الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
شخصيات قصصية تروم الخلاص من عذابات الإهانة والقهر
شخصيات قصصية تروم الخلاص من عذابات الإهانة والقهر
شخصيات قصصية تروم الخلاص من عذابات الإهانة والقهر


07-13-2016 03:55 PM
قد تترك حالات إنسانية مقهورة الأثر البالغ في النفوس، وتتعدد صورها وطبيعتها، خصوصا في ظل ظروف قاسية ومرعبة، كالتي تعيشها سوريا اليوم، في زمن التقتيل والتهجير والتشرد، هذه الأوضاع نقلتها العديد من الأقلام بأساليب مختلفة، وفي قصص متعدّدة كانت شاهدة على معاناة الإنسان العربي؛ فأمام انتفاء مشاعر المحبة والرحمة، لن نجد سوى الحقد والكراهية والظلم والتعدي على الحرمات.

العرب عبدالناصر عيسوي

تحمل المجموعة القصصية الموسومة بـ”الهروب إلى الأمام”، للكاتبة السورية ماري تيريز كرياكي، والتي تضمّ تسع قصص قصيرة، رؤية إنسانية بالغة الحزن على إنسان هذا العصر، كما ظهر ذلك من قبل، في مجموعتها الأولى “المنطقة الرمادية”، وهذه المجموعة هي الثانية للكاتبة، التي عاشت طفولتها ونشأتها في دمشق، حتى نهاية دراستها الجامعية، والآن تقيم في فيينا منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي.

وإذا كانت كرياكي قد كتبت قصص هذه المجموعة في فيينا حيث تعيش، فإنها مهمومة بقضايا الإنسان العربي، وبتركيبته الاجتماعية، وبعُقد الخوف والنقص فيه، والتي أوصلته إلى حالة ميؤوس منها في الكثير من الأحيان.

في هذه المجموعة، الصادرة عن دار الحضارة، تواصل كرياكي كتابة فنها القصصي، بلغة تميزت بسلاستها المعهودة، وبتقنيات جعلت قصصها كأنها مونولوجات طويلة لإنسان مطارد. ولم تخرج قصص المجموعة كلها عن الهمّ السوري الحالي، فالإنسان السوري إما أن يكون واقفا أمام المحقق أو في السجن، وإما في مخيم ينتظر سيارة الإغاثة التي تحمل الغذاء.

أنثى مقهورة

وسط هذه المواقف التي تشتد فيها معاناة أفراد الشعب السوري، تظهر السلبيات التي هي أساس الأحاسيس المريرة التي يحسون بها. وإذا أخذنا قصتها “الخروج من الجسد” مثالا، فسنجد أنها مثال صارخ للتعامل العربي مع الأنثى واختصارها في جسد للمتعة وللإهانة، وهي السلبيات التي تعاني منها الفتيات منذ نعومة أظفارهن إلى أن يصرن أمهات، مهما فعلن من تغطية لأجسادهن، وهو ما يضع قارئ القصة في موقف مناهض لأصحاب النظرة الشهوانية للمرأة والاعتداء على حقوقها، والذين لا يراعون الجانب الإنساني فيها، الجانب الأكثر إنسانية وتضحية وعاطفة وسموا ورقيّا، والذي لا يدركه هؤلاء الذئاب.

فالشخصية الأساسية في هذه القصة امرأة زوجها غير قادر على الحركة لأنه مصاب بطلق ناري، وموجود داخل خيمة الإيواء، وقد لبست المرأة ملابس تخفي كل معالم جسدها، وحملت طفلها الصغير بين ذراعيها، وذهبت للوقوف في طابور طويل بانتظار سيارة الإغاثة التي توزع الأغذية على أهالي المخيمات، فيقف خلفها أحد الأشخاص ملتصقا بجسدها كله.

بصيص من الأمل

تحاول المرأة التخلص منه دون جدوى، ولا تستطيع أن تفتح فاها حتى لا تحدث مشكلة تضيّع عليها فرصة الوجبة الغذائية التي تحتاجها أسرتها، وكلما تصاعدت حدّة المعاناة تصاعدت حدّة شبق الذئب البشري، وظلت المعاناة مستمرة حتى حصولها على الوجبة، بعد أن صارت تتمنى خروج روحها من جسدها الذي سبب لها الكثير من المتاعب طوال عمرها؛ منذ طفولتها وخلال سنوات الدراسة، فلا يراعي ذئاب البشر حاجاتها الروحية والنفسية، ويظل المونولوج الحزين مستمرا ومستدعيا كل الآلام والإهانات التي عاصرتها صاحبة هذا الجسد.
ولم تكن الرؤية الأدبية تسمح بذلك إلا إذا كانت تنبئنا بأن هذه المعاملة للمرأة لا تخفت في أوقات الأزمات، وإنما تصل إلى أشدّ درجات الانحطاط لأنها سمة متأصلة في التعامل مع المرأة.

قصص تحمل هموم الإنسان العربي


أما القصة التي اتخذت المجموعة عنوانها “الهروب إلى الأمام”، فشخصيتها امرأة بدينة، أدخلوها السجن وهي تهذي بكلمات غير مفهومة، وكانت ترفض الطعام، إلا من يد راوية القصة.

ولما أراد وفد الأمم المتحدة زيارة السجن حاولوا إخفاءها عن الأعين، في غرفة منسية، فصارت هادئة حين أبعدت عن أنظار السجان، ولما اندهشت الراوية من هدوئها سألتها عن السر، فردت المرأة بصوت هادئ “لم يكن أمامي للخروج من جحيم المراكز الأمنية والنجاة من مرارة العذابات التي تعرضتُ لها، والتي كنت حتما سأموت منها في نهاية المطاف كما ماتت العديد من زميلاتي، إلا أن أكون مجنونة”.

وعلى الرغم من مرارة الأحداث التي يمر بها الإنسان السوري؛ يظل هناك شيء من الآمل، حيث مازال في هذا الشعب من يؤمن بالحب وقضيته، حتى لو كان من بين العناصر الأمنية. ففي آخر المجموعة قصة بعنوان “حب في زمن الهزيمة” حيث اقترح مسؤول أمني كبير القبض على فتيات العائلات التي شارك شبابها في الثورة، وجمعهن عاريات، مجردات من كل ملابسهن، حتى يكسر كرامة تلك العائلات.
وأمر الضباط بالسير أمامهن والنظر إليهن كما كان يُفعل في أسواق النخاسة، ولكن شابا في العشرينات من عمره اسمه حسن لم يتقبّل ذلك، إذ ارتجف أمام هذا الموقف، ووقع في قلبه حب فتاة غاية في الجمال تدعى قمر، وقد سلبت عقله، فقال لها لا تخافي.

وحين تم نقل السجينات إلى مكان آخر، انتهز حسن الفرصة وقام بتهريبها، وهربا معا إلى تركيا، ثم جاءت الأخبار بأنهما تزوجا، وسطرا قصة عشق تجاوزت كل الحواجز.

أعتقد بأننا لسنا في حاجة إلى أن نقول إن الإنسان لا يحتاج في هذا الزمان إلا إلى قلوب تعرف الحب، فالحب هو المخلّص من تلك الآلام التي يعانيها الإنسان السوري، بل يعانيها معه كل بني الإنسان.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 23354


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة