الأخبار
أخبار إقليمية
هيمنة الدول الصناعية وشركاتها عابرة الحدود علي منظمة الثجارة العالمية
هيمنة الدول الصناعية وشركاتها عابرة الحدود علي منظمة الثجارة العالمية
هيمنة الدول الصناعية وشركاتها عابرة الحدود علي منظمة الثجارة العالمية


التحديات التي تواجه السودان عند الدخول (١ — ٢)
05-02-2016 10:17 PM
د. علي عبدالحفيظ عمر

1-

اُنشئت منظمة التجارة العالمية في عام ١٩٩٥ وهي الذراع الثالث للامم المتحدة بجانب البنك الدولي للانشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي ( IMF ). وكان من المفترض ان تُنشا معهما في اعقاب الحرب العالمية الثانية في اربعينات القرن الماضيي. ولكن اعترضت الدول الصناعية الغربية علي انشائها لعقود عديدة بسبب الحرب الباردة وعدم رغبة الدول الصناعية الغربية وشركاتها العابرة للحدود في قيام منظمة تضع قيوداً علي التجارة الدولية وتتضمن في عضويتها دول اشتراكية.
في اعقاب انهيار الدول الشيوعية رات الدول الغربية الصناعية وشركاتها العابرة للحدود ان الفرصة اصبحت سانحة لقيام منظمة التجارة العالمية. (المنظمة). وكان الهدف الرئيس للمنظمة فتح اسواق العالم وتحرير التجارة العالمية من القيود الجمركية والكمية( مثل الكوتات) والفنية والادارية لتصبح اسواق العالم مفتوحة امام الجميع. هدف المنظمه النهائي هو خفض الرسوم والضرائب الجمركية الي الصفر لتنمو التجارة العالمية وتتدفق دون عائق.

وحري بالذكر هنا ان المنظمة لا تعدو ان تكون منبراً يتفاوض فيه الاعضاء بحرية وتعمل المنظمة علي اتخاذ القرارات علي اساس الاجماع بين الدول وعلي اساس المساوة بين جميع الدول عند التصويت. ولكن كثير من القرارات الحيوية التي تتخذها المنظمة وتؤثر علي مصالح الدول النامية يتم اتخاذها في غرف مغلقة لا يُدعي لها ممثلي الدول النامية وتعلن النتائج دون علم الدول النامية.

المنظمة كسلطة ادارية لا تملك سلطات بموجبها تحمي مصالح اي دولة عضوة او تعاقبها. هي منبر مفتوح لتفاوض الدول الاعضاء علي قدم المساوة عند التصويت. من اهم وظائف المنظمة الدولية قيامها كمنبر لحل النزاعات التجارية والاستثماراتة بين الدول الاعضاء واتاحة الفرصة للدول الفقيرة لمقاضات الدول الصناعية الغنية وحماية مصاحها وانتزاع حقوقها. ولكن تكمن المشكلة في ان الكثرة الغالبة من الدول النامية ليس لديها ممثلين دائمين في المنظمه وليس لديها خبراء تجارين واستثمارين باعداد كافية تغطي لجان المنظمة المتخصصه المتعدده، والتي يتم فيها صياغة القرارات والتوصيات المهمة، ويتابعون مجريات الامور ويحمون مصالحها.

تشير المصادر الي انه خلال خمسة عشرة سنه من عمر المنظمة واضطلاعها علي حل النزاعات التجاريه وصلتها ٤٠٠ (اربعمائة) شكوي لم تكن من بينها شكوي واحدة تقدمت بها دولة افريقية.

٢-
احجمت حكومة الانقاذ لأكثر من عشرين عاما عن الالتحاق بالمنظمة وهي الاّن تسعي جاهدة للدخول فيها كما عبر المسؤلون السودانيون الذين تم اختيارهم للتفاوض مع المنظمة. السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل رأت الحكومة ممثلة في وزارتي التجارة والمالية مزايا يمكن اكتسابها بعد ذلك العزوف الطويل ؟

لا بد من التاكيد ابتدءاً بان الدخول في المنظمة في حد ذاته لا يسبق علي العضو المنتسب اي مزايا تلقائية. المزايا التي يمكن اكتسابها تتم عبر التفاوض مع الاعضاء الاآخرين. اما رد المظالم التجارية وانتزاع الحقوق من الدول الغنية وشركاتها يحتاج لحشد الخبرات التجارية والقانونية المتخصصة والتي تتمتع بالمعرفة والخبرة والمهارة لمنازالة خبراء الدول الصناعية وشركاتها.وكما ذكرنا عاليه لم تتقدم اي دولة افريقية بشكوي خلال ١٥ عاما.

اذا ما تم قبول السودان في المنظمة فان اول اجراء ينبغي ان يلتزم به السودان هو تجميد مستوي الضرائب والرسوم الجمركية المفروضة علي الواردات كسقوف عليا، وحرمان الدوله من اي زيادات للرسوم والضرائب الجمركية في المستقبل. كما يجب الالتزام بوضع قائمة محددة من بعض السلع التي يحتاج فيها السودان لفترة اعفاء محددة تخضع بعدها سلع القائمة لخفض الرسوم والضرائب الجمركية اسوة بجميع السلع الاخري خارج القائمة المحدودة. وهذ بالطبع في مصلحة المستهلك النهائي.
محصول القطن يمثل السلعة الرئيسة التي ينتجها السودان ويصدرها. ولكن اشارت مؤسسة التجارة العادلة (Fair Trade Foundation) الي ان الدعم المالي لمنتجين القطن في الدول الصناعية الغربية قد بلغ خمسة مليارات شهريا خلال العشر سنوات الماضيه. وقد اضر ذلك ضررا بليغا بسعر القطن العالمي وبمنتجي القطن في الدول النامية نظرا للزيادة الكبيرة في انتاج القطن المدعوم من قبل الدول الغربية الغنية مما اضطر اعداد كبيرة من الاسر في الدول النامية للخروج من زراعة القطن. وجدير بالذكر ان الجهود التي تبذلها منظمة التجاره العالمية لإزالة الرسوم والضرائب الجمركية والقيود الكمية والدعم المالي الحكومي لسلع التصدير وتحرير الاسواق لا تشمل السلع الزراعية وتقتصر فقط علي السلع الصناعية. وهذه من اكبر قرارات المنظمة العالمية اجحافا ي حق الدول النامية.

٣-
اشار الدكتور جوزيف استقلتز ( Joseph Stiglitz) الاقتصادي المرموق في جامعة كولومبيا العريقة بنيويورك والحائز علي جائزة نوبل في الاقنصاد عام ٢٠٠١ في كتابة الموسوم : كيف يمكن ان نجعل العولمة تعمل لفائدة الجميع ( making globalization work ) اشار الي ان منظمة التجارة العالمية تتبني وتطبق نموذج من سياسات التحرير الاقتصادي وفتح الاسواق لا يتناسب مع احتياجات الدول النامية واهدافها التنموية نظرا لاستثنائها السلع الزراعية من التحرير ولربطها اتفاقية حقوف الملكية الفكرية بالاتفاقيات التجارية او ما يسمي ب ( TRIPS ) Trade Related Intellectual Property Rights وهي محاولة من الدول الصناعية وشركاتها العابرة للحدود الزام الدول النامية بقبول الاتفاقية لحماية حقوق الشركات في كافة المجالات العلمية والثقافية، وهي حقوق احتكارية ظالمة، وارغام الدول النامية عن طريق الاتفاقيات التجارية التي ترعاها المنظمة العالمية وان تعارضت هذه الاتفاقيية مع احتيجات هذه الدول ورغباتها.

٤-
تعجز الدول النامية عن الاحاطة بكل ما يدور في اللجان المتخصصة العديدة التي تُناقش فيها الموضوعات التي تمس مصالحها، ولا غرو في ذلك نظرا لصغر حجم وفودها لهذه الاجتماعات. يقابل ذلك وفود ضخمة تبعث بها الدول الصناعية تغطي جميع اللجان المتخصصة وكما اشرنا سابقا تمثل هذه اللجان الاداة الفعلية لمناقشة وصياغة كافة السياسات التجارية والتوصيات الخاصة بمصالح الدول. تتجلي هنا هيمنة الشركات العالمية عابرة الحدود علي مجريات الامور وحماية مصالحها وهذه من اكبر عيوب المنظمة العالمية. ولي تجربة شخصية في هذا الصدد ساسردها فيما يلي.

بُعثت من قبل وزارة التخطيط في عام ١٩٧٢ْ لحضور مؤتمر الامم المتحده للتجارة والتنمية الثالث ( UNCTAD III ) بعاصمة دولة شيلي سانتياقو ضمن وفد صغير الحجم لا يتعدي عدد افراده سبعة اشخاص بقيادة المرحوم فخر الدين محمد الذي كان ممثل السودان في الامم المتحدة انذاك والسفير عزالدين حامد (الذي اصبح وزيرا للصناعة فيما بعد، ان لم تخني الذاكرة). كلاهما كانا مثقففين ودبلوماسيين رفيعيً المستوي.

طُلب مني حضور اجتماعات اللجنة المتخصصه في النقل البحري ( Maritime Transport ). فامتثلت . وعلي الرغم من انني كنت احمل درجة الماجستير في الاقتصاد من بريطانيا انذاك الا انه لم تكن لي سابق معرفة او تجربة بالنقل البحري ولكن لا بد من تمثيل السودان في هذه اللجنة والمشاركة في مداولاتها ومناقشاتها. ولكن من حسن الحظ ان الدول النامية قد اجمعت في مؤتمر ال ( ٧٧) الذي انعقد في دولة بيرو - تمهيدا لموتمر شيلي حيث تلتقي الدول النامية كمجموعة بالدول الصناعية الغنية كمجموعة - اجمعت الدول النامية علي تبني قانون للنقل البحري ( Code Of Conduct ) يحقق هدفين فيما يتعلق بالنقل البحري في الدول النامية.

الهدف الاول يطالب الدول الغنية بمساعدة الدول النامية لبناء نقل بحري يتمكن من نقل ١٠٪ فقط من صادرات هذه الدول ووارداتها في نهاية عقد السبعينات، والتي كانت في ذلك الحين تنقل كاملة ١٠٠٪ بواسطة الشركات الغربيه للملاحة. ليس ذلك فحسب وانما كانت الشركات تشترط نقل الواردات علي اساس تحميل سعر السلعة المستوردة كامل تكاليف النقل والتامين ( c.i.f) التي تحدده هي, ويتم نقل الصادرات علي اساس سعر السلعة عند تحميلها في السفينة (f.o.b ) Free on Board.
درجت شركات النقل والتامين علي رفع اسعارها فوق ما هي عليه من ارتفاع بصورة منفردة ودون اي اعتبار للدول النامية التي تنقل بضائعها تصديرا واستيرادا. كانت التوصيه التي احمعت عليها الدول النامية في مؤتمر ال ٧٧ هو ان نطلب من الدول الغنية الاستماع لراينا قبل الاقبال علي هذه الزيادات المضطردة رعاية لمصالحنا.

كانت المفاجئة مذهلة عند انعقاد اجتماعات اللجنة الفنية المتخصصة في النقل البحري. اذا وجدنا انفسنا كممثلين للدول النامية (ومعظمنا كانوا موظفين حكومين وافندية) نواجه في الطرف الاّخر ليس ممثلي حكومات الدول الصناعية وانما ملاك شركات السفن البحريه الحقيقين .

كان ردهم صريحا ومقتضبا وحاسما. ذكروا انهم في سوق منافسة حرة وليس من شانهم دعم المنافسين الحالين او المرتقبين. اما اسعار النقل البحري والتامين فتحددها التكايف وسوق المنافسه وهامش الارباح (طبعا ارباح احتكارية). كان درسا بليغا.
حزنت وتحسرت عندما علمت ان السودان باع كافة اصول شركة الملاحة البحرية السودانية. من سينقل صادرات السوان ووارداته ؟ هل سيعود السودان لشركات الملاحة العالمية ليرفع اسعار صادراته في سوق المنافسة العالمية ويرفع اسعار وارداته للمستهلك الذي يعاني ما يعاني من التضخم وارتفاع الاسعار ؟
سوق المنافسة الحرة التي ترعاها منظمة التجارة العالمية والمناقشات التي تدور في ساحاتها تسيطر عليها مصالح الشركات العالمية عابرة الحدود علي الرغم من المساوه بين الدول الاعضاء عند التصويت. (يتبع)
د. علي عبدالحفيظ عمر

اقتصادي متقاعد - ولاية فرجنيا


الردود



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2836

التعليقات
#1454575 [Rebel]
5.00/5 (1 صوت)

05-03-2016 12:27 AM
* أظنك تقصد "الإنضمام (accession)" و ليس "الدخول", يا أخى..فهذا هو التعبير الصحيح!
* كما انك تعلم, أن الدول الفقيره و الأقل نموا(LDCs & poor countries), و منها السودان, تتمتع بإمتيازات و إعفاءات و أفضليات كثيره أثناء "عملية الإنضمام" و بعد إكتساب "العضويه", ليس هذا مجال ذكرها, و ذلك وفق مقررات مفاوضات جولة الدوحة (2002)!
* و لو اضاع السودان الفرصه المتاحه له للإنضمام الآن, و التى توفرها له وضعيته ك"دوله أقل نموا", فلن يستطيع الإنضمام للمنظمه مستقبلا, وفق شروط أقل ما يقال عنها أنها ستكون قاسيه جدا!..و انت تعلم ان السودان, و بسبب تردد السياسيين, سبق ان رفض فرصة "الإنضمام التلقائى" المجانى لإتفاقية القات(GAT), و التى أصبحت فيما بعد "منظمة التجاره العالميه", وفق إتفاقية مراكش, ديسمبر 1994!
* و الحقيقه ان الدول الناميه و الأقل نموا, تصرف الكثير من مواردها الشحيحه, فى مهام و سفارات و مكاتب و قنصليات و مكاتب امن خارجيه و بذخ داخلى لا حصر له..فلو عجزت عن توفير خبراء دائمين كممثلين لها فى رئاسة المنظمه, فذلك لا يقدح فى جدوى "المنظمه"(التى تضم اكثر من 165 دوله), بقدر ما أن هذا يثبت فشل السياسيين في الدول الناميه, و سوء ترتيب الأسبقيلات القوميه و الوطنيه فيها, كما هو حالهم دائما!
* ثم نحن نعيش فى عصر "العولمه", شئنا أم أبينا يا أخى..و لا مجال للعيش فى "جزر معزوله" فى هذا العصر, كما كان الحال فى الماضى...هذه هى الحقيقه التى يحاول ان يتهرب من مواجة إلتزاماتها السياسيون الفاشلون العاجزون الفاسدون فى الدول الناميه, و منها السودان..و هذه بالضبط هى الأسباب التى أقعدت بهذه الدول, و حالت بينها و بين التنميه و تقدم و رفاهية شعوبها!!
* و بغض النظر عن وضعية الدول الناميه فى "المنظمه", فإن الحقيقه االتى تهمنا هنا, و الماثله للعيان, هى أن السودان غير مؤهل أصلا للإنضمام للمنظمه فى الوقت الحالى, لآسباب سياسيه و إقتصاديه و تجاريه و هيكليه و فنيه كثيرة جدا, هذا ليس مجال سردها!..لكن يمكننا القول إجمالا,أن لا مجال لحكومة "مستبده" و "فاسده" و "فاشله", و يغيب فيها "الحكم الراشد" و "قيم العداله" و "الشفافيه" و "حقوق الإنسان", من المستحيل لدولة كهذه أن تنضم لهذه "المنظمه العالميه" أبدا.
* و هذه "الإستحاله", يدركها تماما "التنابله", من المسؤلين القائمين على أمر "إنضمام السودان"!..و هذا الزخم الذى تراه الآن بخصوص "الإنضمام", و الذى يقوده وزير التعاون و رفاقه فى عضوية المؤتمر الوطنى, ما هو إلآ مصدر "رزق ساقه الله لهم"!..إنهم يتكسبون و "يسترزقون و يتعايشون" منه, بمثلما يفعل الالوف فى الأجهزه "التشريعيه" و "التنفيذيه" و "القضائيه و العدليه" و "الحزب الحاكم", دون فائده للبلاد و لا للعباد!
و لك تقديرى و إحترامى,,

[Rebel]

ردود على Rebel
European Union [محمد] 05-03-2016 02:25 AM
والله يا متمرد لأ أظنك فهمت شئ ، .. بس خالف تذكر ! .. اجري بحثك وناقش الدكتور بإسلوب علمي إذا كانت لك الدراية والالمام التام بالموضوع ( الاعفاءات والتسهيلات والدعم الفنية دي مجرد شرك ، وقبيل قالو الملح بضر ).. اتفاقية التجارية العالمية جرست الكبار خلي الصغار .. حكومة السودان ترغب في الانضمام ظناً ان الاتفاقية تمكنها من الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الامريكية .. بس هم اغبياء !



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة