الأخبار
أخبار إقليمية
البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع
البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع
البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع


05-29-2016 03:00 AM
نبيل أديب عبدالله

"في أفضل حالاته، الإنسان هو أكثر الحيوانات نبلاً . ولكن حين يتخلى عن القانون والعدالة فإنه يصبح أكثرها إنحطاطاً" أرسطو
مراجعة فانونيّ الإثبات و الإجراءات الجنائية والجارية هذه الأيام تحتم إعادة نشر هذا المقال بعد تحديثه بشكل يخدم قضية إصلاح القانونين. رغم أن مسألة قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير صحيح، هي مسألة تقع بشكل أساسي في نطاق قانون الإثبات، إلا أن الأحكام التي تحدد صحتها تقع ضمن قانون الإجراءات الجنائية. من جهة أخرى فهي مسألة تقع حيث تتقاطع مصلحتين للمجتمع: الأولى يتولاها بشكل أساسي القانون، وهي توفير الأمن و ما يتطلبه ذلك من أجهزة قادرة على إكتشاف الجريمة وعقابها. والثانية يتولاها بشكل أساسي الدستور، وتتعلق بتوفير الأمان وما يتطلبه من توفير الحق فى الخصوصية، وفي الحرية الشخصية، وفي المحاكمة العادلة. في بعض الأحيان يدفع حماس الشرطة لضبط الجريمة لإنتهاك بعض الحقوق القانونية والدستورية للمواطنين، وقد تسفر تلك الإنتهاكات عن الحصول على بينة تثبت ضلوع شخص ما، في جريمة وقعت أو فى سبيلها للوقوع، فهل يمكن قبول تلك البينة، والاعتماد عليها في محاكمة ذلك الشخص ؟ .

معاقبة المجرمين لا تعنى التضحية بالحريات العامة
كانت الشريعة العامة الانجليزية فى أول الأمر لا ترى غضاضة فى ذلك، وعبر عن ذلك القاضي كرومتون في دعوى ليثام الشهيرة بقوله"لا يهم كيف تم الحصول على البينة، سنقبلها حتى ولوكانت مسروقة، متى ما كانت موثوق بها ومنتجة في الدعوى " وموثوقة هنا تعني أنه يمكن الركون إليها. فالإقرار الناتج عن التعذيب لا يمكن الركون إليه، ولكن إذا نجم عنه العثور على المسروقات فهذه بينة في حد ذاتها تثبت أن المسروقات وجدت في حوزة المتهم. ولكن المحكمة العليا الأمريكية في بحثها عن حماية الحريات العامة من تغول السلطات عليها، رأت عدم قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع، حتى تقفل الباب تماماً أمام الشرطة، حين يتغاضون عن حقوق المواطنين فى سبيل تحقيق نجاحاً فيما هو موكول اليهم من مهام. وقد لاقى هذا المبدأ أول الأمر إعتراضاَ عبر عنه دين ويجمور بقوله "هذا المبدأ يبدو غير مبال بأنه يؤدى لأن يجعل من تطبيق العدالة أقل فعالية. فهو يعتبر الشرطى المتحمس لأداء عمله أكثر خطورة على المجتمع من القاتل، أو السارق، الذى يدعه المبدأ يفلت من العقاب " جاء الرد على هذه الحجة فى حكم المحكمة العليا فى دعوى ويكس "بقدر ما تستحق محاولات المحاكم معاقبة المذنبين من مساعدة، إلا أن ذلك لا يجب أن يعنى التضحية بتلك المبادئ العظيمة التي تم إدخالها في القانون الأساسي للبلاد نتيجة لتضحيات جسام " Weeks v. United States, 232 U.S. 383 (1914),

لا يجوز للقضاء أن يؤيد مخالفة الدستور
أسست المحكمة العليا الأمريكية هذه النظرية في عام 1886 فى دعوى بويد ضد الولايات المتحدة الأمريكيةBoyd v. United States, 116 U.S. 616 (1886) ، وهي دعوى مدنية تم إرغام المدعى عليه فيها على أن يبرز مستندات خاصة تحتوي على مواد من شأنها أن تدينه جنائياً. رفضت المحكمة العليا قبول تلك المستندات لأن إرغام المدعى عليه على تقديم بينة ضد نفسه، من شأنه أن يخرق التعديل الخامس للدستور الأمريكي. ولكن هذه القاعدة أصبحت قاعدة لا تحيد عنها المحاكم في أمريكا عقب حكم المحكمة العليا في ويكس ضد الولايات المتحدة الأمريكية عام 1914م والتي تتلخص وقائعها في أن الشرطة دخلت منزل ويكس بدون امر تفتيش وقبضت على المراسلات الخاصة به، لاشتباهها بأنه كان يستخدم البريد لإرسال أوراق يانصيب مخالفاً القانون. قررت المحكمة العليا أن البينة المتحصل عليها نتيجة لتفتيش غير مشروع هي بينة غير مقبولة في الإجراءات الجنائية الفدرالية، وقد ذكر القاضي داي الذي كتب رأي الأغلبية "إذا صادقنا على تلك الإجراءات سنكون قد أيدنا بموجب حكم قضائي إهمال متعمد، إن لم يكن تحد سافر، لحكم دستوري قصد به حماية الشعب ضد هذه الإجراءات غير المشروعة "

الحط من قدر أجهزة العدالة
أدى الموقف الأمريكي إلى زحزحة القوانين الأنجلوسكسونية كلها من كندا وحتى استراليا من موقفها، وإن كانت لم تذهب في الطريق الأمريكي إلى نهاياته بل وقفت دون جعل إستبعاد البينة حكم تلقائي يترتب على الحصول عليها بطريق غير مشروع بشكل مطلق، بأن تطلبت عوامل إضافية لإعمال القاعدة. ففي كندا حيث رفض القضاء تبني قاعدة استبعاد البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع على إطلاقها، فرأى في سابقة Wray الشهيرة أن إستبعاد البينة يتطلب أن تكون تلك البينة تم التحصل عليها بخرق لحقوق المتهم، بلغ درجة من الخطورة لا تتناسب مع أهمية المسألة المعروضة على المحكمة. تدخل التشريع بصدور ميثاق الحقوق والحريات لعام 1982م والذي حملت المادة 24(2) منه الحكم التالي (إذا تبين للمحكمة أن البينة قد تم التحصل عليها بطريقة انتهكت او اغفلت أحد الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا القانون على المحكمة ان تستبعد تلك البينة إذا ظهر، بعد الأخذ في الاعتبار بكل الظروف، أن قبولها من شأنه أن يحط من قدر أجهزة العدالة) وهنا تم إدخال إعتبار جديد وهام فلا يكفي بموجبه رفض البينة لمجرد إنتهاكها لأحد الحقوق والحريات ولكن يتوجب لذلك أن يكون قبولها من شأنه أن يحط من قدر أجهزة العدالة. أهمية هذا المعيار هو أنه يرد بشكل مباشر على موثوقية البينة وعلى وضع المبدأ في مواجهة مع حماس الشرطة لتنفيذ القانون. فإحترام أجهزة تنفيذ القانون بواسطة أفراد المجتمع يشكل مسألة أساسية بالنسبة للنظام العدلي يستوجب معه أن تكون وسائل الكشف عن الجريمة بعيدة عن ما يسبب إستهجان المجتمع، فالتعذيب مثلاً فعل مستهجن وغير مقبول والعدالة بكافة أجهزتها لا يجوز لها التورط فيه، وبالتالي فما ينتج عنه من أدلة لا يجوز قبوله بغض النظر عن موثوقيته لما يسببه من حط من قدر أجهزة العدالة

إستبعاد البينة والمحاكمة العادلة
أما فى إنجلترا فقد حدت الدعاوي الحديثة من غلواء الشريعة العامة حين تبنت مبدأ المعقولية، فرأت استبعاد البينة إذا رأت المحكمة الجنائية أن قبولها من شانه أن يؤثربشكل يفتقد الإنصاف على موقف المتهم. ولكن قانون الشرطة والإثبات لعام 1984م تبنى قاعدة الإستبعاد فقط في حالة تأثيرها سلباً على المحاكمة العادلة، فنص في المادة 78 منه على أنه " يجوز للمحكمة أن ترفض قبول أي بينة يعتمد عليها الاتهام، إذا تبين لها بعد الأخذ في الاعتبار بكل الظروف بما في ذلك الظروف التي تم الحصول فيها على البينة، أن قبول البينة من شأنه التأثير سلباً على عدالة الإجراءات، وذلك بدون مساس بأي قاعدة في القانون تقضي بعدم قبول البينة) وفي استراليا استقر القضاء على ضرورة الموازنة بين ما تقتضيه السياسات العامة المتعارضة في عقاب المجرمين من جهة، والحفاظ على الحريات العامة من جهة أخرى، وأن قاضى الموضوع يملك وفقا لما تسفر عنه الموازنة سلطة استبعاد البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع .

البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع في القانون اللاتيني

والوضع في القانون اللاتيني يأتي بنتائج مشابهة وإن كان يقوم نظرياً على مسألة مختلفة وهي نظرية البطلان، فالفقه اللاتيني يرى انه إذا كانت المخالفة للقانون تبطل الإجراء فإن ذلك يمنع المحكمة من قبول البينة المتحصل عليها نتيجة لإجراء باطل لأنه لا ينجم عن البطلان إلا البطلان.
وعيب هذه النظرية أنها نظرية شكلية، وتظل شكلية في تطبيقاتها. لذلك فقد قضت محكمة النقض المصرية في 4602 لسنة 53 يجب إبداء الدفع ببطلان إذن التفتيش فى عبارة صريحة تشتمل على بيان المراد منه. و من ثم فإن مجرد قول المدافع عن الطاعن فى مرافعته أن الدعوى خالية من التحريات لا يفيد الدفع ببطلان الإذن .

الوضع فى القانون السودانى
لم يتعرض قانون الإجراءات الجنائية لعام 1925م ومن بعده قانون 1974 م لمسألة حكم البينة المتحصل عليها عن طريق مشروع، لأن هذه المسألة من حيث الموضوع تخرج من نطاق الإجراءات إلى الإثبات، ولكن حمل قانون 25 نصاً تبناه قانون 74 في المادة 261 مؤداه عدم جواز إلغاء أي قرار في الاستئناف بسبب خطأ في قبول البينة، أو وجود عيب في الإجراءات، مادام المتهم لم يضار في دفاعه، وكان القرار أو الحكم سليماً في جوهره. والمادة كما هو واضح لا تعنى سوى بالحق في المحاكمة العادلة، فتستبعد البينة التي تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح، إذا إذا أدت إلى الإضرار بدفاع المتهم، ولكنها لا تحفل بما إذا كانت البينة تم الحصول عليها بإنتهاك حقي الخصوصية، أو الحرية والأمان. و المادة فى جوهرها تمنع التمسك بالعيوب الشكلية، وهى بذلك تقف على وجه نقيض مع نظرية البطلان اللاتينية. فى غمرة الصراع بين الفقهين اللاتينى والأنجلوسكسونى على أثر تزايد خريجى الجامعات المصرية بين ممارسى مهنة القانون، وما كانوا يثيرونه عن تخلف الشريعة العامة الإنجليزية فى هذه النقطة عن القوانين الأخرى، إستندت المحاكم على هذه المادة لإستبعاد البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع، دون اللجوء لنظرية البطلان اللاتينية .

ففي دعوى حكومة السودان ضد نصر عبد الرحمن وآخر والتي كانت الإجراءات قد بدأت فيها ببلاغ تحت قانون معاقبة الفساد، وهو قانون قررت المحكمة العليا بطلانه اثناء السير في الإجراءات، رأت محكمة الموضوع وأيدتها في ذلك محكمة الإستئناف أن إجراءات التحري بموجب قانون تم إلغاءه تعتبر باطلة. عندما عرض الأمر على المحكمة العليا ذكر القاضي شقاق وهو يكتب رأي المحكمة العليا ما يلي :-

نبادر فنقرر أن النائب العام أصاب في قوله أن القانون السوداني لا يعرف ما يسمى بمبدأ البطلان، وأنه مبدأ مستمد من النظام اللاتيني معمول به في القانون المصري. والقواعد العامة التي تسترشد بها محاكمنا في هذا الشأن هي تلك التي أشار إليها النائب العام ومؤداها أن عدم اتباع إجراءات معينة لا يؤدي إلى البطلان، إلا إذا ثبت أن تلك المخالفة قد أدت إلى إجهاض العدالة. وقد تعرض النائب العام إلى ما أورده الشراح الهنود في هذا الشأن قائلا (وقد ذهب العلامة Sarkar للحد الذي قال فيه أنه حتى الأخطاء التي تلازم الإجراءات القضائية أو الأحكام لا تبطل تلك الإجراءات أو الأحكام، إلا إذا كان من شأن تلك الإجراءات أو الأحكام عرقلة أو إعاقة سير العدالة، هذا بالرغم من خطورة ما يترتب على الإجراءات القضائية. فإذا كان هذا هو الحال في الإجراءات القضائية، فكيف يكون الرأي في حالة الإجراءات التي لا يترتب عليها أثر، ولا تلحق ضررا بأي شخص كان).

أما القاضى عبد الرؤوف حسب الله ملاسي خريج الجامعات المصرية فيأخذ فى دعوى ابراهيم عيسى وآخر أخذ بما أدخله التشريع الكندي حول الحط من قدر أجهزة العدالة وبمذهب المحمكة العليا الأمريكية في إستبعاد البينة المتحصل عليها بمخالفة التدابير السليمة للقانون due process of the lawبعد أن وضعها على أرضية مفروشة بنظرية البطلان اللاتينية فقال(أولاً : من أبسط القواعد القانونية، أو من أبسط القواعد الأصولية المستقرة فقهاً وقانوناً، هي أن من يطلب من الناس أو الأفراد الالتزام بالقانون وحدوده وضوابطه، لحماية المجتمع وقيمه ومثله، لا بد أن يكون في المقام الأول ملتزماً بحدود القانون أو ضوابطه. إذ من غير المعقول أن نخالف القانون أو نخرقه بحجة أننا نريد أن نحمي المجتمع من الخارجين على قوانينه. فسيادة القانون لا تتجزأ، فإما ن يؤخذ بها ككل، أوى أن ترفض ككل. أما الإمساك بالعصا من النصف، فمعناه الخروج على القانون. ثانياً : إن أمر التفتيش عندما نص عليه المشرع في قانون الإجراءات الجنائية م73، م74، نص عليه بضوابط وقيود واضحة، بل محددة، لا مجال للاجتهاد بشأنها. وعندما حدد المشرع هذه الضوابط قصد أن تطبق، وألا يفتح أي مجال للتحايل عليها بأي صورة، لخطورة أمر التفتيش، ومساسه الواضح بحريات الأفراد. ومن ثم فالمخالفة لأي قيد نص عليه المشرع يجعل أمر التفتيش باطلاً ومخالفاُ للقانون. ولا يجب أن نقبل أي بينة أو دليل متحصل منه حتى لو أدى إلى اكتشاف جريمة، لأن ما بني على باطل فهو باطل.)
قانون الإثبات لعام 1983م

عندما صدر قانون الإثبات لعام 1983م اختارت المادة (11) منه موقفاً متشدداً واقتصر حكمها على القانون الإنجليزي القديم، والذي عدل عنه الإنجليز مؤخراً، وقبلت البينة المأخوذة بطريق غير مشروع. ولكن ذلك لم يغير موقف القضاء الذى كان قد استقر في وجدانه عدم جواز قبول البينة التي تم الحصول عليها بخطأ جوهري ومن شأنها أن تضر بدفاع المتهم. ولما كانت المادة جوازية، بمعنى أنها لا تفرض على المحكمة قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع، وإنما تجيز لها ذلك، فقد ظل القضاء يطبق نفس المعايير التي كان يطبقها، وظل موقفه بغير تغييرحتى بعد تبنى الشريعة كمصدر للقانون، إستشعاراً منه بأن القانون ما زال يستقى أغلب أحكامه من القانون الهندى. ففى حكومة السودان ضد عمر محمد إدريس م أ/أ س م /93/1989 فرقت المحكمة بين التفتيش الشخصي وتفتيش المنازل، والأماكن، فرأت أن تفتيش الأماكن أحاطه القانون بسياج من الضمانات حمايةً لحقوق دستورية، مستندة على المادة (30) من الدستور الانتقالي لعام 85. ردا على نقاش محامي الدفاع بأن التفتيش بدون أمر هو تفتيش باطل وما يستند على الباطل فهو باطل، رأت المحكمة أن القانون السوداني لا يأخذ بنظرية البطلان. و فرقت بين الأخطاء الجوهرية والأخطاء الشكلية، ورأت أن الخطأ الشكلي لا يمنع المحكمة من قبول البينة المتحصل عليها عن طريقه. وقررت أنه في حين أن عدم وجود الأمر بالنسبة لتفتيش الأماكن هو خطأ جوهري فهو ليس كذلك بالنسبة لتفتيش الأشخاص، وبالتالي فإنه يمكن تجاوز عدم وجود الأمر، إذا كان المتهم لم يضار في دفاعه. وبالتالي فقد أيدت المحكمة الإدانة، لأن المتهم في هذه الحالة لم يضار في دفاعه.

قانون الإثبات عام 1994
عندما أعيد إصدار قانون الإثبات فى عام 1994 تغير الموقف تشريعياً للأحسن فجاء نص المادة العاشرة من قانون الإثبات كالتالي:- ( 1- مع مراعاة أحكام الإقرار ، والبينة المردودة لا ترد البينة لمجرد أنه تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح متى أطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة .2- يجوز للمحكمة متى مارأت ذلك مناسباً لتحقيق العدالة ، ألا ترتب إدانة بموجب البينة المشار إليها في البند (1) ما لم تعضدها بينة أخرى .)

وهو قد حسن كثيراً من الحكم الوارد في قانون 83 فالنص الجديد قد وضع جملة بإجراء غير صحيح، بدلاً من بطريق غير مشروع، مما يفتح الباب للقول بإستبعاد البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع، في الوقت الذي يدعم ما سار عليه القضاء من أنه لا يجوز قبول البينة إذا شاب الحصول عليها خطأ جوهري. وإضافة جملة "مع مراعاة أحكام الإقرار والبينة المردودة" تفتح المجال لرفض قبول الإقرار المتحصل عليه عن طريق الإغراء أو الإكراه، لان المادة 20 (م) من نفس القانون تعتبر الإقرار المتحصل عليه عن ذلك الطريق إقرارا غير صحيح في المسائل الجنائية.

البينة التي تم الحصول عليها بإنتهاك الشريعة الإسلامية أو النظام العام
كذلك فإن قواعد البينة المردودة تشمل البينة التي تم الحصول عليها بإنتهاك الشريعة الإسلامية أو القانون أو العدالة أو النظام العام، فبالنسبة للشريعة فإنتهاك الحق في الخصوصية ينتهك مبادئ الشريعة. وقد روي عن عمر بن الخطاب إنه كان يعس ليلة فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب و تسور فرأى رجلا عند امرأة وزق خمر فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين ! إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث: قال الله تعالى: ولا تجسسوا (1) وقد تجسست، وقال: وأتوا البيوت من أبوابها (2) وقد تسورت، وقال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا (3) وما سلمت . فقال: هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال: نعم، والله لا أعود . فقال: إذهب فقد عفوت عنك . والبينة التي تم الحصول عليها بإنتهاك النظام العام تشمل انتهاك الحق في الخصوصية وسائر الحريات الدستورية لأن هذه الحريات لابد أن تكون من النظام العام من واقع أحكام المادة 27 من الدستور والتي تمنع المشرع من الانتقاص منها. ولكن مع إقرارنا بأن قانون 94 فيه تقدم واضح على قانون 83 ألا أنه أيضا لم يشمل كل المبادئ التي توفر المحاكمة العادلة، فأجاز للمحكمة متى مارأت ذلك مناسباً لتحقيق العدالة ، ألا ترتب إدانة بموجب البينة التي تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح وكان الأولى أن يلزمها بذلك. أضف لذلك أن قانون الإجراءات الجنائية نفسه لم يحمي المتهمين ضد إجبارهم على تقديم بينة ضد أنفسهم، ومنح المحكمة سلطة إستجواب المتهم دون أن يحدد المقصود من تلك السلطة، متجاهلا بذلك حكم المادة 148 من قانون الإجراءات الجنائية لعام 74 والذي ذكر عن إستجواب المتهم " لتمكين المتهم من إيضاح أي ظروف تظهر من البينة ضده" وبذلك فقد حدد الغرض من الاستجواب وهو مساعدة المتهم في دحض التهمة، وهو الأمر الذي يفتقده القانون الحالي، مما يجيز للقضاة توجيه أسئلة تجريمية للمتهمين وأخذ إجاباتهم في البينة ضدهم خاصة وأن المادة 96 من القانون الجنائي تمنع المتهم من رفض الرد على سؤال القاضي أو الامتناع عن تقديم مستند طلب منه تقديمه. بالإضافة لجواز توجيه اليمين للمتهم في غير الحدود.

الحكم فى دستور 2005
إجبار الشخص على تقديم بينة ضد نفسه يخالف الدستور وذلك لان المادة الرابعة عشر من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في فقرتها (ز) تمنح لكل متهم الحصانة من أن يكره على تقديم شهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بالذنب وعليه فإنه يجب على القضاة الأمتناع عن توجيه الأسئلة التجريمية للمتهمين.

وقد نصت المادة 156 (ج) من الدستور على أنه (لا يجوز انتهاك خصوصية الأشخاص ولا تقبل أمام المحاكم البينة المتحصل عليها بإنتهاك هذه الخصوصية ) وهذا النص لا يجب تفسيره بإعتباره يقتصر في حكمه على ولاية الخرطوم، بل يجب إعتباره تذكيراً لمحاكم الخرطوم بأنه يتوجب عليها رفض البينة المتحصل عليها بإنتهاك الخصوصية لأن الحق في الخصوصية غير مقرر دستورياً في العاصمة القومية فقط، بل هو حق مقرر للسودانيين جميعاً بموجب المادة 37 من الدستور.

وهذا الحكم يذكرنا بحكم المحكمة العليا الأمريكية في ماب ضد أوهايو حين كان الرأى السائد آنذاك هو عدم إنطباق التعديلات الثمانية الأولى من الدستور على الولايات لأن نص تلك التعديلات كان يوجه الخطاب للكونجرس ألإتحادي.
ذكرت المحكمة العليا (قررت هذه المحكمة منذ 75 عاما أن التعديلين الرابع والخامس للدستور يهدفان لمنع انتهاك الخصوصية للأفراد بواسطة الحكومة وموظفيها. وأساس المخالفة ليس الدخول إلى منزل الشخص والعبث بأدراجه ومقتنياته الخاصة، ولكنه انتهاك حقه فى الأمان والحرية الشخصية الذي لا يجوز العبث به. إن استخلاص بينة بالقوة من الشخص او من اوراقه الخاصة او مقتنياته لاستخدامها ضده لغرض ادانته هي جزء مما هدف التعديلان لمنعه. يجب ان تفسر الأحكام الدستورية المتعلقة بأمان الشخص وممتلكاته تفسيراً واسعاً لأنه من واجب المحكمة حماية المواطن ضد أي محاولة للتغول خفية على حقوقه فلنذكر ما كتبه ماديسون عن ذلك " ستعمل المحاكم المستقلة يطبيعتها على مقاومة أى تغول على الحقوق التي منحها الدستور للمواطنين" في دعوى ويكس ذكرت هذه المحكمة "إذا كانت الخطابات والمستندات الخاصة بالشخص يمكن الاستيلاء عليها واستخدامها ضده في البينة فان نص التعديل الرابع يصبح بدون جدوى ويكون من الأجدى إزالة نصه من الدستور. أن الحق في الخصوصية هو حق أساسى بالنسبة للمجتمع الحر لا يجوزالسماح للولايات بالتغول عليه، مثله مثل الحق في حرية التعبير، والحق في حرية الصحافة، والحق في المحاكمة العادلة، والذى يشمل أن لا يدان شخص بسبب إعتراف تم الحصول عليه بالإكراه، حتى ولو كان يمكن الوثوق بصحته. وليس هنالك في نهاية الأمر فرق بين الإعتراف الذي يتم الحصول عليه بالإكراه والبينة التي تم الحصول عليها بإرغام المتهم على تقديمها ضد نفسه، ولا يوجد فرق في هذا بين القانون الفيدرالي أو الولائي فليس هنالك حرباً بين الدستور والمنطق، فكيف يمكن أن يقال أن المدعى العام الفيدرالي لا يستطيع أن يستخدم بينة متحصل عليها بطريق غير مشروع لدى المحكمة الفدرالية، في حين يستطيع ذلك مدع عام ولائي يمارس عمله من المكتب المقابل في نفس الشارع ؟ ) Mapp v. Ohio, 367 U.S. 643 (1961),

مقترح ختامي
ولذلك فإنني أرى أنه لا بد من أن تعدل المادة العاشرة من قانون الإثبات لتحمل نصاً صريحاً يستبعد البينة إذا كانت: ا. تم الحصول عليها بطريق غير مشروع من شأنه أن يحط من قدر أجهزة العدالة. أو 2. تم الحصول عليها عليها بإجراء غير صحيح أدى لإنتهاك أيا من الحقوق الدستورية في الخصو صية، أو في الحرية والأمان أو في المحاكمة العادلة.

نبيل أديب عبدالله
المحامى



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4071


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة