الإقطاع الفكري
الإقطاع الفكري


05-16-2016 09:40 PM

بروين حبيب

تسمع بأرقام مذهلة بالدولار ينالها روائيون عرب في معارض كتب ولجان تحكيم ومهمّات أخرى لم نكن نسمع بها سابقا. نسمع بتكليف كاتب بمهمة كتابة رواية عن شخصية مهمة، ينال مقابلها مبلغا محترما يفوق الأرقام التي كنا نتخيلها قبل سنوات. نسمع عن سعر المقالة التي تجاوزت الألف دولار.. نسمع بجوائز تكسر السكون الذي عاشته الرواية والأدب العربيين عموما بضجيج غير مسبوق النظير.
ثم نرى كتابا ينشطون في عواصم عربية طيلة السنة، يسافرون على حساب جهات ثقافية، يشاركون في نشاطات ثقافية كثيرة، ويبدو وزنهم أثقل مما نعتقد، حين نعرف أن تأثيراتهم في مسار الأدب ذات قيمة كبيرة، من دون أن نقتنع تماما بأنهم يستحقون ذلك.
نرى أرقام طبعات كتبهم التي تفوق العشرة والعشرين في ظرف قياسي تملأ رفوف المكتبات، ولن تفهم هل نحن مقبلون على زمن ازدهار الكتاب وخروج الأدباء من دوائر الفقر والعوز؟ أم أن هذه الظاهرة تخص أسماء معينة هي نفسها من تنال الجوائز هنا وهناك، وتفتتح معارض ومهرجانات وتشارك في ندوات وملتقيات محتكرة الساحات كلها على اتساعها.
يسأل البعض: هل هي لعبة ناشرين؟
وصراحة لا أعرف الجواب. فإلى زمن قريب كان النّاشر تاجرا كسولا لا يعرف كيف يسوّق الكتاب، بل إنه ظلّ يخجل من الترويج له، باعتبار الكتاب ليس بضاعة مثل البطاطا والكوسا! إلى أن مات كتاب وشعراء من الجوع… وما كان هذا سببا للقيام بحملات إعلانية وترويجية لتقريب الكتاب من القارئ، فقد كان النّاشر (من دون تعميم) يفضل أن يموت الكاتب في حادث مأساوي ما ويروج بموته لكتابه بنفسه على أن يهبط درجة من برجه العالي وينادي «يا الله ع البطاطا ..أقصد على الكتاب». أما إن مات الكاتب جوعا فذلك عزّ الطلب… خبر الموت وحده يبيع الكثير من نسخ كتبه، ثم لا يهم إن انطفأ بعد ذلك.
في جامعات تحترم نفسها، تدرس الروايات كوثائق تعطي حقائق كثيرة عن المجتمعات التي ولدت منها، ويبدو أن فقر النص أيضا يرتبط بمدى فقر كاتبه. كل أنواع الفقر يكشفها النص:
نوع التعليم الذي ناله في مدارس بلده.
نوع الحياة التي عاشها بين عائلته، وجيرانه وأصدقائه.
نوع النّساء اللواتي احتك بهن، وأحبهن وعاشرهن.
كل التفاصيل تطفو على السطح وليذهب أصحاب نظريات «موت المؤلف» وعلى رأسهم رولان بارت إلى ملكوت الأحلام.
الأدب بصمة صاحبها، وتلك الحروف والكلمات وتقنيات الوصف والسرد وحبك الحكاية لا يمكن تجريدها من كاتبها ولا من مجتمعه، ولا من ظروفه، ولا من مزاجه ومشاعره، كل شيء يصبح حبيس اللغة ويتحوّل إلى أحجية يلهو النقاد وأشباه النقاد والقراء والإعلاميون بالبحث عن مفاتيحها. أمّا تفضيل الكتاب عن بعضهم بعضا فيعود حتما لحيلة أو صدفة أو ضربة حظ أو خط عمل رسمه الكاتب لنفسه أو ناشره له. صحيح حين يحلّق النص خارج أسوار المخطوط ويتحوّل إلى كتاب يخرج عن سيطرة الكاتب نفسه، وقد يصبح نعمة عليه أو نقمة، وقد لا يكون شيئا ذا شأن، لكن هذا لا يعني أن تأويلاته صحيحة، فالنص حين نقرأه يلزمنا مجهر قلب ومخيلة، نخترق بهما رموز اللغة.
طبعا يجب ألا ننسى أن النصوص التي لم تأخذ حقها كثيرة، وهذا يحدث حتى بين القارئ ونفسه، حين يضع كاتبا سقفا لنفسه ثم فجأة ينهار ذلك السقف حين يكتشف كاتبا آخر يتفوق عليه، أو حين يكتشف أن كاتبه المفضل كذب عليه وارتدى قناعا جميلا ليستحوذ على مشاعره، حين يكتشف أنه مجرّد أداة لتمجيد مؤلف، وأن المؤلف مجرّد أداة لصنع بضاعة تملأ الأدمغة الفارغة، أو حين تتضح له الصورة أن الناشر خدعه أيضا وباعه شيئا يناسب خواءه، أو حين يقف عند حقيقة أخرى مرعبة وهي، أن الكتابة صناعة ممكنة، وأنّها تحتاج لعدة معينة لتحويل أي اسم إلى نجم يتصدر قوائم المبيعات، خاصة في سوقنا الخام، أمام قارئنا الخام أيضا، الذي لم يدخل عوالم الأدب باكرا، ولم يتعاطَ مع النص كمنتج إبداعي بل كنوع من التسالي، أي نوع من الحيل اليوم تقف خلف هذه المعادلة التي يجتمع فيها طرفان متناقضان تماما ولا منطق في اجتماعهما؟
أيضا لا إجابات، لأن وضع الكاتب في العالم كله نفسه تقريبا، فاليوم لم يعد بمقدور الكاتب أن يعيش من مداخيل كتبه حتى في عقر المجتمعات التي تقرأ، وأغلب الكتاب يعملون في وظائف بعيدة تماما عن الكتابة ليوفروا قوتهم، حتى الإحصاءات تقول إن عشرة في المئة فقط من الكتاب يتقاضون مبالغ جيدة شهريا من ناشريهم، في بلدان مثل فرنسا وبريطانيا، أما البقية فقد لا يرون عشر هذا المبلغ في الشهر، ما يلزمهم بالعمل في مهن مختلفة وممارسة الكتابة في وقت الفراغ.
في إحصائيات أخرى تبين أن وضع الكتاب الرجال أفضل بكثير من وضع الكاتبات، وأن مردود كل منهما مختلف حتى في حالات النجاح، لكن الأسوأ في قوائم الأرقام التي عنيت بوضع الكتاب في العالم، فقد تبين أن عدد الكتاب في تزايد مستمر ومستوى فقرهم أيضا.
ويتفق أغلب القراء على أن مشكلتهم الأولى التي تصادفهم عند القراءة هي الوقت، وفي تحقيق طريف ضحكت وأنا أقرأ تفاصيله ورد أن القارئ الغربي تأخر بزمن مقداره تسع دقائق وهو يقرأ… يا للهول إن كانت التسع دقائق مهمة لقارئ في أوروبا أو أمريكا فإن قراءنا يلزمهم تسعة أشهر لاقتناء كتاب وقراءته إن أمكن في باقي أشهر السنة، وهذه ليست مزحة، إن تذكرتم أن أكثر جملة تسمعونها حين تسألون شخصا ماذا يقرأ حاليا؟ هي: «من زمان ما قريت».
ما الحل إذن؟
نحن أمام معضلة كبرى… فإما تقوم دار نشر كاملة على اسم أو اثنين، وصورة الأدب العربي على عدد لا يتجاوز العشرة أسماء، وتحصر سمعتنا كلها في محتوى عناوين تعد على أصابع اليد الواحدة، وإما نُقاس على بكائيات تلامس كتابا يعيشون في الظل مع نصوصهم حتى إن كانت دُررا، وما يزيدهم تعاسة وضربة في الصميم قرصنة كتبهم ونشرها بالمجان عبر مواقع لا تلاحق، يعتبرها القارئ حقا له، ويعتبرها الكاتب سلخا حقيقيا له. وإن كان الحل واضحا ويجب أن يقوم به اتحاد الناشرين العرب، حسب مفهومي البسيط لواقع الكتاب في السوق العربية، فإن الصورة الراسخة حاليا التي ستبقى لمزيد من السنوات هي صورة هذا «الإقطاع الفكري»، الذي أنجب كتّابا يشبهون جبابرة الموت، كلما أطلوا على الساحة غطوا تلك الأقلام الفقيرة التي تنزف في عتمة فرضت عليهم، وظروف تكسرهم كل يوم… وهذا حال يشبه كل شيء نعيشه اليوم على جميع الصعد.

شاعرة وإعلامية من البحرين
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5749


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة