبطت بكثيرين من جيلهما ممن قطنوا حي العرب، أو خارجه. فغالب فناني حي العرب قد واجهوا هذا التحدي بكثير من المشقة والإصرار علي التعلم الفردي. فهناك قد سبقهم في هذا المضمار شيخهم عبد الرحمن الريح، وإبراهيم عوض، ورمضان حسن، والتاج مصطفي، ومحجوب عثمان، وبعض الشعراء أمثال خورشيد، وعبدالله النجيب، وعوض جبريل، وغيرهم. والمعروف أن مهن كل هؤلاء الفنانين الذين صاغوا الوجدان ارتبطت بما يسميه بعضنا المهن الوضيعة، غير أنهم أتقنوها بإحساس فني، وطوروا ملكاتهم الفنية أثناء عملهم في الخراطة، والحياكة، وصنع المنسوجات اليدوية.

-3-
في ما خَص حفلاتهما فإن الفنانين لم يكونا من أصحاب القاعدة الجماهيرية الكبيرة برغم أنهما الأكثر حظا في عرض إنتاجهما عبر جهازي الإذاعة، والتلفزيون، بقدر يفوق عرض أعمال فنانين جماهيرين كثر. ويعود السبب في ذلك إلى أن مقدمي البرامج كانوا لا يجدون عائقا دون تقديمهما بشكل يكاد يكون يوميا لما تحقق أعمالهما من جماهيرية لهذه البرامج، فوقا عن الجودة الفنية في غنائهما. ومن ناحية أخرى فإن أعمالهما وصفت بأنها "سماعية"، وتتطلب قدرا عالٍ من صفاء ذهن المستمع. ولكن التفسير الأكبر لذلك هو أن الجابري والعاقب لم يكنا من الذين يجارون السائد بقدر ما كان همهما التعبير عن دواخلهما الفنية الغنية بالجمال. وكانا ينظران إلى الغناء كهواية في المقام الأول، وليس هو مجال للمكسب، كما حدث ذلك لاحقا. ولعل شفافيتهما جعلتهما يعتمدان كثيرا على مردود بث أعمالهما في الجهازين، ولذلك عاشا ظروفا صعبة مع تبدل ظروف الحياة، وارتحلا من حي العرب ليعيشا في أمبدة.

يشترك الفنانان في إتقان الغناء الطروب عبر صوتهما الرخيم الذي يساعد في التطريب. فما من أغنية لهما تخلوا من موازير طروبة، وربما تغدو حاجة الملحنين الجدد متمثلة في دراسة هاتين التجربتين بكثير من التواضع أمامهما. فلا يٌعرف لحن للجابري، أو العاقب، قد وصف بالضعف من حيث المميزات المطلوب توفرها في الأغنية الخالدة. كما أن أي عمل خصهما لا يشبه بعضه آخر، وربما كان التأني الذي يعتمدانه في إخراج الإغنية، وحرصهما علي تحقيق الاختلاف داخل مجموع أعمالهما، قبل الاختلاف عن أعمال الآخرين، قد ساهم بدور كبير في بروزهما كأفضل صانعين للألحان، ويملكان الصوت، والأداء، الباهرين. ولعل بعض أعمالهما التي قاربت نصف قرن ما تزال قادرة علي وجود القبول من المستمعين برغم تعاقب الأجيال. ومن هنا تتأكد قدرتهما علي تجذير اللحن في صميم الإحساس السوداني.

إن موقع لونيتي العاقب، والجابري، المتقاربتين، برغم أن أيا منهما يمثل طريقة مميزة في التأليف، والأداء، تتكامل مع لونيات أخرى تكشف عن ملمح لخطاب الهوية داخل المشهد الغنائي. وما بز به غناء الفنانين تجارب المدارس الفنية للاجتهادات الفكرية، والنقدية، والمسرحية، والأدبية، والروائية، هو أنها امتازت بالتكثيف، والاستمرارية، والتثاقف، والالتصاق بقواعد السودانيين في الريف، والمدن. وذلك نسبة لحرية الممارسة الغنائية، وعدم قدرة السلطات السياسية على تحجيمها، كما حدث الأمر للمنتجين في الحقول الأخرى. وكذلك ساهمت سهولة إنتاج الأغنية، بالمقارنة مع إنتاج المسرحية، أو الرواية، أو الديون الشعري، في إخراج كل المكنونات الفنية للمبدعين المغنين. فضلا عن ذلك فإن التعاطي مع الغناء يغدو أكثر رسوخًا بالقياس للتعاطي مع المنتجات الفنية الأخرى التي تعترضها عوائق كثيرة تتعلق بتكلفة الإنتاج وتوزيعه. ومن هنا يمكن القول إن ما عجز المبدعون في مجالات الفنون الأخرى عن تراكمه حققه المغنون من خلال إبراز خطابات متعددة، كلها ترتبط بالهوية السودانية وتعرف بها أكثر، وبشكل أعمق من أي مجال آخر.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3393

التعليقات
#1441927 [عودة ديجانقو]
0.00/5 (0 صوت)

04-09-2016 10:59 PM
والله يا أخ صلاح شعيب دخلتنا فى أمتحان.. دى زى فى اغنيه زمان بتقول صفراء وحمراء وخضراء نختار منهم ياتا....عشان كده الاختيار وقع على كل عمالقة ذلك الجيل وكل واحد فيهم له ركن خاص فى القلب.
أنا كتير بسأل نفسى العمالقه ديل ببقوا عمالقه كيف..ربما يكون سؤال ساذج لكن ما أراهوا اليوم من أنحطاط فى فن الغناء جعلنى اسأل هذا السؤال.
آخر الفنانيين الذين إستمعت لهم هو الاخ نجم الدين الفاضل ابوعاقله وكان وراءه وسانده الاستاذ العاقب والاخت الكريمه حنان النيل...وبعدها بقيت عايش على الذكرى.
الفن الاصيل ليس متعلق بجيل جديد وجيل قديم من الفنانين يعنى الواحد كان يطرب اشد الطرب للكاشف و زنقار وكرومه.

[عودة ديجانقو]

#1441746 [سيف الدين خواجه]
0.00/5 (0 صوت)

04-09-2016 02:13 PM
شكرا الاستاذ صلاح علي هذه الاضاءه غي ناحتين ناحية الهوية وناحية عملاقين الخلود لهما في الوجدان اكثر من القلم واللسان شخصيا كنت احتفي بهما واحتفظ بالمنزل مع ابن عمي السفير احمد مكتبة للجابري وكنا نعتقد سويا انه مدرسة قائمة بذاتها في اللحن والتجويد ولكثرة تنقلي واغترابي الباكر هجرة تلك المكتبة اضافة لتنقلات السفير فطالتها يد الاهمال من التفرق وعبث الغربة والوطن بنا رحمهما الله رحمة واسعة وشكرا

[سيف الدين خواجه]

#1441669 [ود السيد]
3.00/5 (2 صوت)

04-09-2016 11:19 AM
صادف مقالك الرائع هوى في نفسي لانني معجب بغناء الفنانين الجابري والعاقب عليهما رحمهما الله وارى ان الاثنين من القلائل الذين يستحقون لقب مطرب ورغم تجدويدهماإلا انهما لم ينالا من الصيت ماناله من هم اقل منهما بكثير.. شكرا لك

[ود السيد]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة