الأخبار
منوعات سودانية
قرنق توماس: الشعر دنيا من تفاصيل العبقرية يفكك الفلسفة والفكر وربما السياسة إلى جزيئات
قرنق توماس: الشعر دنيا من تفاصيل العبقرية يفكك الفلسفة والفكر وربما السياسة إلى جزيئات
قرنق توماس: الشعر دنيا من تفاصيل العبقرية يفكك الفلسفة والفكر وربما السياسة إلى جزيئات


07-02-2016 01:07 PM
حاوره: ديفيد أوكو
** ويخرج الشاعر "قرنق توماس ضل" عن صمته ويبوح عن ماهية الشعر؟ وهذا بالتأكيد سؤال سيظل قيد الإجابة إلى الأبد، لأن لا أحد يريد أن يوصد الأبواب، ولأن (اليوم التالي) استطاعت إخراج الشاعر قرنق توماس عن صمته رغما عن أنه ما زال حزيناً جراء مآلات الأوضاع في جنوب السودان، واستطاعت أن تستنطقه في قضايا الناس عموماً وفي حديث الشعر خصوصًا، فهو يقول: "إن الشعر دنيا من تفاصيل العبقرية، فحين تستنطق قيم الجمال في تقاطعاتها اللغوية مع صبغة الروح وبصمة الحياة وتعتصر كل ذلك في سياق القول الجميل تعبيرا وتصويرا وفلسفة.. " وحين يطلق توماس أقواله تلك لا يضع نقطة آخر السطر فالفضاء الشعر منفتح بقدر الفضاء الإنساني وأكثر، يقول توماس: هنا طبعا لست بصدد التعريف التقليدي بقدر ما أحاول السياحة في ماهية الشعر، فالشعر هو الذي يفكك الفلسفة والفكر وربما السياسة إلى جزيئيات الجمال في قالب الكلام الجميل الحر والمتجاوز والجديد والمتجدد وصولا إلى تحريك المشاعر في مظانها وأشواقها وامانيها.. والشعر أيضا في تجلياته هو الذاكرة الجماعية هو تاريخ الناس في القالب الجميل وهو سجل لمشاعر الناس في القالب الجميل هو آلامهم وأحزانهم وأفراحهم أغانيهم مرثياتهم تأسيهم ومآسيهم في القالب الجميل وهكذا.. الشعر هو الكلمة في أقصى تجليات الجمال فيها.. صورة وروح حركة وسكون ومشهد ثم إنسان وبيئه وتفاعل.. .إلى ثنايا الحوار.
* يُعرّف قرنق توماس على أنه طبيب، شاعر، كاتب ومفكر، هل هذا تعريف يغنيك، كيف تحب تعرف نفسك؟
لا تعريف يغني أحدا. وربما بعض التعريفات مرهقة بحمولاتها وأبعادها وفي النهاية يعرف المرء بعمق وتأثير حراكه الاجتماعي والمعرفي والإنساني.. لا أكتفي طبعاً ولكني محظوظ بهذه الألقاب فكل لقب يعبر عن ما أعطتني الحياة والعلم ودروب الإبداع، أما عن كوني مفكرا فإن منجزي الفكري إذا وجد لا يتناسب مع هذا اللقب الكبير، ومع ذلك طبعا لا أرفض شطط المحبة وبراح العشم فيّ.. أما أن أعرف نفسي فذلك ما لا يجوز وإذا كان ولابد فأنا إنسان أحب ذلك وأشقى قدر استطاعتي أن أحقق إنسانيتي في الحياة العامة وعلى مستوى التعاريف طبيبا وشاعرا وكاتبا وإذا اصبت نجاحا في كل ذلك عرفت نفسي واستحققت معرفة وتقدير الناس.. أحب أن يتقدم اسمي كإنسان على كل هذه الألقاب.. كنت أطرب زمان أيام الجامعات بقول الزملاء عني ده (قرنقوش) بتاع لحظة الجريدة الحائطية وتلك أيام....
*ما هو الشعر؟ شعور يداهم الشاعر، أم المهم، هل لك تعريف آخر؟
وعن ماهية الشعر، سألت يا صديقي ثم هممت بالاجابة تحدثت عن الشعور والالهام، واضيف رغم ضيقي بالتعريفات أن الشعر دنيا من تفاصيل العبقرية حين تستنطق قيم الجمال في تقاطعاته اللغوية ثم صبغة الروح وبصمة الحياة ويعتصر كل ذلك في سياق القول الجميل تعبيرًا وتصويرًا وفلسفة.. وهنا طبعا لست بصدد التعريف التقليدي بقدر ما أحاول السياحة في ماهية الشعر، فالشعر هو الذي يفكك الفلسفة والفكر وربما السياسة إلى جزيئيات الجمال في قالب الكلام الجميل الحر والمتجاوز والجديد والمتجدد وصولا إلى تحريك المشاعر في مظانها وأشواقها وامانيها.. والشعر أيضا في تجلياته هو الذاكرة الجماعية هو تاريخ الناس في القالب الجميل وهو سجل لمشاعر الناس في القالب الجميل هو آلامهم وأحزانهم وأفراحهم أغانيهم ومرثياتهم وتآسيهم ومآسيهم وهكذا.. الشعر هو الكلمة في أقصى تجليات الجمال فيها.. صورة وروح حركة وسكون ومشهد ثم إنسان وبيئه وتفاعل.. . قلت لك إني أضيق بالتعريفات هنا فقط لك أن تفتح قوسا عن ماهية الشعر قوسا لن يقفل.. كما وليس لدي رأيا.
*هل ما زال للشعر قيمة؟
وهل تنتفي قيمة الشعر؟.. من أوحى لك بذلك؟، قيمة الشعر في قيمة الحياة ذات نفسها.. وما قيمة الحياة دون أن يُعبر عنها.. حيث الشعر دائما هناك تعبير وتجريد وتصوير واستنطاق.. وطبعا النزعة القيمية لا تتفق مع صيرورة الشعر قبل الحداثة واثناءها وما بعدها.. قيمة الشعر تأتي أيضا من التمكن من أدواته التقليدية والتجديدية والمتمردة.. . قيمة الشعر من قيمة الكلام المتداول في سياق الحكمة والجمال حين تحيل القريحة كل ذلك إلى منتوج إبداعي تتلاقح فيه المشاعر بالفلسفة والغموض والمباشرة والرمز والاستعارة والمجاز وما إلى ذلك من تجليات اللغة والتمكن من التعبير بها.. هذا أمر لا تنتفي قيمته على إطلاق الوجودية..
*ما الذي أو من دفع قرنق توماس إلى الولوج في عالم الشعر؟
وجدت نفسي كذلك، لم أكن مدفوعا كان تلقائيا، ثم تضافرت العوامل كالدراسة والقراءة والتأثر بأساتدة اللغة حيث الموهبة والرغبة هي التي تقود.. وأذكر هنا أستاذنا الراحل مُحمّدْ رِقِيق، أستاذ اللغة العربية في مدرسة أويل المتوسطة كان يحتفي كثيرًا بالكتابات الابتدائية تلك، ويُعلِّي مقدارها ويصر على قراءتها في ليالي الاثنين الأدبية ، كانت أويل المتوسطة مدرسة عريقة ذات تقاليد ندين لها بالكثير مما اكتسبناه من معرفة وقدرة على الإبداع.. ثم جاء دور أساتدة اللغة في الثانويات واحتفاءهم بالبدايات وحثّهم لنا على الحفر في عوالم الشعر والأدب والغوص في مدارسهما ثم الذهاب باللغة بعيدًا وعميقا حتي يجد الإنسان لنفسه بصمة وأسلوب.. وهنا نذكر بالخير كل من حفزّنا وشجعّنا واحتفى بما كنا نكتُب دون فرز فهم كثيرون، الأساتدة والاقارب والزملاء المتذوقون الأوائل، كالعادة.. كما وأني أدين بالشكر والعرفان لاحقًا لكل من ساهم في انتشار كتاباتي من رؤساء التحرير ومن مديري الملفات الثقافية في السودانيين الأستاذين ماجد محمد علي وعلاء الدين سنهوري اللذان أجريا معي أول حوار صحفي وثقافي في مجلة حضارة السودان التي كانت تصدر من القاهرة ثم الأساتدة سعدالدين ابراهيم ومرتضى الغالي والأستاذة آمال عباس والصادق الرضي والاصدقاء عثمان شنقر ومثيانق شريلو وأتيم سايمون وأحباب كثيرين.. لهم محبتي أينما كانوا..
اللغة أداة توظف في الكتابة الأدبية (الرواية، القصة، الشعر) لكن الشعر بالنسبة للكثيرين ترف نخبوي.. لماذا؟
ترف نخبوي؟! أنت تقول كلامًا كبيرًا يا صديقي، أين هو الترف؟ بل أين هي النخب ومن هم النخبويون؟ أضحكتني، هذا ضرب من الإنشاء المحبب احترفه بعض منتقدي الحالة الشعرية لكن يظل الشعر هو ملح وطعم كل أنماط وضروب الكتابة الإبداعية، أنا لست منحازًا له بالضرورة، فالمعروف أن هناك الشعرية والشاعرية لابد أن تتحملها وتحملها العمليات الإبداعية الاحترافية التي تعتور هذه الأصناف من الكتابة الإبداعية، وليس من الصدفة أن يكون كتاب القصة والرواية العظام والمشاهير في الأصل شعراء، ولك في شكسبير، تشينوا إشيبي، بروفيسور تعبان لوليونق نماذجًا، وهكذا.. ذلك لا يبتعد عن التشكيل وما إلى ذلك.. يا صديقي إننا في صغرنا كانوا يهدهدوننا بكلام منظوم ومنغوم في كل اللغات.. ثم نغني لاحقا أشعارا تتهادى بين اللحون والأغنيات.. ثم نذهب لنحتفر للشعر أساليبنا وقوالبنا الخاصة فيأتي منه السهل والسلس والمرموز والمعقد والفلسفي إلخ.. ثم نبحر في ضروب الأدب والفن الأخرى.. فهل يكون ذلك من باب الترف؟.. وكمان نخبوي!. الشعر يا سيدي عصب الكتابة الإبداعية، قد يكون مترفًا ولكن لن يكون تذوقه ترفًا نخبويًا.. ربما ضيق المنابر واجتهاد بعض الصوالين في التصدي لهذا الهامش المؤسسي هو الذي يوحي لك بهذا.. لكن اصحاب هذه الصوالين الأدبية التي يُقرأ الشعر من على منابرها ليسوا نُخبًا كما يبدو لكثيرين،هم يقومون بالذي يجب أن تفعله المؤسسات الرسمية. أما توظيف اللغة فهو ممتلئ بطاقة الجمال من حيث التكثيف في مستوياته الدلالية والتعبيرية والاستنطاقية ومن ثم التثويرية والتصويرية والتجريدية التي تتراوح في تراميزها مدارس الشعر وهذه عملية غاية في التشويق والتعقيد والإلهام يتفوق بها الشعر على الرواية والقصة التي تحتاج للحبكة والدراما والتجسيد والتشخيص أكثر من (تحلية) اللغة، إذا جاز التعبير.
*تظل قضايا الشعر خالدة (الحب، الحياة، الموت، الروح)، أليس بالإمكان الشذوذ من القاعدة؟
ليس بالضرورة طبعا الشذوذ عن القضايا التي ذكرت فهي متلازمة لا تغادر مناخات الشعر وتجد الشاعر والشعر مشدودين اليها بحبل سري.. وإذا كان لابد أن يشذ الشاعر فالشعر في الأول والآخر أداة تعبير فإذا استنطق قضية ما بعيدا عن القاعدة التي ذكرتها فالأمر متروك للشاعر وجسارته وقدرته على التجاوز ومن ثم تلاقحات الجمال في العملية الإبداعية الشعرية.. وقضايا الشعر تاريخ ممتد وحافل وجميل من التمرد على انساق التعبير الشعري ومدارسه ومواضيعه حتى وصلنا لشعر ما بعد النثر.. شهدت ذلك كل اللغات الكبرى وأساليب الكتابة الشعرية فيها..
*هل تلك القضايا لها ارتباط وثيق بالبنية الفكرية والنفسية للشاعر؟
وهل من شاعر يكتب خارج بنيته الفكرية والنفسية؟ لا أظن.. إنما يكتب عنها أو يتمرد عليها أو يمتاهى معها أو يستشرف آفاقها، ويمكنك أن تضيف إليها البنية المعرفية واللغوية فهناك أيضا سؤال اللغة في بعده الإبداعي والإنساني والمحلي عند المآلات الوليدة في دولتنا الجديدة.
*برأيك هل ما زال الشعر الأداة الأمثل للتعبير عن قضايا الناس أم فقد موقعه؟
نعم دون شك.. وسيظل.. قد لا ندرك ما فعله شعر العامية في (السودان الكبير) من استنطاق حالة المسغبة والاضطهاد والجمود والاستبداد فكان مرآة الناس والتاريخ يمكنك المرور سريعا على شعر الأستاذ الراحل محجوب شريف شاعر الشعب الذي نهزج معه بـ(ميري ذكرينا عشة كلمينا) وإلى أغانيه مع وردي ثم هناك شعر الراحل محمد الحسن سالم حميد وأغانيه مع مصطفى سيد احمد والأستاذ محمد طه القدال وأغانيه مع فرقة عقد الجلاد، والقدال تحديدا عملت معه ضمن مجموعة الشعراء المغنين الجوالة (التروبادور) السودانية وكان شرفًا عظيما ورفقة رائعة ضمت الأساتدة عاصم الحزين ومحمد عبيد الفاضلابي وسامي عبد الرحمن وآخرين.. كان مشروعا عظيما غفا بفعل المحاقات العجيبة في بلادنا الكبيرة.. الذي أريد قوله إن قصائدهم تمثل نماذج لاستنطاق الشعر لقضايا الناس.. هناك أيضا أساطين شعر الفصحى الذين لا يخلو منتوجهم من تناول قضايا الناس ومعاشهم ومعاناتهم.. وما تراه هنا، ما يرشح في الإذاعات المحلية رغم فقره يظل محاولة لتخليق حالة شعرية قريبة من ذائقة الناس، ومن دون الناس وقضاياهم يعود الشعر إلى وادي عبقر.. هناك أيضا النظم التقليدي للكلام عبر اللغات المحلية غناء وأهازيج ومواويل تسجل يوميات الحياة المتفاعلة مع الطبيعة والحيوان والإنسان.. كل ذلك شعر يعبر عن قضايا الناس.. فالأستاذ جبرائيل آرنست وهو شاعر وموسيقي وفنان مطرب كان لديه مشروع كتابة الشعر بـ(عربي جوبا) كان معبرا وملهما في ذلك للحد البعيد وأنا سعدت وتشرفت بمرافقته في واحد من أنشطة اتحاد الكتاب السودانيين إلى الدمازين فكان نجم ذاك المحفل.. أسألوه بالله عليكم كيف انتهى به مشروعه العظيم ذاك.... فاتني أن أذكر الأستاذ المسرحي الشاعر الكبير هاشم صديق من كتب ملحمة أكتوبر وحتى أيامه هذه حيث كتب القرنتية وأخريات..
* في ديوانك الأول (سيرة القبلات)، عندما تنشد: (فالدرب ماسخ وما كنت أخاله أصبعا يشير للسماء بالانتصار/ كان وهماً ثورياً/ مات على أبواب الطغاة حقلا من مراياك)؟ هل تشخص الحالة السياسية؟
نعم صديقي، فالثورة كالهرة تأكل بنيها، وتفشل في اختبار الدولة حتى لو نجحت في امتحان التحرير.. كنا نتمنى أن نكون استثناء، ولكن الفشل هنا مؤلم ومحزن ومحبط للحد البعيد.. أن ترى وطنك يرزح تحت دوائر القتل المجاني والفقر والمرض والجهل، ثم يعود إلى تقسيمات وتراتبيات بدائية ظننا أننا تركناها خلفنا بعد التضحيات العظيمة والاتحاد المشهود الذي أفضى إلى الاستقلال، وحين نرى السياسيين الآن يتقاتلون حول رفاهية عوراء وعرجاء تشهدها فنادق جوبا ومتاجرها التي يملكها الأجانب يُصيبنا الهم والغم من قلة الهمة وقلة الإرادة والركون السياسي للأمراض الاجتماعية من قبليِّة وتمييز إلخ.. إذا وضع كل هذا المآل المؤسف مقابل الأحلام الكبيرة التي حملناها تجاه دولتنا الوليدة نجد أن المصطلح أصبح فطيرًا من كثرة التبرير. بالطبع جنوب السودان ليس استثناء في ما يخص مآلات ثورات العالم الثالث، ولكن هناك دائما أمل و(قطار أخير) نتمناه أن يأتي بخير لبلادنا، نفعل ذلك في كل دعاء وصلاة حتى ينزل الله الحكمة والوعي في قلوب القادة السياسيين.. وانفعال الشاعر لا يكون حُكما وحَكما، فهو وليد اللحظة القاتمة وبالتالي فإن هناك دائمًا غدا أكثر إشراقًا وأحلى.. أما ديوان (سيرة) فتعرضت فيه لقرصنة فاضطررت لتغيير العنوان بعد لأي مع المصنفات ليصبح (سِفْر المرايا) وهو العنوان الرسمي الذي صدر به الديوان عن دار مدارك التابعة للأستاذ الياس فتح الرحمن، فوجئت بسيرة القبلات في مكتبات جوبا وعند الوراقين هناك مطبوعًا من دار نشر أخرى متجاوزة حقوق المؤلف، أحمد الله أن الديوان صدر باسمي دون تغييرات.. أما مسألة الحقوق فسنرى ماذا سنفعل بخصوصها. ولن أقول إلا ما قاله نص "حقل من مراياك".. وما يمكن أن تحسه وتقوله مشاعر المتلقي المنفعلة مع النص الشعري وهو حين يصل للناس لا يكون قول الشاعر فقط بل يصبح قول الناقد والمتذوق والمتلقي المعجب والذي لا يعجبه الصيام في رجب.
*لمن تكون العتبى؟ للـوطن أم المحبوبة؟
للوطن لأنه في مهب الفوضى.. ولأنه رهن المرضى.. فله العتبى حتى يرضى.. وللمحبوبة لأنها الوطن..
*وهل ما زال باب هذه الجنة مواربا؟
نعم لا يزال.. وسيظل لأن الأمل باقٍ، ويبقى ما ينفع الناس، ولا نزال في مرحلة تخلُق الا أنها طالت قليلا، نحن في رحم الجنة الرؤوم فإذا وفِقْنا في فتح أبوابها مشرعة على العالم والإنسانية والحقوق والرفاهية احتفلنا وأكملنا رقصتنا، حينها سيصبح لهذا الرقص التلفزيوني اليومي طعما ولونا ونكهة.. الباب يظل مواربًا لكنه يظل أيضا بابا للجنة، وبلادنا هذه جنة الله على الأرض لولا نقص القادرين على التمام.
* كيف تقرأ.. اختار؟
بعض من نص بعنوان رَمْنَسَات: "أَشْقي مِثْلِي يعبثُ بأيدِي الليلِ ويلهو بالوسائد/ يُنْشِدُ بِمَشْرُوخِ الصوْت (الناعْسَاتْ كَاحِلاتِنْ)/ كَالَحِاتُ الأيام تلملمُ كَاحِلاتِهَا بِعُيونِ أشجارِها بمرمى أحجارِها/ أن فردوساَ يتنافَرُ على وَتَرٍ فى شُرُودِهَا حين تحدثني بلحْنِ غارقَ في الوَلَه/ أعْمَقُ مِن اختلاسِ خَيْطٍ من غَزَلِ الوداع/ أوْهى من الْتمَاع دمعةٍ أخيرة ذات شِرَاع / أمْضَى من قُبْلَةٍ مالحةٍ بدَمْعِ ما تبقًى مِنْ مَتَاع/ أصَدَقُ مِنْ قِنَاع/ اشتهائي كغارقِ الَواوِيل/ اشتهائي بغيرِ قاع/ اشتهائي تَصَوُف/ فكيفَ بالله اخْتِمَارِي وسُكُري مُعْتكف/ أختِلف وتختلف/ أختلِفُ فتلتفٌ بِنُعَاسي وتَزُفُ ذكرياتي).
*ومرثية للزعيم الراحل جون قرنق؟
نعم، هو نص بعنوان (كَنِسْرٍ يخطف آهَة) مهداة لروح د. جون قرنق في أعصار رحيله المر المباغت والصادم، كتبتها استحضارا لحالة اليتم التي انتابت البلاد الكبيرة وجنوبها تحديدا، منها: "كالمحارب جميلا يحارب وجميلا يضع رمحه/ ثم بغتة يموت
هذا الطعم لا يفوت/ البحر دمي وبحارتي هلوسات راهب/ كيف باب هذه الجنة موارب/
والمدائن التي انتظرت كثيرا قلب المحارب/ تلبس حدادها وتخرج لتنتحب كالمعارج الكبرى/ لا تعرف كم قتلت في مسارها العظيم/ وكم حبيب عن طوقها يشب، كم حبيب ينتظر.
* قصيدة (مشاهد محمودية) أهي رثاء للفنان الإنسان لتقاوم بها النسيان؟
انا لا أقاوم النسيان بالمشاهد المحمودية لكني أحاول جاهدا لكي أوثق للغناء والموسيقى في البلاد الكبيرة من خلال الفنان الجميل محمود عبد العزيز.. إني أيضا أحاول الانتصار لهذا المغني الجميل الذي ملأ الآفاق طربا وفنا وإبداعا وعانى ما عانى في حياته من استهداف حياته الخاصة واغتياله معنويا وشخصيا وكأنه لم ينتج انتاجا مهولا فاق كل المغنيين وكأنه لم ينل حظا كبيرًا من حب الجماهير.. ولعل وفاته وانفعال الناس اللاحق به يمثل تكفيرا عن ذنب ما.. ويمثل قراءة في الحالة النفسية الجمعية السودانية.. أحاول أن اقول ذلك في التسليط على حجم المنتوج الإبداعي الذي اجترحه محمود عبد العزيز (حوتة) الذي ميزه واستحق به جماهيريته الكبيرة كما وأسلط الضوء على انتصاره الكبير على النمطية وسطوة النوستالجيا بل وقد احتوى النوستالجيا بغنائه بمعظم الغناء القديم الذي يسمى غناء الزمن الجميل.. ثم انتصاره على النقد والاستخفاف المجاني.. كل ذلك وإذا اعتبرنا أن الحوت كان أيقونة رفض فقد كان يخرج من محكمة النظام العام ليغني ويغني.. المهم أن المشاهد المحمودية حفزتني للتوسع في التوثيق في الغناء المركزي في البلاد الكبيرة قبل التقسيم والعمق الجنوب سوداني في ذلك النشاط الإبداعي لأجد أن عبد المنعم عبد الحي الدينكاوي كتب معظم أغنيات الزمن الجميل وأن رمضان حسن زانداوي وأن رمضان زايد نويراوي وهكذا.. المشاهد المحمودية تحولت إلى كتاب موسوعي وتوثيقي للموسيقى والغناء في البلاد الكبيرة.. فالغناء ملك جمعي.. لا يخضع لقوانين التقسيم مثله هلال مريخ كما لمح الراحل د. جون قرنق بعد التوقيع على اتفاقيات تقسيم السلطة والثروة وهو يسأل الأستاذ علي عثمان محمد طه (أها الهلال والمريخ نقسمهم كيف يا شيخ علي).. فانفجر الحضور بالضحك.. وبقيت الحكمة من ذلك التلميح.. المشاهد المحمودية ستصدر قريبا في كتاب.. انفردوا بذلك..
* قرنق توماس لا يكتب كثيرا، هل تخشى الكلمات؟
وكيف لا؟.. الكلمة مسؤولية والتزام وتبقى للتاريخ، والتاريخ لا يرحم كما يقولون.. لكن ذلك لا ينفي أني فعلا مقل شحيح الانتاج فهناك كسل وبيات وليس ارتيابا أحيانا بسبب ضغوطات الحياة والتزاماتها وأحيانا بسبب الإحباطات المتلاحقة.
* إذا طلب منك (جرد حساب) لنفسك قبل وبعد الاستقلال، فكيف تجرد؟
بعبارة واحدة (أنا حزين فقط حزين).
* لما الحزن؟
أحلامنا كانت عريضة، ولكن مع الموت المجاني لشعبنا لا يمكن أن نركن للأحلام، هذا شعب نبيل وجميل لا يستحق متاهة الفاقة والمرض والموت، لذلك أنا حزين.
*ماذا عن الساحة الثقافية في البلاد؟
هل قلت ساحة ثقافية؟ قل ركنا ثقافيا يا صديق.. هو بالأحرى منبر أو منبران، المهم هي مساحة صغيرة لكنها مجتهدة إذا ما قورنت بهيمنة السياسي الذي في أغلبه فطير وإقصائي لا يرى في الصوت الثقافي جدوى إلا لماما.. ولكي تكون هناك ساحة ثقافية حقيقية فلابد للسياسي أن يكون صاحب إرادة ورؤية وأفق واسع وأن يكون مبادرا وخلاّقا ومؤمن بأهمية النشاط الثقافي وأثره في التغيير الاجتماعي المنشود في التعبير عن الحس الوطني المشترك وأنموذج القومي المستهدف في السياق المتنوع الذي ننعم به وإدارة هذا التنوع يحتاج إلى عملية ثقافية حرجة ومعقدة ومعترف بها على أوسع نطاق لها القدرة على الوصل الي المراقي المشتركة والجذور الواحدة ومساحات القبول بحيث يجد كل شخص نفسه في المشهد الثقافي الوطني فيتصدى بذلك للواجبات الوطنية بكل جدة وهمة ومحبة.. نحن ننشد ببساطة ساحة ثقافية تعبر عن الناس وترتقي بهم.. وهذا ما لا يبدو موجودا إلا قليلا.. أما المنابر المرئية والسمعية فهي موبوءة بأمراضها من تقنية إلى معرفية.. إلخ وغارقة في سطحية تفرضها الجو العام.. تحتاج إلى ثورة حقيقية تخرج من سطوة المزايدة على الوطنية وما شابه إلى الفضاء المرئي والسمعي وهو فضاء لو يعلمون جميل.. أما الصحف وهي المناط بها صوت الثقافة في خضم هذا الفقر فهي غارقة في لغة الإقصاء السياسي.. إنني لا أنتقد من باب اليد التي في الماء البارد فيداي أيضا في النار، وأعرف أن في وجود هذه المنابر بارقة أمل لمستقبل مشرق وخالص تقديري للكثيرين من القابضين على جمر الثقافة في جلد وصبر ينتظرون فجرا قريبا.
* أشعارك لا تحتفي بالرموز الجنوبية؟
لا أدري إن كان سؤالك يتضمن اتهاما أم أنه عدم معرفة وفي الحالتين فلدي كتابات احتفائية بحسب تعبيرك وهي مهمومة في أرقى مظانها ومستوياتها بالرموز الجنوبية كالتي عن مجموعة الجنوبيين الذين رفدوا الثقافة المركزية في السودان الأم أمثال عبد المنعم عبدالحي الدينكاوي والأدباء أولاد عشري الصديق وهم شلك والفنان رمضان زايد النويراوي والفنان رمضان حسن الزانداوي.
ومن الرموز الجنوبية التي تستحق الاحتفاء السياسي الجنوبي البارز وأول من فاز في دائرة انتخابية في الشمال جوزيف قرنق كتبت عن سيرته وانتباهاته الباكرة للصراعات واشكالات النخب السياسية الجنوبية.. كما وكتبت عن الفنان يوسف فتاكي ووليم أندريا أيام الجاز في الخرطوم.. وبمثلما كتبنا عن جون قرنق كتبنا عن سانتينو دينق تينق.. وهكذا.. كما ولدي كتابات احتفائية أيضا بتعبيرك عن الشاعر السر أني كلويلجانق والشاعر القاص الأديب البروفيسور تعبان لوليونق وهي فعلا مقالات احتفائية برموز جنوبية... يا صديقي أنا أحتفي برموز بلادي، ولكني لا أحتفي بأحد من أجل الدعاية أو المزايدة أو تكريس التمييز..
* ألا تعتقد أن جدل الهوية يحسم برموز؟
جدل الهوية أساسا لا يحسم لأن الهوية صيرورة وإن كان لابد فيحسمه شيوع ثقافة القبول بالآخر.. لذلك ترى كثرة التعريفات الخاصة بالهوية لدى المشتغلين عليها محاولة منهم للاستمساك بأطراف المكونات المشكلة للهوية والمتشاكلة معها.. وعلى سبيل الاستدلال لك أن تتأمل جنوب السودان بعد الاستقلال والمجموعات السكانية التي شكلت مزاجه العام وكيف أنها تأثرت بالمكونات الثقافية واستشكالات الهوية التي تداخلت معها طيلة سنين النضال والتحرير بسبب التهجير والاغتراب والشتات.. هناك المجموعات التي عادت من الشمال من المعسكرات والأحياء والجامعات والمدارس ومدن الشمال وهي تحمل بذور تأثرها ثقافة ومعرفة وتفاعلا ولغة وانت تعلم ما يطلق عليهم من أوصاف قبل المجموعات الأخرى هم هنا في جدل هوية.. وهناك المجموعات السكانية العائدة إلى حضن الوطن وكانت قد استوعبتها المعسكرات ومدن شرق ووسط أفريقيا تشربوا بنية ثقافة شرق أفريقيا وطرائق التفكير فيها ونمط الحياة في تلك النواحي وكيف هي تحظى بأوصافها في صيرورة التلاقح الجديد.. هم أيضا في مطرقة جدل الهوية.. وهناك المجموعة المصرية أعني العائدة من مصر وطابع الحياة المصرية وكيف أنها تجتهد للتكيف مع هوية السودان الجديد.. وهناك المجموعات العائدة من الشتات الأوروبي والأمريكي والأسترالي وبعض مظاهر الحياة الغربية التي تحاول أن تحدث منبتا في جنوب اليوم.. وهناك المجموعات السكانية التي لم تهجر المدن الرئيسة طيلة سنين الحرب والتي تحاول الاستمساك بمكتسباتها.. وهناك المجموعات التي عزلتها الحرب في قراها طيلة هذه السنين.. ثم المجموعات العسكرية.. كل هؤلاء لهم سهم في سؤال الهوية الذي هو في أدنى تعاريفه أسلوب ممارسة الحياة.. والتي لا تمارس إلا من خلال تضاعيف الهوية ذاتها.. لغة وثقافة ودينا ونمطا وتأثيرا وهكذا.... فإذا أضفت الامتداد القبائلي الكبير الذي يتمتع به الجنوب وكل قبيلة دنيا من هوية.. وأضفت التقاسيم القبلية والجهوية التي تتميز بها جنوب السودان فأنت أمام حقيقة عدم الحسم هذه ما لم تتسع مواعين القبول بالآخر والتوافق على ما يجمع الناس لا ما يفرقهم.. وهي عملية معقدة ومركبة تحتاج إلى ارادة سياسية وثقافية هائلة وقوية تدير هذا التنوع وتستنطق جمالياته وتستوعب الهوية الفضفاضة التي تكونت بفعل المظالم وتقتحم كل هذه الجزر التي مررنا عليها وصولا إلى حسم جدل الهوية، إذا جاز.
* وأين يكمن الحل؟
في ثقافة القبول واستلهام تجارب الأمم والشعوب المشابهة التي تجاوزت إشكالات التنوع واحتكمت لشرائع ونظم حكم عصرية نجحت بذلك في خلق دول قوية ومتماسكة زاخرة بالتعايش والتقدم والرفاة كالهند مثلا..
* المثقفون الجنوبيون قليلو الإنتاج؟
المثقفون الجنوبيون مشكورون على إنتاجهم القليل هذا إذا كان فعلا كذلك مقارنة بفقر البيئة لأسباب موضوعية وغير موضوعية متمثلة في عدم وجود المؤسسات الرسمية التي ترعي المبدعين وقلة المبادرات الأهلية. المثقف الجنوبي يا عزيزي مواطن عادي يكدح ويكافح من أجل المعاش.. فكيف ينتج؟ انظر حولك واحسب عدد الصحف والمطابع والمسارح والصوالين والسينمات والمعارض والجمعيات والمهرجانات وغيرها.. فإذا زادت عن أصابع اليد.. لُمِ المثقف..
* كيف تختم هذا الحوار؟
شاكر لك أستاذ ديفيد وللصحيفة هذه الاستضافة الراقية وأتمنى لكم دوام التوفيق.
مشاركة في

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2276


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة