الأخبار
أخبار إقليمية
الحلقة المفقودة في مسار الثورة الوطنية الديمقراطية و تنظيم قواها الإجتماعية (7)
الحلقة المفقودة في مسار الثورة الوطنية الديمقراطية و تنظيم قواها الإجتماعية (7)
الحلقة المفقودة في مسار الثورة الوطنية الديمقراطية و تنظيم قواها الإجتماعية (7)


التحولات في تركيبة الطبقة العاملة نتيجة تدمير و خصخصة مؤسسات الشعب
07-14-2016 11:20 AM
الهادي هباني

مساهمة لإثراء الصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي السوداني في إطار التحضير للمؤتمر السادس
الطبقة العاملة:
أما علي مستوي الطبقة العاملة فقد تضافرت عدة عوامل لإضعافها و تصفية مواقعها و قياداتها خلال سلطة يونيو الديكتاتورية المتأسلمة أحدثت تغيرات كبيرة في تركيبتها و بنيتها الطبقية تطرق لها أيضا التقرير السياسي المقدم للمؤتمر السادس بتفصيل غير مخل و نشير لاهمها فيما يلي:
أولا: الإستهداف المنظم و الممنهج لسلطة يونيو 1989م الديكتاتورية المتأسلمة للطبقة العاملة من خلال تصفية قياداتها باعتبار أنها كانت (و لا زالت) تمثل، ليس فقط مرتكزا راسخا لبناء تنظيمات نقابية قوية لها إرثها في النضال الجماهيري، بل أيضا باعتبارها منبرا فاعلا لبناء حركة سياسية فكرية مناضهة لخط التطور الرأسمالي في بلادنا و تبني خط التطور الوطني الديمقراطي بأفقه الإشتراكي، و مرتبطة تاريخيا بنضال الحزب الشيوعي السوداني و قوي الثورة الوطنية الديمقراطية و شعاراتها، و تشكل تهديدا إجتماعيا و ثوريا لكل الأنظمة الديكتاتورية (عسكرية كانت أم مدنية) التي تعادي قضايا الشعب و تعيق تطور و نمو قواه المنتجة. و لم يشمل هذا الإستهداف الممنهج قيادات الطبقة العاملة فقط، بل شمل أيضا تدمير مواقع تركزها كجزء من عملية الاستهداف و التخريب الممنهج، ليس فقط للطبقة العاملة، بل للنقابات عموما بهدف تصفيتها و عزلها و إضعاف دورها في العمل السياسي و التغيير الإجتماعي. و قد تمثل ذلك فيما يلي:
1- تصفية قطاع الدولة في القطاع الخدمي و تدميره و علي رأسه السكة حديد و تشريد العاملين فيها باعتبارها أحد أهم مواقع الطبقة العاملة التي كان لها تأثير قوي في العمل النقابي و التغيير الإجتماعي الأمر الذي أدي إلي إنخفاض عدد العمال في هذا القطاع. ففي السكة حديد لوحدها مثلا انخفض عدد العمال من 30 الف عام 1986م إلي 11 ألف عام 2007م أي بنسبة 173%. بالإضافة إلي تصفية وتشريد العاملين في النقل الميكانيكي والمخازن والمهمات و الري و الأشغال والعاملين بمشروع الجزيرة والمؤسسات الزراعية الأخرى و كافة مواقع الطبقة العاملة في القطاع العام.
2- خصخصة العديد من مؤسسات القطاع العام التي كانت تمثل مواقع للطبقة العاملة و إعادة هيكلتها و بيع أسهمها للطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة و حلفائها من الرأسمالية الإسلامية في الداخل و الخارج و طرحها للتداول في سوق الخرطوم للأوراق المالية، و فصل و تشريد أعداد ضخمة من العاملين فيها. فقد بدأت سوق الخرطوم للأوراق المالية نشاطها في السوق الثانوي عام 1995م بعدد 34 شركة مدرجة من شركات القطاع العام التي تمت خصخصتها و تبلغ حاليا 60 شركة حسب البيانات المنشورة في موقع سوق الخرطوم للأوراق المالية.
3- تدمير القطاع الصناعي و الزراعي الخاص و المشترك نتيجة لسياسات الدولة الإقتصادية الخاطئة و تطويقها بحزمة من الضرائب الباهظة و الرسوم و الأتوات بجانب ارتفاع تكلفة التمويل من القطاع المصرفي الذي توجه إلي تمويل القطاعات الاستهلاكية غير المنتجة و انحرف عن تمويل القطاعات الإنتاجية مما أدي إلي مضاعفة تكاليف الإنتاج. و قد عمق من ذلك عجز الدولة التام عن اتباع سياسة نقدية تضمن تدفق العملات الصعبة تساعد علي نمو التجارة الخارجية مما خلق سوق موازية لتجارة العملة يتحكم فيها المتنفذين من رموز المؤتمر الوطني و أجهزته الأمنية و الاستخباراتية. فقد وصلت درجة إتساع السوق السوداء للعملة إلي أنها أصبحت توفر 60% من فاتورة الاستيراد الأمر الذي أدي لمضاعفة تكاليف الإنتاج في هذا القطاع أيضا. هذا الواقع أدي لتدمير صناعات وطنية راسخة كصناعة النسيج مثلا و تشريد العاملين فيها و أدي إلي توقف الغالبية العظمي من المصانع الخاصة و المشتركة و تشريد العاملين فيها أيضا، و إلي تدهور صناعة السكر لمستويات أصبح فيها السودان، بدلا من تحقيق الإكتفاء الذاتي من هذه السلعة الإستراتيجية و تصديرها، إلي مستورد للسكر. و قد بلغ حجم المصانع المتوقفة عن العمل حوالي 60% من إجمالي عدد المصانع المرخصة و المشيدة نتيجة لعجز الطاقة و الضرائب و الرسوم و الجبايات التي لا طائل لها. و حتي المصانع العاملة تعمل فقط بما يقل عن 30% من طاقتها الإنتاجية. كما أدي هذا الواقع المرير أيضا إلي إضعاف الصناعات الأخري القائمة بالذات صناعات الأسمنت و الصابون و الأغذية و زيوت الطعام و غيرها من الصناعات و تحويل العاملين فيها إلي جيوش لا حصر لها من فاقدي العمل و الباحثين عنه.
4- و علي الرغم من ظهور صناعات جديدة أخري بجانب صناعة السكر، كصناعة البترول و التعدين، الصناعات التحويلية (كصناعات المعدات الثقيلة، الحديد و الصلب، الألمونيوم، النحاس و الكوابل، المواسير المعدنية و البلاستيكية، الأجهزة الكهربائية، و الملبوسات الجاهزة)، إلا أنها جميعا تواجه نفس الأزمات التي يعانيها القطاع الصناعي مما أفقدها قدرتها علي استخدام طاقتها القصوي و علي منافسة السلع المستوردة نتيجة لإرتفاع تكاليف الإنتاج مع عدم وجود حماية من الدولة للمنتجات المحلية مما أدي في نهاية الأمر إلي تشريد أعداد ضخمة من العمالين فيها.
5- أدت الهجمة الشرسة المنظمة التي شنتها سلطة يونيو الديكتاتورية علي النقابات و علي قياداتها، و الهيمنة عليها و إعادة هيكلتها و تحويلها لمؤسسات و كيانات مستأنسة تخدم مصالح السلطة و تضمن بقائها، أيضا إلي إضعاف الطبقة العاملة و شل حركتها و فعاليتها و العمل علي تغبيش وعيها الطبقي والسياسي و الغاء دورها الثوري في التغيير الأجتماعي بالعمل الممنهج و المدروس علي تفتيت و تذويب قضاياها الطبقية و المطلبية تحت ظل قانون نقابة المنشأة الذي ألغي هيكل النقابات الفئوية المقيدة بلائحة البنيان النقابي بهدف تفتيت الصراع الطبقي و تغبيشه باعتبار أن قانون نقابة المنشأة يجمع بين الوزير و الغفير في نقابة واحدة برغم التباين الطبقي و الإجتماعي و الإختلاف في قضايا النضال المطلبي. و ليس غريبا في ظل هذا القانون أن يكون مستشار رئيس الجمهورية الأسبق و وزير الخارجية الحالي و رجل الأعمال المرموق هو رئيس إتحاد نقابات عمال السودان.
6- علي الرغم من أن حملات التشريد المنظمة للقيادات العمالية و النقابية وإعاقة توظيفها للعمل في القطاع الخاص و إجبارها علي الهجرة أو العمل في أنشطة هامشية غير منظمة في المدن بهدف إضعاف الطبقة العاملة و الحركة النقابية عموما، قد أدي إلي حرمان الطبقة العاملة من خبرات ثورية متمرسة في العمل النقابي، إلا أنه و بجانب مصانع السكر الست فلا زالت الصناعات الجديدة التي نشأت في مجال الأسمنت، البترول و التعدين، و الصناعات التحويلية المذكورة سابقا تستوعب قدرا مقدرا من الطبقة العاملة التي لا غني عنها. بجانب انتقال جزء من الطبقة العاملة التي تم تشريدها للعمل في ورش المناطق الصناعية الخاصة بمختلف تخصصاتها، و في مناطق التعدين الأهلي و غيرها من القطاعات الصناعية غير المنظمة تحت ظروف عمل قاسية بدون حماية لأبسط الحقوق العمالية و المدنية تمثل موقعا مشتعلا للصراع الإجتماعي و الطبقي. و علي الرغم من أن معظمها عمالة تفتقر الخبرات الكافية في العمل النقابي إلا أنها ستكتسب و تراكم خبراتها و تجاربها الخاصة في خضم نضالها اليومي من أجل العيش الكريم و مواجهتها لقضاياها المطلبية متمثلة في الحد الأدني للأجور، التأمين الصحي، التعليم، الرعاية الإجتماعية، التدريب، و و عدم توافر الاستقرار الوظيفي و ملاحقة شبح الفصل و التشريد من الخدمة و كذلك من خلال ارتباطها اليومي بالقضايا المطلبية للقطاعات الجماهيرية الأخري كالمزارعين و المعلمين و الأطباء و غيرها. فالنقابات كما قال الراحل محمد إبراهيم نقد موجودة برغم الحصار و الهيمنة عليها من قبل سلطة يونيو الدكتاتورية و ستنهض في خضم الصراع الطبقي و إشتداده و مع نهوض حركة جماهير و اقترابها من الإصطفاف الموحد و الإنتقال للفعل الثوري. و هو ما أكده واقع النهوض الجماهيري الذي صاحب إنتفاضة طلاب الجامعات في أبريل 2016م المتمثل في نهوض نقابة الأطباء، المحامين، الصيادلة، أساتذة الجامعات، و غيرها من المستويات الجماهيرية و المهنية.
فوجهات النظر التي تُرّوِّج لضعف الطبقة العاملة و انحسارها و عدم قدرتها علي لعب الدور الريادي في مسار الثورة الوطنية الديمقراطية هي في الحقيقة تُعبِّر عن ذات التيارات الساعية لعزل الحزب الشيوعي عن الطبقة العاملة و الحركة الجماهيرية عموما و تحويله لحزب برلماني لبرالي، و تري في النموذج اللبرالي الغربي في ظل عصر العولمة تحت هيمنة القطب الواحد الذي فرض أحادية فكرية و سياسية تدعي أنها الصواب و أنها تمثل نهاية للتاريخ متأثرة بعرَّاب الفكر الليبرالي الرأسمالي الجديد فوكوياما و تُرَكِز في سبيل تبرير موقفها الفكري علي الحقوق المدنية و العمالية و احترام حقوق الإنسان و الامتيازات التي حصل عليها العمال في البلدان الغربية و ارتقاء قدراتهم علي الإنتاج و الإبتكار، و كذلك ارتقاء مستوياتهم المعيشية و تجدد حاجياتهم و أنماطهم الإستهلاكية في عصر العولمة و ما يشهده من تطور تقني و صناعي و ثورة في وسائط تكنلوجيا المعلومات و غيرها من المجالات. غير أنه من الثابت أن تلك الحقوق و الإمتيازات التي حصل عليها العمال في الدول الرأسمالية الكبري لم تقدم لهم كهبة أو منحة أو تأتي لهم دفعة واحدة علي طبق من ذهب و إنما جاءت عبر مسيرة طويلة معقدة من النضال العمالي تحت قيادة الإتحاد العالمي لنقابات العمال و منظماته التابعة في تلك البلدان و الذي شغل الشهيد الشفيع أحمد الشيخ و الراحل إبراهيم زكريا أعلي مراكزه القيادية. فقضية ضعف الطبقة العاملة في ظل تباين التركيبة الطبقية و الإجتماعية لنسيج المجتمع السوداني و تعدد أنماط علاقات الإنتاج السائدة فيه قضية اكتشفها الحزب منذ بواكير نشأته و لذلك فقد طرح الحزب برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية التي ستقود بلادنا لبناء مجتمع صناعي زراعي متقدم يشكل فيما بعد الأساس المادي للإنتقال للإشتراكية و رفض كل الإتجاهات الداعية لتخطي المراحل و التآمر علي التاريخ و فرض قوالب إشتراكية جاهزة و جامدة علي واقع بلادنا. و لعل من الأسباب الرئيسية التي أدت لفشل التجربة السوفيتية هي تبني برنامج ستالين الذي ضرب بالظروف الطبقية و الإجتماعية و تعدد علاقات الإنتاج السائدة في روسيا آنذاك عرض الحائط. فكما قال الراحل محمد إبراهيم نقد عن ما عرف تاريخيا بالسياسية الإقتصادية الجديدة (النيب) التي طرحها لينين و ألغيت علي يد ستالين عام 1927م و تضمنت علي دور استراتيجي للقطاع الخاص في التنمية، و أن لينين كان مدركا لظروف روسيا و اختط لها برنامجا خاصا أصيلا تنتقل به بالتدريج نحو الاشتراكية و لو أن الحزب البلشفي تقيد بذلك البرنامج لكان بالإمكان تفادي المآسي و الخسائر التي تسبب فيها برنامج ستالين (نقد، كيف حاصر الجمود أطروحات ماركس و أنجلز عن الإشتراكية، 2002م). و يواصل نقد في نفس الوثيقة في القول بأن المفهوم المادي للتاريخ لم يكن اكتشافه حكرا علي ماركس و أنجلز بل أنهما إعترفا بأن ان العالم ل.ه.مورقان (1818-1881م) قد توصل له قبلهما من خلال دراساته للمجتمعات القديمة و علوم الآثار و الأجناس. و قد استند أنجلز علي نتائجه في كتاب أصل العائلة ، و أن ابن خلدون في مقدمته (قبل أربعة قرون) قد توصل للعناصر العلمية الأولية للتفسير المادي للتاريخ.
فبرنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية في حقيقة أمره لا يعتبر برنامجا إشتراكيا و إنما هو خط للتطور غير الرأسمالي يفتح الطريق علي مصراعيه لنمو القوي المنتجة و تطور وسائل و تكنلوجيا الإنتاج و يفرض علاقات إنتاج جديدة في المستقبل تصب في مصلحة شعبنا و مصلحة القوي صاحبة المصلحة في إنجاز برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية و التي تضم في داخلها العمال، المزارعين، الديمقراطيين و المثقفين الثوريين، و الرأسمالية الوطنية المنتجة). فللقطاع الخاص الوطني المنتج الذي يلتزم بمسئوليته الإجتماعية في حماية البيئة وحماية المستهلك وحفظ حقوق العاملين و محاربة الفساد يُشكل أحد الدعامات الرئيسة لعملية التنمية الوطنية الديمقراطية. و أن سياسات الدولة المالية والنقدية في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية تحارب النشاط الطفيلي و تنحاز للمنتجين المحليين و توفر الحماية للمنتج الوطني من المنافسة غير المتكافئة مع السلع المستوردة. فالحزب الشيوعي السوداني لا يملك قوالب جاهزة للإشتراكية و أن الشعب السوداني، كما قال الراحل محمد إبراهيم نقد و ما ورد ضمنيا في مسودة برنامج الحزب المقدم للسادس، سيبني في المستقبل إشتراكيته المتوافقة مع سماته و تقاليده و موروثاته الخاصة. و بالتالي فإن برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية يمثل دور تاريخي من المفترض أن تلعبه البرجوازية السودانية و لكن لأنها طبقة ضعيفة في تركيبتها و بنيتها ظلت حبيسة لنمط الإنتاج التقليدي و لم تتمكن من الولوج في مجالات الإنتاج الحديث المتطور كثيف رأس المال و كثيف التكنلوجيا علي شاكلة البلدان الرأسمالية المتطورة في الغرب و غيرها من البلدان التي سارت علي النهج الرأسمالي كاليابان و سنغافورة و تايلاند و الهند و ماليزيا و البرازيل و تركيا و غيرها. و لم تساعد بالتالي علي تحقيق نمو في قوي الإنتاج و الارتقاء، ليس فقط بقدراتها التقنية و الفنية و الإنتاجية، بل أيضا بتطوير و تنويع و تجديد حاجياتها و بارتقاء إنماطها الإستهلاكية. فبينما يري الفكر الإقتصادي الرأسمالي الكلاسيكي و الحديث معا أن الإستهلاك يمثل الهدف و الغاية الوحيدة للإنتاج ينظر الفكر الإقتصادي الماركسي للاستهلاك في علاقته الجدلية بالإنتاج، حيث يري ماركس أنه لابد من دفع القوة الشرائية للعمال لتزيد من الإستهلاك وحتى لا تحدث أزمات أو إفراط في الإنتاج, و أن الاهتمام بالاستهلاك لا يقل أهمية عن الاهتمام بالإنتاج، فالحقيقة أنهما متكاملان، فمهمة الإنتاج تتمثل فى خلق السلع اللازمة للإستهلاك فى حين أن مهمة الاستهلاك الأساسية تتمثل في خلق الحاجات بمعنى الغرض من الإنتاج. و لذلك فإن الفكر الإقتصادي الماركسي اهتم، ليس فقط بحجم الاستهلاك، بل أيضا بأنماطه. و هو ما توصل له قبل ذلك إبن خلدون. و كما يقول المثل (الحاجة أم الإختراع) فكل ما زادت و تطورت حاجيات الإنسان و تعددت و ارتقت إنماط استهلاكه كلما أدي ذلك لنمو الإنتاج و الإختراع و الابتكار و (التطور) وفقا للفكر الإقتصادي الماركسي أو (العمران) وفقا لفكر ابن خلدون. فالمستويات المتقدمة و الرفاهية التي ينعم بها العمال في الدول الصناعية الكبري مقارنة بدول العالم الثالث لا تعتبر نقيضا لفكر الطبقة العاملة و حجة علي واقع الطبقة العاملة في بلادنا بل حجة لصالحها. فبرنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية يسعي، من ضمن أهدافه الأساسية للنهوض و الارتقاء بالمستويات المعيشية للطبقة العاملة و العمل علي تنميتها من النواحي الفنية و التقنية و العلمية و أيضا من ناحية المساعدة علي تنويع حاجياتها و الإرتقاء بأنماطها الإستهلاكية كعامل محرك للإنتاج و التنمية و الابتكار و التحضر.
1- أرستقراطية شبه الإقطاع القبلي:
و لعل من أهم التطورات في خارطة التركيبة الطبقية للمجتمع خلال سلطة يونيو الديكتاتورية التي تصب في مصلحة مسار الثورة الوطنية الديمقراطية هي تلك التحولات التي خلخلت بنية شبه الإقطاع القبلي. فقد تم تصفية العديد من مؤسساتها الإقتصادية و تدهور وضعها الاقتصادي و تراجع شكل التبعية القبلية أو الدينية إلي حدود ضيقة نسبيا. و تحول بعض أفراد هذه الطبقة للاستثمار الرأسمالي فى التجارة والزراعة الآلية والمطرية التقليدية وفى بعض الصناعات و التوكيلات الصناعية و الخدمية و التجارية و دفعت المصالح الرأسمالية الخاصة أقسام كبيرة منها للتعاون و التحالف مع الرأسمالية المتأسلمة المهيمنة علي مفاصل الإقتصاد. و لقد نجحت سلطة يونيو الحاكمة في خلخلت هذه الطبقة و إضعافها و تغيير القيادات القبلية و الولاءات الطائفية و قيادات الإدارات الأهلية التقليدية و إثارة النعرات العنصرية بانحياز النظام لبعض القبائل دون الأخري. كما أن الإنقسامات العديدة التي امتدت لفترات طويلة و لا زالت قائمة داخل الأحزاب التقليدية تعبّر بامتياز عن الإختلال الطبقي الذي تعيشه اليوم هذه الطبقة الذي أفقدها نفوذها و سطوتها علي فرض نفوذها القبلي و الطائفي و الأبوي. هذا الواقع التاريخي لمسيرة الثورة السودانية و تطورها يأتي متعارضا مع مصالح القيادات الطائفية للأحزاب التقليدية المؤثرة التي لا تستأنس لهذه التحولات الخطيرة المتسارعة في تركيبة بنية شبه الإقطاع القبلي و يقلقها بروز قوي الهامش و حركة الشباب كقوي إجتماعية متقدمة تخطو بثبات في خضم هذه التحولات الطبقية لتحتل مراكز متقدمة في توازنات القوي السياسية و سيكون لها دور بارز و مؤثر فيما بعد في رسم مستقبل بلادنا و أصبحت تهدد المصالح الطبقية لهذه القوي الطائفية و القبلية التي تحاول جاهدة إيجاد صيغة أو سيناريو تستطيع من خلاله المحافظة علي مصالحها الطبقية و إعادة السودان للمثلث القديم (نهوض في حركة الجماهير يؤدي لثورة شعبية شاملة تطرح شعارات متقدمة تفرز نظام ديمقراطي يكون لأحزاب اليمين فيه الحظ الأوفر في السلطة تتجاهل مصالح الشعب تقوم بإجهاض شعارات الإنتفاضة و من ثم تنكص عن الديمقراطية عندما يشتد بها الخِنَاق تحت ضغط الجماهير فتقوم بالتآمر علي الديمقراطية إما بتسليم السلطة للعساكر أو تغض الطرف عن انقلاب عسكري يتم التخطيط له تحت مرمي و مسمع منها و لا تحرك ساكنا و لا تتمكن بالتالي الديمقراطية من إكمال حتي دورتها الأولي.
هذا المثلث الشرير يعد أحد أهم الأسباب التي أخرَّت و لا تزال تؤخر الثورة السودانية و تجعل قطاعات كبيرة من جماهير شعبنا تتخذ مواقف سلبية بدافع اليأس و الخوف من العودة لنفس الدوامة. (فقوي اليمين كما قال الشهيد عبد الخالق محجوب هي أول من يرفع رايات الديمقراطية و هي أول من ينكص عنها). و لذلك فإن المواقف المترددة لزعامات الأحزاب الطائفية خلال سنوات ديكتاتورية يونيو ليست مواقف مستغربة أو جديدة علي شعبنا فقد خبرها و عاشها منذ الاستقلال و حتي يومنا هذا. فهي أكثر القيادات قناعة و علما بأن عهد الحكومات الطائفية و سيادة السلطة الأهلية و القبلية يسير في العد التنازلي و أن نفوذ هذه القيادات الطائفية في القطاع التقليدي الذي ظل دائما (دوائر مسوكرة لها) قد تخلخل و اهتز تحت عروشها، فجزء كبير من قيادات الحركات المسلحة و مقاتليها و قيادات العمل الجماهيري السلمي أيضا في دارفور و جنوبي كردفان و النيل الأزرق هم في الحقيقة أنصار أبناء أنصار أو ختمية أبناء ختمية دفعت بهم مسيرة الثورة السودانية و تطورها لتجاوز هذه القيادات و اتخاذ مواقع أكثر تقدما. و مهما بلغت محاولات و دبلوماسية تلك الزعامات فهي قطعا لا تستطيع التآمر علي التاريخ أو فرملة مسيرته.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 902


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة