الأخبار
أخبار إقليمية
محمد علي كلاي و الإمبراطورية الأمريكية
محمد علي كلاي و الإمبراطورية الأمريكية
محمد علي كلاي و الإمبراطورية الأمريكية


06-08-2016 11:38 AM
بقلم: أتيم قرنق *

رحل بطلُ العالم للملاكمة محمد علي كلاي، عن هذه الدنيا الفانية، يوم الجمعة الماضية عن عمر ناهض أربعة و سبعين عاماً. لم يكُن محمد علي كلاي ظاهرةً رياضيةً متميزةً و حسب بل كان داعياً و مناضلاً جسوراً للحقوق المدنيّة لجماعات السود و الأقليات في الولايات المتحدة الامريكية. وُلد مُحّمد علي في زمانٍ و مكانٍ جديران به و إلا لما حقق ما حققه و أنجز ما أنجره و لما عُرف علي المستوي العالمي و لما صار مواطناً عالمياً.

الولاياتُ المتحدة الامريكية هي إمبراطوريةُ هذا الزمان ولا تنازعها اي دولة اخري علي زعامة العالم بُعيد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، و تمتنتْ قوتُها و جبروتُهابعد تفكيكِها و تبديدِها للإتحاد السوفيتي. و الإمبراطورية الامريكية مثلها مثل أية إمبراطورية آخري شهدها التأريخُ، تمتلك الكم الهائل من آليات و أدوات القهر و الكبت لمن يخرج عن هيمنتِها و طاعتِها، دولٌ أو جماعاتٌ او أفرادٌ فعقابها لا تتأخر. الولايات المتحدة عند ولادة محمد علي كلاي و حتي مماته، هي إمبراطورية التناقضات فهي تشجع كل من يمتلك قدرات مميزة في أي مجال من مجالات الحياة، و تسحق في صمت و هدء السود و تهمل الأقليات أو بمعني آخر فهي تعششُ فيها العنصرية و التفرقة و تتظاهر الإمبراطورية بعدمِ معرفتِها أو مساندتها لمثل تلك الممارسات طالما تتعارض مع مبادئ الدستور الأمريكي!

نعم، رغم كل هذه النواقص و التناقضات في الحياة الأمريكية إلا أنها أرضٌ خصبةٌ و مهيأة لأصحابِ القُدُرات العاليّة و المتميزة، و دورُ المجتمع المدني و تأثير الرأي العامِ قوىٌّ و فعالٌ، و لذا أعتقد أن يكون محمد علي كلاي قد وُلد أمريكياً و ينشط و يناضل في الفترة التي عاش فيها كان موفقاً! موفقاً لأن التحولات الإجتماعية في الولايات المتحدة و العالم عقب الحرب العالمية الثانية كانت تحتاج لشخصيات يمتلكون الرؤية و الإرادة و والعزيمة و الإصرار. كانت قضية الحقوق المدنية للأمريكيين السود هي القضية الأولي في الولايات المتحدة و أفرزتْ قادةٌ يتصفون بالصفات التي ذكرتُها. و الفترة هذة كانت عهد التحرر الوطني و التخلص من براثن الإستعمار في أفريقيا و آسيا.

الزمان كان مناسباً أن يعيش خلاله هذا الرجل الأسطورة! فعلاوة علي قضية الحقوق المدنية للأمريكيين السود، فإن الولايات المتحدة كانتْ متورطةً في حربٍ ظالمةٍ ضد شعبٍ حرٍ يمتلكُ إرادةً فولاذيةً لا تلين و لا تقهر، و أمريكا تريد سحقه و تدمير بلاده بإستخدام كل ما تمتلكها من آلة الحرب التقليدية و تبعث و تزج بالشباب الأمريكي في تلك الحرب بمن فيهم السود الذين كانوا لا يتمتعون بكل الحقوق المدنية المنصوصة عليها في الدستور الأمريكي. و كانت الرأي العام الأمريكي يتبلور ضد تلك الحرب و حركة الحقوق المدنية في قمة توهجها، في مثل تلك الاوضاع إستوظف محمد علي كلاي شهرته و قدراته من أجل هذه القضايا ونجح لأنه كان صاحب قضية عادلة ويمتلك عزيمة و إرادة قوية و إشتهر لأنه كان أمريكياً.

تمكن محمد علي كلاي أن يستوظّف شهرته في رياضة الملاكمة و نجح في أستخدم المبادئ الهادئة للدستور الامريكي بحنكة و دراية عميقة لكسب الرأي العام الأمريكي. و أحتجاجاً علي الظلم الذي كان يمارسه الأمريكيون البيض ضد السود و هم شركاء في الديانة المسيحية، أعلن إعتناقه للدين الإسلامى و التخلي عن المسيحية، و في أمريكا تغيير أو تبديل الدين من ضمن الحريات الشخصية و الفردية، و رفض التجنيد و الذهاب إلي الفيتنام حيث كانت الطائراتُ الأمريكية و القواتُ الأمريكية تقتل الفيتناميين بألاف في بلادهم لأنهم يرفضون الخضوع و يتمسكون بالحرية. رغم كل هذه لم يتنكر الولايات المتحدة لمحمد علي كلاي لأنه كان يمتلك قدرات هائلة في رياضة الملاكمة بل جعل من الملاكمة احدي المناشط التي إستقطبت ملايين المشاهدين علي نطاق العالم. الولايات المتحدة الآن تعتبره من عظمائها وحقًّا هو عظيمٌ.

تخيل معي مصير محمد علي كلاي، لو كان وُلد مسلماً مصريّاً صعيديّاً من أسوان او مسلماً سودانيّاً غربيّاً من دارفور او جبال النوبة في نفس الفترة الزمنية التي عاش فيها (1942-2016)! لو أن محمد علي كلاي هذا، أعتبر معاملة النوبيين في مصر آنذاك وحالياً غير منصفة وتصل لحد التفرقة العنصرية و أحتج علي تلك المعاملة و رفض ترحيل أهله النوبين من مناطقهم التأريخية نتيجة لبناء السدّ العالي، ولو أنه استنكر إشتراك الجيش المصري في حرب اليمن وأعتبرها حرباً ظالمة و غير أخلاقية، و رفض التجنيد و الذهاب إلي اليمن، و قام بتبديل دينه من الإسلام إلي المسيحية! يا تري ماذا كان مصيره؟ هل كنّا تعرّفنا علي قدراته هذه و هل كنّا قد سمعنا عنه أصلاً؟ أ

و كَيْف لو كان مسلماً سودانياً غربياً و أحتج علي الفوارق و المعاملة الغير مقبولة لأهل الغرب في دارفور و جبال النوبة من قبل أعراب الخرطوم و قام بتغيير دينه الإسلامي، الذي ورثه عن أب و جدّ، بالمسيحية، و رفض الاشتراك في حرب جنوب السودان علي أساس أنها حربُ إبادة غير إنسانية و عبثية فُرِضتْ ضد إرادة شعبِ جنوب السودان و تتنافي و مبادئ ديانته الجديدة! مما لا شكّ فيه هو ان عُمُر محمد علي كلاي لما بلغ الأربعة و سبعين عاماً لانه لو كان مصريّاً او سودانيّاً لمات مشنوقاً بحجة الإرتداد عن دين الله والخروج من الملة و خائن و جبان يتهرب من حربٍ مُقدسةٍ و جهاد مشروع فقهاً ضد أعداء الدين والوطن.

لك الرحمة يا محمد علي كلاي.. وُلدتَ في أرضٍ تحترم إختيار الفرد لديانته متي شاء و يرفض الفردُ الإشتراك في أية حربٍ لا يؤمن بأهدافِها و دوافعهِا و لا يُشنق أو يُعدم أو يُرجّم. بل أكثر من هذا كُّله هو إن أمريكا المتناقضة و هذه الإمبراطورية القاهرة التي لا تنام و إلا تأكدتْ بزعزعتها أمن الآخرين...العراق و ليبيا و أفغانستان و سوريا في الطريق طال الزمن أم قصر فمصيرها التشرذم... رغم كِّلِه هذا فإنها تحمل و تحمي مبادئ الديمقراطية داخل حدودها و تحترم وتوقر خصومها، من مواطنيها، الذين لا يلجأون للعنف كوسيلة لتحقيق حقوقهم و لا تزل أرضاً خصبة للمبدعين و المجتهدين و تحتفي وتفتخر بكُلِّ ناجحٍ من مواطنيها دون تمييز.

محمد علي كلاي بمواقفه المناهضة لبعض سياسات بلاده و نجاحه في مضمار الملاكمة و تعامل وطنه معه كبطل قومي هو رسالة مهمة لِكُل العالم: بأن الولايات المتحدة علي الرغم من بعض نواقصها إلا أنها حاضنة لمبادئ الحرية و العدالة و تحمل لواء الديقراطية لمواطنيها. اما القهر و الكبت و البطش المؤسسي فمحفوظ لأعدائها الدوليّن و أصدقائها الذين انتهت صلاحيتُهم و منفعتهم!!

الآن هل من الممكن في العالم الثالث فتح كوة صغيرة في جدار الكبت و القهر ليمارس مواطنوهابعض الحريات الفردية كتبديل و تغيير الدين مثلاً؟ أما أنت يا محمد علي كلاي لك الخلود مع الخالدين و رسالتك خالدة.



* الكاتب هو الأُستاذ: أتيم قرنق د ديكويك: عضو المجلس التشريعي القومي لجمهورية جنوب السودان و سابقاً نائب رئيس المجلس الوطني لجمهورية السودان.

[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3970

التعليقات
#1473287 [ola]
0.00/5 (0 صوت)

06-09-2016 03:00 AM
الأخ العزيز اتيم دينق

سلام

جميل ان تكتب عن الرحيل المؤلم للاسطورة محمد علي. فلا غرو فقد بذ العالم اجمع بالملاكمة و الذي اضاف البهي مأ لا يحتاج إلي اخر. و على حسب العلامين الانجليزي و الامريكي فقد و صفوه بأنه The most recognised man on earth) as you know his boxing speaks for itself.f

ارجو يا ود رفاعة ان تداوم في صحيفة السودان الكبري الراكوبة كما اتمني الشي نفسه علي الكتاب الجنوبيين ' ما امتع كتاباتهم
وكم كانت صافية تلكم الأيام حين جمعتني الزمالة مع الأخ دينق الورد في مدني الثانوية و أيضا جمعتني الزمالة الجامعية برياك مشار في جامعة برادفورد المملكة المتحدة. و كذلك حظيت بمعرفت كثير منهم من جميع مدن المملكة و كذلك لا انسي من عرفتهم داخل السودان و خاصة في ولاية الجزيرة. و كنت دايما أقول ليهم إذأ داير اشوفكم في الجنوب الا اعمل فيزا? واتبعها و أقول ليهم


#1473048 [عمر الحاج حلفاوي]
0.00/5 (0 صوت)

06-08-2016 02:47 PM
السيد اتيم -العبودية التي مورست علي الزنوج من قبل الابيض الامريكي لم يحدث مثله في التاريخ والتطور الذي حدث في حقوقهم تطور طبيعي لتطور الزمان -المقارنة التي تقولها ليست صحيحة الدنيا تتغير والسودان والمنطقة ايضا فيها تغيير كبير لا يستطيع احد ان يقول لك عبد اوماشابه الان -حتي العلاقات الاجتماعية تتغير كل قادة الغرب والنوبة والجنوب والقبائل المختلفة في الشمال صارت تتناسب وتتصاهر يعني ماتذكره من محمدة لامريكا ليس شيئ خاص بها وانت بنفسك شاهدت ايام الحرب بين الاخوة في الجنوب كيف جعلوا جثثهم طعاما للطيور الجارحة-التصرفات مرتبطة بالتطور الاجتماعي والمدنية تلغي الفوارق ليس الا ..


#1473008 [ابوجمال]
0.00/5 (0 صوت)

06-08-2016 01:30 PM
التحية للاخ اتيم قرنق


#1472994 [السودان الجديد]
5.00/5 (1 صوت)

06-08-2016 01:10 PM
محمد علي كلاي من أفذاذ القرن العشرين لما خطته سيرته و حفرته على صخر الخلود من مواقف انسانية و نضالية نبيلة. و في تقديري كان يمكن أن ينقش الأستاذ أتيم قرنق ( بمعية عدد من المقاتلين الجنوبيين) سيرة متميزة على صفحات تاريخ السودان الفولاذية. سيرة تؤكد انحيازهم الانساني المبدئ لقضية تحرير المهمشين اينما كانوا و حيثما حلوا ( فالتهميش تهميش بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو حقبته التاريخية)!!! و كان يمكن ، عبر ما تقدم، ان يسهموا مباشرة في ترسيخ عرى التضامن بين المظلومين و المغبونين على امتداد بلاد السودان بما يعزز فرص توحيد قوى التغيير ضد العدو الموحد. ما زال في الأمل أن تنتصر ارادة الثورة و التغيير وفقاً لرؤية السودان الجديد عند أتيم و رفاقه في جنوب السودان بما يبشر بشروق عهد الحرية و العدلاة و المساواة بين الكافة و على كامل تراب السودان!


#1472975 [كسرة بي موية وعصيدة بي لبن]
0.00/5 (0 صوت)

06-08-2016 12:47 PM
هذة امريكا التي تهابونها!!


#1472965 [الاستاذ اتيم]
5.00/5 (1 صوت)

06-08-2016 12:29 PM
سلام من الله عليكم
الاستاذ اتيم كفيت ووفيت لك الشكر والتحية واشقاءنا في دولة جنوب السودان ,,
والله كم تمنيت ان ازور جنوب السودان حيث تغي لة الاستاز الفنان انور الجيلاني ومحمود عبدالعزيز طيب الله ثراه لكن القدر ابعدنا كثيرا ولكن لنا القدح المعلي في ان ندخل دوله جنوب السودان وهي تنعم بالاستقرار ولنا عظيم الشرف في ان نجد كتاباتك المعبرة ؟ وهلا علمتم ايها القادة واستفدتم من الدرس ؟؟؟؟ سلام



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة