الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الحب.. بين تراثين
الحب.. بين تراثين
الحب.. بين تراثين


04-15-2016 11:49 PM

عبد الواحد لؤلؤة

قرأتُ مؤخراً كلاماً لموسيقي معاصر بارز مؤداه أن العرب هم من «اخترع» الحب. دفعتني هذه الملاحظة لمراجعة بعض ما ورد في كتب التاريخ والأدب حول مفهوم الحب وتجلياته في الشعر العربي من امرئ القيس إلى نزار قباني. ربما كان أول تحديد لمفهوم الحب في تراثنا العربي ما يروى عن مجلس يحي بن خالد البرمكي (ت 850 م) الذي حضره ثلاثة عشر من أدباء العصر وفلاسفة بغداد العباسية. كان الحوار الذي دار في ذلك المجلس يشبه ما دار في «حوار المأدبة» حيث كان أفلاطون يعبر عما نُسب إلى سقراط في مفهوم العشق. كان فايدروس أول المتحدثين فقال «إن الحب قوة تغيير في النفس البشرية، تجعل المحب يتجه نحو الفضيلة وينفر من الرذيلة».
وثمة نقاط تشابه كثيرة بين ما دار في «حوار المأدبة» وما دار في «مجلس البرمكي» مما يشير إلى معرفة أدباء العصر العباسي بجوانب من الفلسفة الإغريقية التي كانت حديثة عهد بترجمتها في العصر العباسي.ويروي الاصمعي أنه وجد جارية معلقة بأستار الكعبة تنشد شعر غزل وتستغفر. فسألها: ما الحب؟ قالت «هيهات! جلّ والله عن أن يُحصى، وخفي عن أن يُرى فهو كامنٌ كمونَ النار في حجرها. إن قدحتَه يروى، وإن تركته توارى». ويذكر ابن داود الأصفهاني الفقيه الظاهري (ت 909 م) في كتابه «الزُهرَة» (وليس الزَهرة، كما شاع خطأ) وهي «فينوس» ربة الحب، في قسمه الأول، خمسين باباً في كل باب مئة بيت شعر تصور فنون الحب وقوانينه. يقوم الكتاب على أمثلة من شعر الحب، مختارة من «حماسة» أبي تمام، و»حماسة» البُحتري ومن أشعار بشار ابن بُرد وأبي نواس وابي العتاهية وعمر بن ابي ربيعة والعباس بن الأحنف وابن الرومي… إضافة إلى أشعار «لبعض أهل هذا الزمان» ويغلب الظن انها لابن داود الأصبهاني نفسه.

انتقلت هذه المعارف الأدبية من العصر العباسي الزاهر إلى مغاني الأندلس، كما تشير كتب الأدب المعاصرة. وبعد حوالي قرن ونصف برز ابن حزم الأندلسي (993 ـ 1054) القرطبي، الفقيه الظاهري كذلك، فألف كتابا في حدود عام 1064 بعنوان «طوق الحمامة في الألفة والألاف» يُعد أكمل كتاب في التراث العربي والعالمي ينظّر للحب مفهوماً وفلسفة، يمثل لذلك بأشعار هي من نظم ابن حزم نفسه في الغالب، تدعمها أمثلة وحوادث من واقع الحياة في الأندلس. يتميز الكتاب بالتقسيم والتبويب إلى ثلاثين فصلاً بينها وبين كتاب ابن داود وجوه تشابه كبيرة.

يتضح من كلام ابن حزم أنه كان على دراية بكتابات الكندي ورسائل إخوان الصفا ورسالة في العشق لابن سينا معاصره. يتميز «الطوق» بواقعية الوصف في الأمثلة التي يقدمها، مما يذكرنا بمفهوم الحب عند شعراء الجاهلية في أصالتها: «ودفعتُها فتدافعت/مشيَ القطاة إلى الغدير/الكاعب الحسناء ترفل بالدِمقس وبالحرير»، ومثل «وأحبُها وتحبني/ ويحب ناقتها بعيري». وقد جاء بعد ابن حزم بحوالي قرن ونصف، الراهب آندرياس كابيلانوس الذي كان في خدمة الكونتيسة ماري ده شاميين، حفيدة التروبادور الأول، غيوم التاسع. لدى مقارنة كتاب الكاهن بعنوان «الحب الصادق» بكتاب ابن حزم نجد تشابها عجيباً في التقسيم والتبويب والأمثلة، مما يشير إلى استمرار مفهوم الحب في التراث العربي الأندلسي الذي شكّل الأساس في أول شعر حب عرفته أوروبا القروسطية، في انسلاخها عن تبعية الكنيسة وتراثها اللاتيني، الذي جاء شعر الحب بلغة «بروفنس» العامية ليزيح تراث الشعر اللاتيني الذي لا يوجد فيه مفهوم للحب سوى المفهوم الكنسي في محبة المسيح ومريم العذراء.

بظهور الشعراء التروبادور (الجوالين) في الجزء الجنوبي من فرنسا، وفي إقليم الباسك، في أواخر القرن الحادي عشر، ظهر شعر الحب «الدنيوي» الذي أغضب الكنيسة وثقافتها القروسطية. لكن هذا المفهوم الجديد على أوروبا قدّر له الانتشار والتطور في أنحاء أوروبا التي كانت تتشوف إلى عصر النهضة (الانبعاث) الذي بدأت تباشيره في القرن الثاني عشر، مع اللغات القومية الوليدة المنسلخة عن اللاتينية، بما دعاه دانته، في كتابه «فصاحة العامية» باسم «لاتينية العوام».

بظهور أول شعراء التروبادور، غيوم التاسع، الأمير البروفنسي (1071 ـ 1127) ظهر هذا النوع الجديد من شعر الحب بمعناه الغريب على الثقافة الكنسية القروسطية، وانتشر في جنوب غرب فرنسا إلى أن جاء البابا إنوسنت الثالث (البريء) من باريس وقضى على ثقافة وحضارة الجنوب الفرنسي «بروفنس» فتشرد الشعراء التروبادور إلى صقليا وجنوب ايطاليا وشمال فرنسا وجرمانيا، فانتشر بذلك مفهوم الحب الجديد في أعمال التروبادور الذين بلغ عددهم حوالي أربعمئة، بنهاية القرن الرابع عشر.

أثار ظهور هذا المفهوم الجديد في الحب عدداً من الباحثين والدراسات منذ بدايات القرن السابع عشر في أوروبا. من اين جاء هذا المفهوم. قال بعضهم إنه من جذور اغريقية ولاتينية، وهما مصدر الثقافة الأوروبية. لكن مراجعة موقف الاغريق والرومان من الحب والمرأة لا يدعم هذه الآراء، بل يعارضها في شكل صريح. يقول ديموستينيس كبير خطباء أثينا وحكمائها: «لدينا محظيّات من أجل لذتنا، وسرايا لحاجات أجسادنا اليومية، وزوجات لإدارة شؤون بيوتنا، وليحملوا لنا أطفالاً شرعيين». ويرى أوفيد (43 ق.م ـ 17 ب.م) في كتابيه «فن الحب» و»علاج الحب» أن «ليس في المرأة سوى مصدر لذة جسدية». أما ليون باتستا ألبرتي أول «الرجال العالميين» في عصر النهضة الأوروبية، فهو يقول في كتابه «الأعمال السائرة» ما مؤداه: «إنهن جميعاً مجنونات، مليئات بالقمل… النساء». ونستغرب أن نسمع بتراركا أبرز شعراء ايطاليا في عهد الانبعاث (1304 ـ 72) الذي كان يعبد حبيبته لورا يقول إنه «يكره النساء».

كيف نضع هذا التراث الأوروبي في مفهوم الحب والموقف من المرأة حتى ظهور الشعراء التروبادور في القرن الثاني عشر، واحتفالهم بالحب الدنيوي والمرأة، إلى جانب التراث العربي، بدءاً من شعراء الجاهلية حتى ظهور شعر الحب الاندلسي القائم على التراث العربي المشرقي بتوسط الثقافة العباسية؟ كيف نضع أقوال الأغارقة واللاتين إلى جانب شعراء الحب العذري مثلاً، في «أراني إذا صليتُ يمّمتُ نحوها/بوجهي، وإن كان المصلى ورائيا». فحتى عام 1267 نجد القديس توماس يعلن قبوله بما نُسِب إلى أرسطو من «أن الانثى هي ذَكر مشوه»! وقد استمر احتقار المرأة في المجتمعات الأوروبية القروسطية من خلال قرارات المحافل الكنسية التي لم تترك مجالاً للمفهوم الجديد للحب الدنيوي والإحتفاء بالمرأة، كما تعرضه أعمال التروبادور في أنحاء أوروبا.

والسؤال الدائم الكبير في الأبحاث الأوروبية على امتداد القرون الأربعة الأخيرة هو من أين جاء هذا التطور الجديد. ثمة أتباع النظرية الأوروبية التي لم تستطع ايجاد أمثلة سابقة في التراث الإغريقي اللاتيني. وثمة النظرية العربية التي كان اتباعها من الاسبان، ومن رجال الكنيسة بالذات واساتذة الجامعات، في فرنسا وإيطاليا، ممن أبرزوا أمثلة كثيرة على ظهور هذه المفهومات الجديدة على أوروبا، في شعر الموشح الأندلسي، الذي تطور عن الشعر العباسي في المخمس والمسمّط، بدءاً من نهايات القرن التاسع، على يد مقدّم بن معافى القبري من أهل قرطبة، ومن بعده في أمثلة الزجل على يد ابن قزمان في قرطبة بحدود عام 1260.
وتبين الامثلة الكثيرة مقارنات عجيبة بين الشعر العربي الأندلسي وبين شعر التروبادور اللاحق عليه بحوالي ثلاثة قرون، والذي شكل اساساً لشعر الحب الأوروبي بدءاً من دانته إلى شكسبير.
لعربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 9151


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة