الأخبار
أخبار إقليمية
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (3/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (3/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة  علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (3/10)


(نحو إصلاح القطاع المالي و المصرفي)
07-16-2016 03:31 AM
الهادي هباني

ثانيا: نشأة الصيرفة الإسلامية في السودان تمثل تحول نوعي في بنية الطبقة الرأسمالية السودانية

نشأة الصيرفة الإسلامية في السودان كانت أيضا جزءا لا يتجزأ من حركة البعث الإسلامي عموما باعتبار أن حركة الأخوان المسلمين في السودان تأثرت بنشأة نظيرتها في مصر و أصبحت جزءا مؤثرا في الحركة الإسلامية العالمية، و عنصرا فاعلا في تحالف حركة الأخوان المسلمين مع الرأسمالية الإسلامية في الخليج و خاصة السعودية. و قد جاء تحالف حركة الأخوان المسلمين في السودان مع السلطة في ظل ظروف سياسية و إقتصادية شبيهة بالظروف التي تم فيها تحالف حركة الأخوان المسلمين في مصر مع السلطة متمثلة في صعود أقسام البرجوازية الصغيرة الحاكمة في مصر و السودان في سلم الصراع الطبقي و تحالفها مع الرأسمالية الإسلامية المدعومة من الرأسمالية الإسلامية الخليجية خلال فترة الطفرة النفطية عام 1973م و الذي تجلت أهم مظاهره في إنهيار الحلف الثلاثي بعد رحيل عبد الناصر و سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اعتمدت في مصر و السودان بعد حرب أكتوبر 1973م و تحول البلدين نحو أمريكا و الغرب و إطلاق دور القطاع الخاص، و العمل على استقطاب رؤوس الأموال العربية و الأجنبية و تعديل قوانين الاستثمار الأجنبي و تقديم امتيازات غير مسبوقة له، و التراجع عن الشعارات الاشتراكية و تدمير مؤسسات القطاع العام و استشراء الفساد المالي و الإداري في البلدين مما مهد فيما بعد لخصخصتها و بروز كبار موظفيها و العديد من وزراء النظام الناصري و المايوي و قيادات الاتحاد الاشتراكي في البلدين بعد سياسة الانفتاح على قمة الطبقة الرأسمالية العاملة في قطاع الصناعة و التجارة العامة و الخدمات و البناء و التشييد و المقاولات و المتحالفة مع رأس المال الإسلامي الخليجي المتحالف بدوره مع حركة الإخوان المسلمين كما أسلفنا خلال فترة حكم الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود الممتدة بين (1964- 1975م) و حدوث تقارب بين السادات و نميري و الملك فيصل بن عبد العزيز (هباني، 2009).

و علي الرغم من أن الانفتاح الاقتصادي بين النظام المايوي في السودان و رأس المال الإسلامي الخليجي قد بدأ خلال النصف الأول من عقد السبعينات متمثلا في تأسيس شركة الفنادق السودانية الكويتية عام 1972م، شركة سكر كنانة عام 1975م، و غيرها، إلا أن أبرز تجلياته في القطاع المالي و المصرفي، و التي مهدت فيما بعد لأسلمة النظام المالي بأكمله في السودان، قد بدأت بعد اصدار قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1976م الذي أدي لعودة بعض المصارف الأجنبية للعمل في السودان، كبنك أبو ظبي الوطني عام 1976م، بنك التجارة و الاعتماد الدولي عام 1976م، و سيتي بنك عام 1978م، و غيرها (Abushora, Hamid, Jangoal, Adam, Ali, 2006). و كذلك بعد تحالف النظام المايوي مع حركة الأخوان المسلمين عقب المصالحة الوطنية عام 1977م حيث تم تأسيس بنك فيصل الإسلامي عام 1977م وفقا لقانون الشركات لسنة 1925م بموجب المرسوم الخاص رقم (09 لسنة 1977م) الصادر عن مجلس الشعب بتاريخ 09 أبريل 1977م و الذي منح البنك امتيازات غير مسبوقة تمثلت في اعفاءات ضريبية هائلة، حرية تحويل النقد الأجنبي و انتقال رؤوس الأموال، و استثنائه من الخضوع لبعض بنود قانون بنك السودان التي تتعارض مع طبيعة التمويل الإسلامي فيما يتعلق بالتعليمات الخاصة بسعر الفائدة و كذلك بعض البنود الواردة في قانون العمل، و السماح للبنك بإنشاء شركات تأمين و غيرها تابعة له حيث قام بتأسيس شركة التأمين الإسلامية التابعة له عام 1978م و التي باشرت نشاطها في يناير 1979م. هذه الإمتيازات أدت لتزايد رأس مال البنك المدفوع خلال أربعة سنوات إلي ما يعادل 30% من إجمالي رأس المال المدفوع لثمانية عشر بنك تجاري خاص و حكومي (Abdel Mohsin، 2005). أعقبه بعد ذلك موافقة الحكومة علي إنشاء خمسة بنوك إسلامية هي بنك التضامن الإسلامي عام 1980م، البنك الإسلامي السوداني و بنك التنمية التعاوني الإسلامي عام 1982م، و بنك البركة و البنك الإسلامي لغرب السودان عام 1983م (Habbani، 2016).
و من هنا بدأت بذور سياسة التمكين و أسلمة النظام المالي بأكمله فيما بعد و تحولت حركة الأخوان المسلمين من جماعة دعوية و سياسية إلي كيان إقتصادي كبير تفوق قدراته مقدرات الطبقة الرأسمالية التقليدية في ذلك الوقت الأمر الذي أحدث تحولات كبيرة في تركيبة الطبقة الرأسمالية نفسها حيث تحولت من طبقة تُرَاكِم رأسمالها (مدعومة بسياسات حكومتي عبود و نميري) في قطاع الزراعة الآلية و صناعات النسيج و زيوت الطعام و غيرها من الصناعات الغذائية (لتبلغ المساحة المستثمرة من قبلها في مناطق الزراعة الآلية خلال تلك الفترة 9 مليون فدان و تصل نسبة تراكم رأسمالها في القطاع الصناعي حوالي 53% من مجمل رأس المال المستثمر في الصناعة عموما)، إلي طبقة رأسمالية طفيلية متأسلمة تستند في الأساس علي البنوك الإسلامية و الشركات التابعة لها العاملة في قطاعات التأمين و غيره من الأنشطة الخدمية و التجارية سريعة العائد مسنودة بتحالفها السياسي مع النظام المايوي و الإمتيازات غير المحدودة التي منحها لها (السوداني، 2014). هذا التحول في تركيبة الطبقة الرأسمالية قد ارتبط بالتحول التدريجي نحو أسلمة النظام المالي التي بدأت في ظل حكم النظام المايوي و اكتملت حلقاتها خلال حكم الإنقاذ. و قد مر هذا التحول التدريجي بخلاف مرحلة الإنفتاح الإقتصادي و بداية تأسيس المصارف الإسلامية و حسب تقسيم بنك السودان المركزي بمرحلتين:

الأولي: هي مرحلة إعلان أسلمة النظام المصرفي التي بدأت باصدار قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م مباشرة بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983م و بموجب تعميم البنك المركزي رقم (ب س/ ر ع م/11) بتاريخ 10 ديسمبر 1984م الذي حظر العمل بسعر الفائدة و أمر البنوك بالتحول فورا للنظام الإسلامي. و قد استمرت حتي عام 1988م حسب تقسيم البنك المركزي (Abushora, Hamid, Jangoal, Adam, Ali, 2006).

الثانية: هي مرحلة تعميق النظام المالي الإسلامي و التي امتدت من العام 1989م مباشرة بعد هيمنة الأخوان المسلمين علي السلطة و حتي عام 2003م. و قد تميزت هذه المرحلة بأسلمة شركات التأمين، دمج بعض المصارف الحكومية، تسييل بعض البنوك الخاصة، تغيير أسماء بعض البنوك، و ظهور بنوك الاستثمار (المصدر السابق ذكره) كبنك الاستثمار المالي. و قد شملت أيضا هذه المرحلة إنشاء سوق الخرطوم للأوراق المالية عام 1994م بموجب قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية لسنة 1994م و التي بدأت نشاطها في السوق الأولي (أي سوق الإصدارات الأولية) في نفس العام و الذي تمت فيه خصخصة العديد من مؤسسات القطاع العام و إدراج أسهمها في البورصة، و بدأ التداول في السوق الثانوي عام 1995م بعدد 34 شركة مدرجة (Al-Sayed, 2011).

و تتمثل أبرز تجليات التحول في تركيبة الطبقة الرأسمالية إلي طبقة رأسمالية طفيلية متأسلمة فيما يلي:

1- تحكمها فى القطاع المصرفي و تمكنها، من خلاله، كشف حسابات الرأسمالية التقليدية و معرفة مقدراتها الحقيقية و بالتالي من إضعافها. بجانب ملاحقة المعارضين من رجال الاعمال بالضرائب الباهظة و مصادرة ممتلكاتهم والزج بهم في السجون، احتلال مواقع الرأسمالية التقليدية في كل مجالات التجارة الداخلية، و تدمير مؤسسات التجارة الخارجية (و علي رأسها وزارة التجارة) و الهيمنة عليها و احتكار رخص الصادر والوارد.
2- هيمنت علي الواردات من السلع الغذائية الرئيسية كزيوت الطعام و الألبان و السكر و الدقيق بل أن بعض الفئات المتنفذة منها سيطرت علي استيراد السلع الاستراتيجية نيابة عن الدولة و بضمانات و تعهدات مقدمة من بنك السودان المركزي مثل استيراد القمح و السلاح و أجهزة القمع و الإبادة.
3- سيطرت علي تجارة العملة بالتعاون مع أجهزة الدولة و علي رأسها جهاز الأمن الذي تحول (بجانب كونه جهازا قمعيا) إلي كيان رأسمالي طفيلي كبير يمتلك عدة شركات في الداخل و الخارج. و أصبح لهذه الطبقة شركات خارج البلاد بالذات في دول الخليج تقوم بتجميع العملات الصعبة من المهاجرين لتمويل عمليات استيرادها من الخارج و القيام بدور الوساطة و السمسرة في الحصول علي تمويل لمشاريع الدولة مقابل عمولات لا طائل لها.
4- اتساع نطاق تهريبها لرؤوس أموالها، التي راكمتها من سرقة أموال الشعب و الإتجار في قوت يومه، إلي خارج البلاد و استثمارها في ماليزيا، إثيوبيا، دبي، تركيا، الصين، و غيرها من بلدان العالم في قطاعات النفط، العقارات، الأسهم، و الاتصالات و الفندقة و غيرها من الأنشطة. فعلي سبيل المثال لقد جاء في الملحق الإقتصادي لصحيفة "straight times news" الماليزية ان استثمارات السودانيين فى ماليزيا تمثل حوالى 7% من مجمل الاستثمار الاجنبى فى ماليزيا، أي اكثر من 13 مليار دولار و أنها تتركز في الاستثمار في مؤسسات البترول والصناعات التحويلية والعقارات و أن هناك عدد من السودانيين يمتلكون اسهما فى كبري الشركات الماليزية العابرة للقارات، و أن غالبية المستثمرين لهم علاقة بالحكومة السودانية (وداعة، 2013).
5- اختراق قطاع مقاولات المشاريع الحكومية و الهيمنة عليه مدعومة بسلطتها السياسية دون سابق خبرة أو معايير أو أسس لطرح و ترسية و تنفيذ العطاءات الحكومية، و سيطرت الشركات المملوكة لكبار هذه الطبقة من المتنفذين في السلطة علي كافة الأنشطة التجارية و الخدمية المرتبطة بقطاع البترول من نقل و ترحيل و تموين و توفير قطاع الغيار، و عمليات النقل الحكومي و غيرها من الأعمال المساندة في حقول البترول.
6- أتخذت سياسة التحرير الإقتصادي و تصفية مؤسسات القطاع العام بشكل أساسي لمراكمة ثرواتها ليبلغ ما يملكه القطاع الخاص المحلي 86.9% بينما يملك القطاع المختلط (أجنبي ومحلي) 3.8% والأجنبي 3.6%. هذا مقابل 0.8% للقطاع العام الخدمي، و 0.2% للقطاع العام الإنتاجي، و 0.6% للقطاع العام التعاوني أي 1.6% فقط لمجمل القطاع العام، (السوداني، 2014). و أنشأت نتيجة لذلك سوق الخرطوم للأوراق المالية التي تعد أحد أهم التحولات التي شهدتها هذه الطبقة لتوسيع نشاطها الطفيلي غير المنتج الذي يقوم علي هامش مؤسسات الشعب المنهوبة التي تمت خصخصتها، و علي هامش سوق رأس المال طويل الأجل (سوق الإصدارات الأولية) و تضخمت أفرعها و أذرعها في مجال الوساطة المالية و السمسرة في الأسهم و الصكوك الإسلامية التي تمثل أكبر تجليات الإقتصاد الطفيلي غير الحقيقي عبر التوسع في عمليات السوق المفتوحة لتمويل صرف الدولة البذخي غير المنتج و أيضا لمراكمة رؤوس أموال الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، و دخول بنك السودان كصانع للسوق المالي بدلا من أن يكون مجرد مسئول عن السياسة النقدية و مراقبا لها.

[email protected]

الحلقة 2

http://www.alrakoba.net/news.php?action=show&id=240468


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2171


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة