الأخبار
أخبار إقليمية
هل ستنتهى محاولات اسلمة الدولة السودانية ؟
هل ستنتهى محاولات اسلمة الدولة السودانية ؟
هل ستنتهى محاولات اسلمة الدولة السودانية ؟


05-24-2016 11:34 AM
عثمان نواى

قال الشفيع خضر احد ابرز قيادات الحزب الشيوعى فى لقاء تلفزيونى قبل ايام , عبارة هامة للغاية حيث قال “ اننا نعيش زمن المراجعات” اي مراجعات الافكار والمواقف, وذلك فى اطار سؤال عن وضع الحزب الشيوعى وايضا ما الت اليه الحركة الاسلامية فى السودان بعد الترابى. والحقيقة ان هذه المراجعات لا يجب ان تشمل اليسار واليمين والسودانى على طرفى الساحة السياسية السودانية , بل ان احزاب الوسط والاحزاب التقليدية والقوى التى لا تتبنى ايديوجيا محددة مثل الحركة الاسلامية والحزب الشيوعى, على تلك القوى ايضا ان تقوم بشكل من المراجعات . ان اعادة النظر فى المسيرة التاريخية والمواقف المتخذة والتى اثرت على مالات الاحداث فى السودان هو احد اهم مفاتيح حل الازمة السودانية . فبدون اعتراف وتحمل مسؤولية تام عن الاخطاء فلن يكون بالامكان التقدم نحو المستقبل بخطى تضمن ان لا تتتكرر تلك الاخطاء, بل سيكون بالتاكيد مستقبل كارثى. فالقوى السياسية الكبرى التى تقبع الان فى المعارضة او حتى الحركة الاسلامية المسيطرة على الحكم الان هى فى معظمها قوى قديمة بدات مع بداية الدولة الحديثة قبيل الاستقلال. ولا توجد للاسف احزاب شابة سوى الحركات المسلحة والتى تعتبر رد فعل على سياسات اكثر من كونها فكر او منهج سياسى معين.

وفى اطار التطور السياسى للسودان وما يعرف بالدائرة الشريرة للانقلابات فالديمقراطيات فالانقلابات , مرت على السودان فترات كان من الممكن ان يتم فيها نقلات حقيقية للبلاد للخروج من الازمة . كما ان فرصا كثيرة ضاعت اخرها المرحلة الانتقالية ابان اتفاق السلام الشامل , كان من الممكن ان تتم فيها ايجاد ارضية جديدة لبناء الدولة السودانية. لكن كما يلاحظ الكثير من المحللين والمؤرخين للسودان الحديث, فان اهم الاسئلة التى تواجه السودان هو سؤال العلاقة بين الدين والدولة. وفى السودان هذا السؤال ليس قاصرا على مجرد السؤال عن العلمانية او الدولة الدينية , بل هو سؤال مرتبط بدرجة اكبر بتركيبة القوى السياسية السودانية , والتى نبع اهم حزبين لها من منابت دينية وهما حزب الامة والحزب الاتحادى. فالحزبين هما بالنهاية يجدان دعمهما السياسى ليس فقط من مناصرين عاديين من المواطنين, بل من اتباع طوائف دينية. وهنا نجد ان هذا الاتباع المبنى على التدين والطائفة له جانب ينزع قدر كبير من حرية الفرد فى التعبير والمشاركة , نسبة للطابع القدسى للعلاقة بين القائد الطائفى , والذى فى نفس الوقت هو القائد السياسى وبين المواطن , والذي من المفترض به من خلال صفته المواطنية ان يكون حرا فى اتخاذ خياراته فى المجال السياسيى , وهذا ما لا يمكن ان يحدث الا بقدر ضئيل فى ظل الانتماء السياسى الطائفى.

وكان اللجوء للطائفية قد وجد تبريرات من الرعيل الاول من القادة السياسيين والاباء المؤسسين للسودان , حيث كانت الحجة انهم لن يتمكنوا من جذب المواطنين العاديين للانخرط فى السياسة وايجاد دعم لتطلعات الاستقلال الا من خلال الانضواء تحت العباءات الطائفية والتى تسيطر على توجهات الوجدان السودانى حينها والى الان, اضافة الى الانتماءات القبلبة. ومن خلال الهروب من معركة التنوير والتطوير للشعب السودانى تحولت الطوائف والتجمعات القبلية والاثنية الى احزاب سياسية. وفى ظل هذه الوضعية اصبح الدين عبر القادة الدينيين للطوائف والطرق الصوفية هو المعبىء الاساسي للجماهير وليس الانتماء الوطنى او اى شكل من الفكر السياسى الواعى. ولذلك فان الدين اصبح قرين العمل السياسى منذ بدايته و ليس كمكون ثقافى للبلاد, بل كمحرك سياسى تعبوى. وفى ظل هذه العلاقة التشابكية والتى حولت الاسلام تحديدا الى مسرح الجدل السياسى تحت جميع قبب البرلمانات فى السودان منذ الاستقلال, اصبح سؤال ما اذا يجب ان تكون الدولة السودانية اسلامية ام لا هو السؤال الاساسى الذى يفرق ويجمع السودانيين.

لم تكن الخلافات بين السياسيين السودانيين فى الواقع على وجود الاسلام كمكون للوجدان السودانى وكمحرك سياسيى , بل كان الخلاف على مقدار ذلك الوجود. فحتى اليسار لا يطالب بالغاء الدين كمصدر من مصادر التشريع او كمرجع للقانون فى الدولة السودانية, ولكن الجدل كان حول ما اذا كان السودان سيتبع دستور اسلامى ام لا. وقد كان من الامور التى عطلت تطور الدولة السودانية هو عدم حسم هذا النقاش و ليس فقط بين اليسار واليمين او الاحزاب التقليدية والحديثة , او التقدمية والطائفية اى كان المسمى, لم يكن الخلاف بين الجهات التى تعد متضادة, بل على العكس فقد كان هناك خلاف حتى بين القوى اليمينية والدينية نفسها, خاصة بعد بروز الحركة الاسلامية بقيادة الترابى بعد انتفاضة اكتوبر. وعلى مستوى ممارسات الدولة التنفيذية , فان الاسلمة لم تكن قط سياسة جديدة اتخذها النظام الحالى , بل ان النظام الحالى فقط اتخذ مسارا اكثر عنفا وراديكالية فى التنفيذ, لانه اتى بمخطط ومشروع واضح للاسلمة , على عكس القوى السياسية اليمينية والدينية الاخرى التى لم تكن كما يبدو واضحة تماما بما تريد فعله على مستوى الدولة. ليس فقط فى سياسياتها لاسلمة الدولة بل لم تكن تدرى ماذا تريد ان تفعل بهذا السودان كوطن من الاساس, لانها استلمت قيادته فى فترات متتالية, ولم تتمكن ابدا تلك القوى الطائفية بالتحديد, من وضع اى اسس او علامات واضحة لنهج قيام دول ذات طابع او توجه معين, لا سياسيا, ولا اقتصاديا ولا ثقافيا. بل سادت حالة من الجدل والاهتزاز والتردد معظم فترات الديمقراطية فى السودان والتى قادتها الاحزاب الطائفية منذ اول حكومة وطنية وحتى اخر حكومة ديمقراطية قبل الانفاذ.

واتى نظام النميرى والذي اصبح نظاما مسخا فى سنواته الاخيرة حاول فيه الديكتاتور تحويل السودان ايضا الى دولة اسلامية بشكل عنيف واجبارى , عبر تبنيه لافكار الترابى . ولكن رغم ان الانتفاضة على نظام مايو كان من اهم قضاياها انهاء قوانين الشريعة , الاان البرلمان والحكومات التى اتت بعد الانتفاضة لم تتمكن من اسقاط او الغاء قوانين سبتمبر بشكل نهائى, حتى وقعت الكارثة فى 30 يونيو 1989. وبدات مرحلة الاسلمة القسرية والجهاد ضد مواطنى الدولة بقيادة جيش الدولة. ولهذا فان محاولات اسلمة الدولة السودانية هى القضية الاساسية التى شغت ولا زالت تشغل الفضاء السياسى السودانى عن العمل الحقيقيى لتاسيس الدولة السودانية. وفى ظل تجربة الاسلمة التى فشلت طوال النصف قرن الماضى والتى اخذت اقصى درجاتها خلال الثلاثين عاما الماضية, فان على اصحاب دعوات الاسلمة التوقف والصمت والمراجعة بشكل جدى لمواقفهم التى اخرت السودان واهلكت اهله , وان يحتذوا حذو الغنوشى وحركة النهضة فى تونس ويعلنوا فشلهم فى ربط الدعوة والدين وبالدولة وان يحترموا الفصل بين الممارسة السياسية التى هدفها خدمة المواطنين وتطوير الدولة وبين هوية البلدان الثقافية وممارسات شعوبه الدينية. وعلى القوى السياسية التعلم من التجارب ونقد الذات والخروج بالسودان من هذه الدوامة التى اغرقت البلاد والعباد قبل فوات الاوان.


[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3957

التعليقات
#1466526 [كندمر]
5.00/5 (6 صوت)

05-25-2016 10:37 PM
تحية..لتستقيم السياسة فى السودان يجب أن لا تنشأ الاحزاب على أساس دينى أو طائفى أو عنصرى..ويحييد العسكر .وتبنى التمثيل النسبى فى الحل الديمقراطى.وهذا سيتحقق باذن الله إذا تبنته الانتفاضة القادمة التى ستنتصر باسترداد الشعب لنقاباته من الموالين لنظام الظلم والظلامالحالى ..فالنعمل لتحقيق ذلك ..كل من يسعى للحياة الكريمة والغد المشرق..ليطل الصبح من جديد..نحن رفاق الشهداء..الصابرون نحن..المبشرون نحن..

[كندمر]

#1465896 [Rebel]
5.00/5 (7 صوت)

05-24-2016 07:31 PM
* الثورات الثقافيه و العلميه والصناعيه و التقنيه, منذ القرن العشرين و حتى تاريخه, ظلت تقدم نماذجا رائعه و راقيه و مفيده للإنسانيه جمعاء, ليس أقلها وسائل النقل الحديثه (من طائرات و بواخر و "عربات فاخره"), و فى فن المعمار و العماره, و فى العلوم و المعرفه, و فى التقنيه, و فى التنميه و الرفاهيه, فى الصحه و العلاج صحة البيئه, و فى "الخدمات الحيويه و الإجتماعيه عامه", و فى "فن التغذيه"..
* لكن التجارب الإنسانيه و العلميه هذه, قدمت لنا أيضا, نماذجا "تطبيقيه" و ناجحه و حيه, كوسائل للوصول لتنمية الإنسان و رفاهيته و تدبير امور حياته, و تثبيت حقوقه, و تنظيم علاقاته مع "الآخر" فى المجتمع و فى الوطن بأكمله, ليس أقلها فى "السياسه" و فى "نظم الحكم الراشد", المتمثله فى الحريه و الشفافيه و العدل و العداله و المساواه و حكم القانون!
* السؤال: لماذا إختار القادة "الوطنيين الأفاضل", من طائفيين و تجار دين و مشعوذين, لماذا إختاروا "المنتجات الإنسانيه الحسيه و الماديه" فقط, من عمارات و طائرات و عربات و "مطايب الحياة كافه", و حسناوات..إلخ..بل و حصروا هذه "الماديات" فى انفسهم فقط, دون غيرهم من "المواطنين"..ثم تركوا "الجوهر" الذى قدمته لهم الإنسانيه مجانا, كما و نص عليه دينهم الحنيف نفسه, فيما يتصل بالحريه و العدل و المساواه و الحكم الراشد عامة و حكم القانون!!
* لقد ظل هؤلاء "القاده" يخدعون المجتمع السودانى و يضلوه منذ الإستقلال, ف"خانوا المواطن و الوطن" على السواء, بمثلما خانوا "الدين", و بمثلما خسروا انفسهم و دنياهم و آخرتهم!!
* أنظروا أيها الغافلون..يا البشير و يا الصادق و يا الميرغنى و يا على عثمان و يا نافع, و جميع الفاسدين و المجرمين و المنافقين, بإسم دين الله, ماذا أخذ "الترابى" الذى غادر عصبتكم , من حطام الدنيا و متع الحياة التى فيها ترفلون و تظلمون! ماذا أخذ الهالك معهإ, إلى قبره, ستعدادا لمواجهة الحق عز و جل, غير الموبقات و الذنوب و الدماء و "دعوات" الملايين من اهالى المظاليم و القتلى و المشردين و المغتصبين!!..
لكنكم قوم لا تتفكرون و لا تتدبرون و لا تفقهون..بئس مآلكم, ثم عليكم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين إلى يوم الدين,,

[Rebel]

#1465865 [Bico]
5.00/5 (1 صوت)

05-24-2016 05:30 PM
مقال رائع الاخ عثمان نواى.
للوصول للنتيجة المرجوة الا وهى عدم ربط الدين بالدولة حتى يتم احترام قدسيته لدى اتباعه, يجب علينا ان نبدأ من دواخلنا وننتقد بشجاعة كل اخطائنا التى ارتكبت باسم الدين.
المواطن محتاج لى تعليم, موية نظيفة, علاج,توفير احتياجاته المعيشية, تطور فى المجتمع ثقافيا كان ام علميا.
الغريب انو الحاجات دى بعملها ليهم الدول الغربية لما يكونو مواطنين او مقيمين او لاجئين, وبرضو يقولو عليهم كفار!!!!!!!!!!!
هسة الكافر منو؟

[Bico]

#1465851 [عبدالله محمد احمد]
5.00/5 (1 صوت)

05-24-2016 04:48 PM
اصبت الحقيقة يا نواي. تسلم و واصل في نفس المسار.

[عبدالله محمد احمد]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة