الأخبار
منوعات سودانية
في رواكيب الخيش والرائحة العطنة.. الحمار يأكل نصف دخل صاحبه.. في سوق العرب
في رواكيب الخيش والرائحة العطنة.. الحمار يأكل نصف دخل صاحبه.. في سوق العرب
في رواكيب الخيش والرائحة العطنة.. الحمار يأكل نصف دخل صاحبه.. في سوق العرب


07-10-2016 12:03 PM
شمبات: عبد الجليل سليمان
أن تطلق على متجرك اسم (البلوشي ون) ولا تحتاج إلى لافتة لإعلان ذلك، هذا لا يحدث إلا في سوق العرب بشمبات، وأن تأتي أحداهن إلى قصاب شاب بجرأة (وقوة قلب) لتشتري (نص) رُبع كيلو من لحم البقر، هذا حدث أيضاً في ذات المكان، وهنا في سوق العرب تصطف رواكيب الخيش التي من لدنها يباشر البائعون والبائعات من الرجال والنساء والولدان أعمالهم في السادسة صباحاً، وما إن يُنادى عليهم أن حيا على صلاة الظهر حتى يغلقون، ولا يعودون مرة أخرى لأن السوق أغلقت أبوابها.
على غير عادات وتقاليد أسواق الأحياء والأزقة السودانية يستعصى سوق العرب على الضجيج، وينفتح على هدوء يلقن إلحاح البائعين وثرثرة المشترين في الأسواق الأخرى درساً مفادة (إن في الصمت تجارة أيضاً)، سكينة سوق العرب الضاربة بأطنابها عليه ربما تنزلت عليه لأنه سوق دون (أرجاء) لذا من العسف أن أكتب عبارة (تجولنا في أرجائه)، حيث يرمي السوق بنفسه في مساق منفرد غرب شريط إسفلتي بائس ورقيق الحال حد أن طين (مطيرة واحدة) أحاله أرضًا سبخة، ولكن رواكيب الخيش والنساء والفاكهة العطنة ونص ربع لحم البقر والزبائن من بسطاء أهل البلاد يقتاتون بهدوء قاتل من متن سوق العرب منذ ثلاثين سنة ونيف ولا يزالون يحملون (تُمُن كيلو لحمة) ويؤوبون إلى صغارهم باسمين، فهل يرضى بهم الهم وهم راضون عنه، أم ينفر منهم لأنهم لا يستحقونه حتى.
(1)
ويظل محمد جبريل الخضر، الجزار، واحدا من أهم قوائم سوق العرب الذي عندما دخلناه كانت العاشرة صباحا تدق، وما تبقى من لحم معلق على (شناكل) جزارة ود جبريل لا يتجاوز الكيلو إلا قليلا، وهنا الناس تأكل أولادها (بدري)، ويبيعون بدري، ويغلقون بدري، ولم التأخير كلها ربع كيلو، أو نصف ربع، وكوم خضار بحجم قبضة يد صبي لم يبلغ الرشد بعد، وفاكهة بجنية، قال بائعها إنه كثيرا ما يقسم كومها إلى نصفين حتى يتسنى للناس الشراء بخمسمية، إنه سوق العرب.
وقال (محمد جبريل) إن السوق لم يبق من مؤسسيه الخضرجية والجزارين الذين تواطأوا على إقامة البيع والشراء فيه عام 1973م، أحد على قيده، فمنهم من قضي نحبه ومنهم من لزم بيته، لكن لا يزال بهم حنين وبعض لهفة إليه. وأضاف مؤسسو سوق الخضار ماتت أغلبيتهم، أما مؤسسو الجزارة فــ (فرتكوا)، وأذكر منهم محمد علي، علي الإمام، بت مدينة، بخيتة حسن، خديجة عيسى، عبد القادر عبد الله، علي الإمام، حبيب حسن وكثيرين تحفظهم ذاكرته المتقدة، لكن لا تسع مساحتنا لـ (قيقاتها) العظيمة يا محمد جبريل، فدعنا نغادرك كيما نتوغل أكثر.
(2)
في منتصف السوق تقريباً وقف (كشك) مثل قفص، في منتصفه انتصب دليلنا إلى السوق الجزار (حسن علي الإمام) بينما في الخارج امرأة زبونة، يرفع الأمام ساطوره عالياً ليهوي به على أم حفنة لحم داخلها (حبة) عظم، يجهد نفسه إجهادا لا يتناسب مع الطلب، أو هكذا ظننت بكل سوء لكني بؤت بخيبة فبلعتها وسألته، كيف تبيعون؟
قال، بيعنا معظمه ربع ونصف ربع، ولأن الجزارين حصيفون، لاحظ (الأمام) أن بادرة دهشة تكاد تخرج من تقاطيع حاجبي فقرر إيقافها، ربما كسباً للزمن، إذ نحن نضيعة دون أدنى (شرتيت)، فـ (واصل): كل شيء هنا رخيص ولأن السوق قام أساساً لنا ولهم فإننا هنا نبيع كل شيء بأي سعر، لا نتوقف كثيراً مع الزبائن - ثم باغتني - أقول ليك حاجة، مش رطل السكر بقى بـــ 1400 في البلد كلها، هنا ما فات الــ 1200، أها رأيك شنو؟!
(3)
انصرفت دون أجيب، ولو أجبت لقلت، الله ورسوله أعلم يا (ود الإمام)، توقفت أمام راكوبة حليمة بائعة الخضر، وكأني أقف على أطلال كتاب المطالعة القديم بين سطور حليمة بائعة اللبن، وقفت هنا وقوف (شحيح ضاع في الترب خاتمه)، وقالت حليمة إنها لم تغادر البيع في راكوبتها هذي منذ ثلاثة وعشرين عاماً، تبيع الخضار بالكوم، وقالت إن البيع بالكيلو (الممحوق) دخل سوقهم حديثاً، وكوم خضار حليمة لا يتجاوز الألف ألفين، كما قالت، وكما شهدنا. ورغم هذا البيع الذي يأتي كالطيف، إلا أن المحلية استدركت على ما يبدو أن حصالتها خاوية منه، ففرضت (ألفين، تلاتة) رسوم شهرية على حليمة وصويحباتها، ورضين بقسمتهن، ولا سبيل سوى ذلك.
إلى جانب حليمة جلست هادئة ومتزنة على (بنبر) مهترئ، قليلاً إلى الوراء من صاحبتها، تبيع الخُمرة والدلكة والبخور في أكياس بذات قبضة الصبي، ولا تدخل امرأة يدها في (محفظة) أو رجل يده في جيبه إلا لجنيه واحد لا يزيد، لكن يمكن أن ينقص، إنها الحاجة (حرم حسن جمعة) تأتي صباحاً (دُغش) من أقصى السامراب شمال، تحمل عطرها إلى سوق العرب لتتضاعف مساحة السكينة والفرح في هذا الزقاق النائي والمختلف.
(3)
تربيزة ما إن رأيتها حتى جاءتني ذاكرتي بعبارة (من سنة دو)، ثم تساءلت لماذا أضحت سنة (دو) هذه بداية لتاريخ السودانيين، وهل دو تعني (إثنين) كما في الكوتشينة أم شيء آخر، وأعود مجدداً إلى تربيزة الفكهاني (محمد أحمد عبد الرحيم)، ولأن الناس هنا في سوق العرب لماحين ويقرأونك برهة خاطفة، بادرني لما لاحظ أنني أتفرس أكوام فاكهته بـ (عجب)، قائلاً، أخوك (محمد) متخصص فاكهة، ثم أطلق ضحكة حسيرة. وواصل: الفاكهة الطازجة دي اشتريها من المركزي بالكرتونة وأبيع كومها بجنيه، نظرت إلى أكوام من الموز، البرتقال، العنب، البلح الرطب، الجوافة، وكنت حينها أتأمل قوله (طازجة)، ربما كان يريد أن يشتت كرة تركيزي، كيما أقول (تالفة) فدهمني كرة أخرى، عارف يا أستاذ نحن نبيع بنظام قدر ظروفك، الما عندو جنيه يدفع خمسمية ونقسم ليه الكوم، والما عندو الخمسمية يشيل ساي ويمشي، فمشيت دون أن أشيل شيئاً، وحزنت على (تالف) وصفي لفاكهته فسعرها (تالف) أيضاً، وسوق العرب يتسع لكل شيء ويهزمك دون مقابل.
(4)
كنت تركت ذلك الرجل السبعيني في مبتدأ السوق، لأعود إليه في ختام خبري، ولأن الوقت تسارع، خشيت أن يُؤذن للظهر فيسدل السوق أستاره، وقررت الرجوع إلى ذاك الرجل، وأنا أمضي أمام (دكان) النجار بخيت مساعد، الذي أضحى يشتغل صيانة وبس، بعد أن ملأ المستورد من الأثاث الهش سوق ألله أكبر، وأصبح شغل النجارة معه (ما جايب حقو) أو كما قال، وبينما كان بخيت النجار يودعني، رأيته على ظهر كارو، يحمل كرباجاً ويبتسم، فقررت أن أحل طلاسم العلاقة بين الكرباج (والبسمة) عند العربجي (أحمد محمد حسن) الشهير بأب شنب، وأب شنب ظل يدأب على كونه عربجي في سوق العرب منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كان حينها يصحو من (دغش الرحمن) وينهض من سريره الذي في أم ضُبان (أم ضواً بان) في رواية أخرى، و(عرررررت) يشق المسافة إلى سوق العرب، الآن يترك حماره بعد أن يزيح الكارو من على كاهله ويطعمه ويسقيه بنصف دخله اليومي، وبالنصف آخر يأكل هو وعياله، الآن أضحى يترك الحمار هنا ويأتي راكباً (العربيات)، قال أب شنب، دي شغلتي وما بعرف غيرها، بشيل الأسمنت والرملة من المغالق وبوديهم الحلة، يوم ألقى ويوم ما ألقى، لكني في المتوسط كدا بدخل بين 15 و10 ج، الحمار قش ساكت يأكل نصهن، ياكلن جت عليهن، وبعد دا بديهو عيش، لأنو لو ما أكل عيش ما بجُر، والنص الباقي لي وللأولاد، والحمد لله.
(5)
وفي مبتدأ السوق ومنتهى (جولتي) فيه، كان مسك العم حسن وقيع الله أبو زيد (الخضرجي)، الذي تاخم عمر الثمانين بحسب (تقديره)، ورغم ذلك ألح عليَّ أن أبحث له عن (مرا صحفية) وعدته بذلك، أليست فيكن امرأة للعم (حسن) أيتها الزميلات؟
قال إنه في سنة بعيدة لا يتذكرها عمل راعياً لماشية الخواجة (كردمان)، بيومية بلغت من الملاليم ثلاثة عشر، واحد يحُك الآخر. وأضاف: سرحت بالبهائم سنوات، ولما رحل (كردمان) سرحت ببهائم ناس السيد عبد الحميد المهدي، وبعت اللبن بقرش وبتعريفة في حلة حمد. واستدرك: الزمن داك ما كان في شعبية ولا يحزنون، وكان سماد الزراعة (ماروق سااي) بندفنو وتجي الكراكة تمرقوا وبعدين يجوا ناس كافوري يشتروا، ما ياهو دا ذاتو السماد. لم أفهم شيئاً لكنني قررت أن أكتب كما قال، فهناك من يفهمون لغة عصر كافوري وكردمان وسماد (الماروق).
ورغم سنواته الثمانين يأتي العم (حسن) إلى سوق العرب بشمبات من مسقط رأسه، وأوتاد بيته (المكجوجة) في أم ضريوة شرق، مبكراً على ظهر حمار، لأنه تعود عليه أكثر من (العربيات)، والعم (حسن وقيع الله) الذي هو يبيع الخضار في سوق العرب حالياً، ويبحث عن (عروس) من بين ظهراني الصحف، عمل في مهن كثيرة منذ أن عرف متعة الأكل من عرق الجبين فتنقل بين راعٍ وبناء، وبائع لبن، وعامل محرات، إلى أن تقاعد خلف ترببزة خضار في سوق العرب يبيع منها إلى زبائنه على طريقة قدر ظرفك.
(6)
ألست أنت يا عم (حسن) خير ختام لجولة في سوق العرب، ليس علي أن أزيد، طويت أوراقي بعناية لأول مرة منذ أن تعلمت الذهاب إلى الأسواق بصفتي صحفياً، ثم قذفت بالقلم بين طيات الطين السميكة التي طغت على (زلط) السوق واستكبرت استكباراً، انصرفت وأنا أقول لو كنت سميت متجرك (البلوشي زيرو)، لكنت أصبت يا الطيب الصديق، لأنك هنا في سوق العرب.

اليوم التالي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1944

التعليقات
#1486441 [ال يحيى]
0.00/5 (0 صوت)

07-11-2016 09:50 AM
ضيعت لي زمني

[ال يحيى]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة