الموت بطلا
الموت بطلا


06-06-2016 09:05 PM

بروين حبيب

لم نتعوّد أن نرى «الموت» شخصية درامية مجسدة في أعمالنا العربية، ومع هذا جعلها رافي وهبي شخصية رئيسة في أحداث مسلسله «سنعود بعد قليل»، ويبدو أن الدور الذي أتقنته الفنانة اللبنانية تقلا شمعون أصابنا بالصدمة، فنحن لم نتعوّد أن نرى الموت في شكل إنسان أو بالأحرى لا نجسده، ونكرهه رغم أنه قدر إلهي، على الرّغم من أننا أكثر الشعوب تعايشا مع الموت وتهافتا عليه، واستحضارا له أيضا في كل خطوة حياتية نقوم بها، بل إننا نعيش لنموت، ولو أمكننا أن نعبر الحياة بخطوة واحدة سريعة نحو العالم الآخر لفعلنا.
وغير ذلك فنحن أكثر الشعوب احتفاء بالموت، إذ من النّادر أن نكرّم شخصية مهمة من شخصياتنا الفذة إلا حين تموت. ربما لأن ذلك تأكيد لقناعتنا بأن الحياة الدنيا لا معنى لها، وتكريم الموتى في قبورهم طقس يحضرنا نفسيا لحياتنا الحقيقية التي تبدأ لحظة نتحرر من أجسادنا ونحلّق في سموات العلا … «مجرّد وجهة نظر».
في عالم الأدب أصبح وقع الموت حادا خلال السنوات الأخيرة، فكلما قرأت عملا وجدت الموت عمادا للنص. خاصة أدبنا العربي، الذي نحى منحى مأساويا في محتواه الروائي بحكم الأحداث التي جعلت حياة الفرد العربي تتقهقر منذ مطلع القرن الماضي.
«نفق الوجود» للروائية السورية مها حسن نص غرائبي لم أصادف مثله من قبل، حيث الموتى يحتلون كل فضاء الرواية، شيء لم أقرأ له شبيها ولا مرة في نص أو عمل درامي أو سينمائي عربي سوى في رواية «عائشة» لبثينة العيسى وبشكل مغاير. لكنه أرعبني في فيلم «الآخرون» للمخرج التشيلي أليخاندرو أمينابار من بطولة نيكول كيدمان، ولا أزال استحضر وقع المفاجأة الصاعقة لي حين كشف المخرج في آخر الفيلم حقيقة أبطال قصة الفيلم على أنهم أرواح. وأن الحكاية كلها حكاية موتى.
أما فكرة الكاتب السوري خالد خليفة الأخيرة فأيضا تدور حول الموت، بدءا بالعنوان «الموت عمل شاق» إلى تفاصيل الرواية التي ترصد عملية نقل جثة لدفنها في مقبرة معينة حسب وصية الميت، وكل العقبات التي صادفتها تحت الظروف الحالية التي تعيشها سوريا. ومع أن نص خليفة ليس بقوة نصوصه السابقة، إلا أنه ابتكر فكرة جديدة، ولعلّها ظروف الحرب التي كشفت هشاشة الفرد العربي في مواقع المسؤولية، بحيث تمارس قمعها على الإنسان حيا أو ميتا، من جهة أبدع خليفة في جعل المأساة التي بنى عليها عمله الروائي كوميدية حد الموت، وكأنّه يقول «شر البلية ما يضحك»، وهنا أهمس لقارئي أن يقرأ الرواية ليفهم البعد الذي قصدته، حتى لا أفسد عليه متعة الاكتشاف، وقمة البؤس العربي في التعامل مع الموتى «مخابراتيا»!
فكرة الموت على ما أعتقد كانت تقليدية في النصوص الروائية، وكان ما يثير فيها طريقة وصف الموت في حدّ ذاته كظاهرة فاقت قدرات الإنسان لاستيعابها، وقد ترافقت مع الحب لحبك أقوى حكايات التاريخ على الإطلاق، مثل روميو وجولييت مثلا، التي خلّدت شكسبير واعتبرت من أعظم الأعمال الأدبية في العالم. وظلّت متلازمة الحب والموت من أقوى عناصر التشويق وإبهار القارئ. «آنّا كارنينا» لليو تولستوي نموذج آخر لذلك، ولا تزال الرواية تقرأ بكل لغات العالم، وكل عدة سنوات يعاد إنتاجها سينمائيا. أكثر من عشرين فيلما قدّم الرواية بين ما هو روسي وأمريكي وفرنسي وبريطاني وغيرها، كما قدمت على المسرح كثيرا وعلى شكل الأوبرا.
ولا أعتقد أنها ستموت، فعمر الرواية اليوم قرن وثمان وثلاثون سنة، ولا تزال في أوج نجوميتها، رغم أن عمر بطلتها كان قصيرا وانتهى انتحارا تحت عجلات قطار.
شيء نجد آثاره في حياة تولستوي نفسه، حين صدمه الموت بخطف ولدين من أبنائه، ورسم حدود حياته باتساع رقعة الموت حوله، حين توفي أقارب له، ما جعله يشعر بعدمية وجوده، فمات بشكل ما بطريقته باختياره العيش منعزلا عن الجميع حتى عن زوجته التي عاش معها إلى أن وافته المنية عام 1910.
نقطة النهاية لعواصف الحياة كلها، للأفراح والأتراح، للعشق والكراهية، للحروب والنضال بكل أنواعه، كل شيء ينتهي حين تغادر الروح الأجساد التي كانت مليئة بالمشاعر والأحلام والطموحات والأحقاد والعواطف الجارفة. تنطلق الروح إلى اللامكان وينطفئ الجسد ثم يأكله الدود… يا للنهاية المقيتة للحياة كيفما كان نوعها.
هي هذه الرؤية التي عكّرت صفو حياة تولستوي حين قال «لا الفلسفة ولا العلم» وهي نفسها التي أوصلته لاستقرار نفسي عميق عن أنّ الإيمان حاجة ضرورية للحياة.
مع كل متناقضات الكنيسة التي رفضها بشكل عقلاني وميّز فيها بين الصحيح والخاطئ بلغ في آخر حياته محطته الخاصة التي عرف فيها الله بنقاء لا تشبه شائبة. كانت طريقه صعبة ومتعبة؟ أي نعم، عاش تلك العواصف النفسية التي لم يتحملها قلبه الرومانسي الرقيق، لكن كما قال جبران خليل جبران: «لا أحد يبلغ الفجر بدون أن يعبر دروب الليل».
ولا أدري حقيقة في حالتنا نحن أين يمكن للفجر أن يتموقع؟ هل عشنا حياة قبل هذه نحن الهابطون من السماء؟ أم أن ما نعيشه قبل بلوغ الموت هو الكوابيس والأحلام التي تراودنا ونحن في قلب دروب العتمة؟
لقد أخذ الموت مساحات كبرى في أدبنا، جنائز لا نهاية لها قذفت بشخصيات روائية إلى قبور وهمية سكنت مخيلات الكُتّاب، لكنْ بين موت الشخصية وصانع الشخصية خيط رفيع يربطهما.
بعض الكتاب لا يكتفون بقتل شخصياتهم، بل يقتلون أنفسهم ليتحرروا من عبء السرد والإخبار المتواصل عن مآسي النّاس. وأثقال القضايا الكبرى التي يناضلون من أجلها. ربما هذا هو التفسير الذي يمكن تقديمه لكل من أنهى حياته وهو في أوج تألقه الأدبي. قد يقول البعض «من ليس بحجم قضيته فلا داعي للاستمرار فيها» إلى درجة الانتحار. وهذا إجحاف في نظري في حق المجتمعات كلها وليس في حق المبدعين فقط. ذلك أن الله زرع مواهب مختلفة في هؤلاء ليجعلوا الحياة أفضل. وكيفما كان فإن هذا موضوع آخر قد نتحدث فيه مطولا في فرصة أخرى. أمّا الآن فلنتأمل الجرح النازف عبر حروفنا، الموت اليوم ليس رمزا للاحتجاج على نمط حياة… الموت أصبح بطلا في العمل الروائي، أخذ الدور رقم واحد قبل الشخصيات، وحوّل السّارد إلى ناقل أخبار حزين يبني الأحداث كلها حول بؤرة جثة أو قبر.
وقبل هذه المرحلة هل يجب أن نتذكّر أن موت الكاتب عادة ما يعطي حياة ثانية لأعماله؟
بدءا بنظرية موت المؤلف باعتبار أن القارئ هو من يعيد تشكيل النص، إلى موته الحقيقي حين يرنُّ خبر موته في آذاننا كجرس متأخر لنهب لقراءته.
الموت …هل من إضافات وقد احتلّ دور البطولة في حياتنا؟

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

الاقدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 8546


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة