الأخبار
منوعات
لبنى أبيضار: أنا عربية ومسلمة لكنني امرأة حرة وخطيرة
لبنى أبيضار: أنا عربية ومسلمة لكنني امرأة حرة وخطيرة
لبنى أبيضار: أنا عربية ومسلمة لكنني امرأة حرة وخطيرة


06-16-2016 04:45 PM


عند مرورهما أمام عارضات الهوى خلف الواجهات الزجاجية، سألت طفلة ألمانية والدتها بكل براءة “ماذا تفعل هؤلاء النسوة؟” ردت أمها بكل صراحة “إنهن بائعات الهوى”. فتابعت الطفلة بفضول البراءة “ما معنى بائعات الهوى يا أماه!؟”، احتارت الأم وحاولت التفسير بشكل مبسَّط قائلة “إنهن فتيات يخلقن السعادة للناس”، فترسخ هذا التفسير بذهن الطفلة. وفي ما بعد حين سأل المعلم تلاميذه عما يتمنون أن يكونوا في المستقبل، ردت الطفلة “أريد أن أكون بائعة هوى!”.

العرب رشيد اركيلة

"الخطيرة"، هو عنوان الكتاب الذي نشرته مؤخرا لبنى أبيضار في باريس ويضم ذكريات صادمة على شاكلة "الخبز الحافي" للراحل محمد شكري. وأبيضار اكتشفها جمهور الشاشة الكبيرة في دور بائعة الهوى في فيلم "much loved" أو "الزين اللي فيك" للمخرج المغربي نبيل عيوش، والذي فازت من خلاله بجائزة أحسن ممثلة في مهرجان الفيلم الفرنكفوني لـ"آنغوليم" وكانت ضمن قائمة المرشحات للفوز بإحدى جوائز مهرجان "كان" وعدة مهرجانات أخرى. ولكن لماذا هي "خطيرة"؟ عن هذا السؤال ردت حين استضافها باتريك سيمونان، منشط برنامج "الضيف" بقناة "تي في 5" الفرنسية، لأنها امرأة تتحمل مسؤولية أقوالها، امرأة تعيش بين العديد من الملتحين وتعبر بجرأة أمامهم، فغدت صراحتها تقلقهم والحقيقة تخيفهم.

معروف أن حرفة بيع الهوى، التي يجزم المؤرخون أنها أقدم مهنة في التاريخ، ماتزال مهنة منكرة في سائر المجتمعات، مع ذلك فقد باتت هذه المهنة موضة الممثلات ومخرجي الأفلام مع مطلع القرن الحادي والعشرين، لمن أرادت أو أراد نيل جوائز الأوسكار أو جوائز مهرجان "كان" للسينما. أكثر من ذلك، فحينما قررت الحكومة الفرنسية منع وتجريم عمل المومسات وبائعات الهوى تجندت عدة جهات من المجتمع المدني ومن عالم الفكر والفن وحتى السياسة لتشن حملة مضادة تحت شعار "لا تلمس مومستي!".

في مقطع من الكتاب الصادر عن دار نشر "ستوك" في باريس تقول مؤلفته بكل جرأة "أنا فخورة بكوني ساقطة كما تحسبون أيها السادة الملتحون، امرأة حرة هي ساقطة، امرأة محاربة هي ساقطة.. فخورة بأن أكون ساقطة". وعن هذا المقطع علقت أبيضار أنها تواجههم بالكلمة مباشرة، "فبالنسبة إليهم امرأة متحررة هي ساقطة، وفي نظر هؤلاء القساة، التي تدخن ساقطة، من لها صديق ساقطة، فلماذا لا يضمِّنون هذا النعت في بطاقة الهوية، ويكتبون لبنى أبيضار ساقطة، فاطمة ساقطة، خديجة ساقطة، وهكذا سنكون مرتاحات منذ البداية. هؤلاء الرجال الذين ينعتوننا بالساقطات في الواقع هم أنفسهم ساقطون بالنسبة إليّ، نعم! هؤلاء الذين يرتدون جلابيب ويطيلون اللحى، ويصدرون فتاوى تسلب الآخرين حياتهم، وتضيق على حياة آخرين. إلى هؤلاء اسمحوا لي أن أقول: أنتم في الواقع هم الساقطون، ساقطون بلا أخلاق، أما نحن فساقطات صادقات وحرات".

وتروي أبيضار أنها عاشت ظروفا جد صعبة، ومع ذلك قررت أن تصبح فتاة طبيعية دون عُقَد. تحكي عن طفولتها بمدينة مراكش وتصف والدها بأنه كان عنيفا مستبدا، يمارس عليها كل أنواع العنف وصلت حد الاغتصاب. لهذا قررت أن تتكلم وتوقظ من يعشن ظروفا قاسية مشابهة، لتقول لهن إن الأوان لم يفت، وأن مصيرهن يجب ان يكون بأيديهن، وهي تؤمن أن بإمكانهن بناء حياتهن لوحدهن من جديد، وهن لسن بحاجة إلى الرجال ليثبتن وجودهن. لكنها تشترط لبلوغ ذلك أن يتحلين بالشجاعة ليحققن طموحهن في أن يصبحن نساء مستقلات وذكيات، نساء متحررات. وهي ترى أن العلاقة مع الرجال في الحياة يجب أن يطبعها الحب والاحترام، وأي تجاوز عن ذلك يتوجب عدم الرضوخ له.



حلم السينما

على أن ثمة مبالغات جمة وردت في يوميات أبيضار فها هي في مقطع آخر من الكتاب تنقل صورة بهيمية خسيسة لوالدها "كان والدنا يعاملنا ككلْبات، يهيننا ويجوِّعنا. حين كان جَدي يمنحنا خروفا لأضحية العيد يبيعه أبي ليشتري الحشيشة. حين كنت أتدبر ما أطهوه للغذاء يأكل هو الأول ثم يتبول في الطنجرة قبل أن نأكل" (هل يمكننا أن نصدق ما تقوله الكاتبة عنا عن أبيها، بل عن أي شخص يمكن أن يفعل شيئا كهذا، أم أن هذا السطر وأشباهه كثير في الكتاب هو من لزوم كتابة الايكزوتيك والفضائح التي ينتظرها قارئ غربي عن وقائع شرقية؟!).
عن هذه الحادثة تقول الكاتبة إن سبب ذلك كان من شدة كراهيته لها لأنها خُلقت أنثى وليست ذكراً، وهو ما سوف يحرم العائلة وريثا ذكراً، بالإضافة إلى أن الأب، كما تعلل أبيضار كان يشعر بالخزي أمام عائلته الأمازيغية التي نبذته لزواجه من عربية، والمصاهرة بين الأمازيغ والعرب لا تُغفر إلا بقدوم مولود ذكر، لذا فقد أدت الثمن لعدة سنوات حيث كان يطردها خارج البيت، يطرد الجميع ويعنفها، ولا يزال جسدها يحمل عدة نُدوب تقول إنها استطاعت أن تمحو جلها واحتفظت ببعضها كي لا تنسى ما آلت إليه، ولتمنحها الشحنة والقوة الكافية لتتحدى كل الصعاب ولا تنسى قضيتها. هكذا قاومت وبذلت كل ما بوسعها من جهد إلى أن استطاعت طرد والدها المستبد خارجا وأن تجعل من والدتها سيدة أعمال.

(هنا نحن بإزاء قطعة مرمرية من الكتابة الفضائحية إلى درجة متهتكة ومفضوحة في طلبها الشهرة في مجتمع غربي).

أخيراً، تقول لبنى إن حلماً صغيراً ظل دائما يراودها وأن الخوف المهول بداخلها هو الذي غذى هذا الحلم وساعدها على تحقيقه. إنه الخوف وقد تحول إلى قوة وجعلها تخطو أولى خطواتها نحو الاستقلال، فكانت في بادئ الأمر تخلط شيئا من الدقيق والسكر لتبيعه كقطع سكاكر في ساحة "جامع الفناء" وهي متنكرة بوشاح يخفي ملامحها، ثم اشتغلت راقصة أمام السياح حيث تقول إن تلك كانت هي الانطلاقة الحقيقية نحو تحقيق أحلامها، مع العلم أن الرقص أمام الغرباء يعتبر في المغرب انحرافا، وأن الراقصة تعتبر ساقطة، وقد شاع عنها أنها راقصة كباريهات. وعن هذا ترد "لم أكن يوما راقصة كباريهات، بل كنت أرقص في فنادق محترمة وقد صرت بعدها أؤدي دروسا في الرقص للأوروبيات بمجهودي الشخصي، فأنا لم أتلق أي تدريب على الرقص من قبل".



لحظة الحظ

وذات يوم رآها الفرنسي الشهير كلود، وهو رجل ليل محترف فأعجب بموهبتها وجعلها تلج الأوساط الباريسية وهناك أبهرت الجميع. ومن ثم شاركت بعدها في مباريات للعب أدوار سينمائية، وذات يوم عرفت أن المخرج نبيل عيوش يبحث عن فتاة غير محترفة للعب دور بائعة هوى في فيلم سينمائي، فتتنكر في هيئة مومس حقيقية لتقنعه. وعن هذه المحطة تقول لبنى أبيضار إنها نجحت في خداعه لأنه سبق لها أن تدربت على التمثيل في المسرح وشاركت في أدوار تلفزيونية كما أدت عدة أدوار سينمائية، لكنها كانت تبحث عن شيء آخر، عن سيناريو حي، عن دور حقيقي، لذلك تقمصت شخصية مومس أمام المخرج، لأنه لم يكن يريد ممثلة محترفة.

و لحسن الحظ، تضيف أبيضار، لم يفطن عيوش للأمر حتى اليوم التالي، ولم يكن المخرج ليتراجع وقد ساعدته في إيجاد مجموعة حقيقية من المومسات. بعد ذلك سيأتي اليوم الذي ستصور فيه المشهد المشؤوم، المشهد المثير، الجريء الذي يخدش الحياء، الذي سيجعلها تتعرض للقصف بوابل من اللعنات من الجمهور المحافظ وبسهام مسننة من عذاب الضمير. وستنهار يومها وتجهش بالبكاء خلال المشهد لأنها تعلم جيدا أن ذلك سيفتح عليها أبواب جهنم وسيحول حياتها إلى جحيم.

وعن تلك اللحظات تعلل أبيضار انفعالاتها بكونها تعرف طبيعة المجتمع وموقف الأعراف والدين تمام المعرفة، لكنها رغم ذلك أرادت أن تصور المشهد لتعبر للناس أنها، وإن كانت عربية ومسلمة، فإنها امرأة كسائر النساء، تعرف الحب وأن المومسات لسن آلات للجنس، بل هن ضحايا في حاجة إلى الحب، وأن ذلك المصير الذي وصلن إليه كان سببه افتقارهن للعطف الأُسري وحنان الأب والحب.
رشيد اركيلة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3143


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة