الأخبار
أخبار إقليمية
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة ..علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (4/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة ..علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (4/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة ..علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (4/10)


(نحو إصلاح القطاع المالي و المصرفي)
07-17-2016 04:16 AM
الهادي هباني

ثالثا: آثار تجربة الصيرفة الإسلامية علي القطاع المالي

بجانب كون أسلمة النظام المالي و المصرفي في بلادنا قد ارتبطت كما أسلفنا بتحول بنية الطبقة الرأسمالية إلي رأسمالية طفيلية متأسلمة استطاعت تكريس كل موارد هذا القطاع الهام لمراكمة مصالحها و ثرواتها الخاصة. فقد كان لأسلمة النظام المالي في السودان آثاره السالبة أيضا علي كافة القطاعات المكونة له و المتمثلة في القطاع المصرفي، قطاع سوق رأس المال، و قطاع التأمين. و فيما يلي نتناول تلك الآثار السالبة علي كل قطاع علي حدا:

الآثار المترتبة علي أسلمة النظام المصرفي:
آثار مرحلة إعلان أسلمة النظام المصرفي عام 1984م – 1988م

لعل أهم سلبيات تجربة أسلمة النظام المصرفي هي التي صاحبت مرحلة إعلان أسلمة النظام المصرفي عام 1984م. و قد إعترف بنك السودان نفسه بهذه السلبيات في كتاب توثيق تجربة السودان في مجال المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، (مخطط النظام المصرفي)، الصادر عنه عام 2006م. و تتمثل أهم هذه السلبيات فيما يلي:

1- لقد كان إعلان الأسلمة قرارا ارتجاليا لم تسبقه أي دراسات تحدد متطلباته من حيث الهيكل التنظيمي لبنك السودان وللبنوك التجارية، كما لم يسبقه تدريب كافي للعنصر البشرى بحيث يكون مؤهلاً من النواحي الشرعية والقانونية والفنية للاضطلاع بأعباء هذا التحول الإستراتيجي مع عدم وجود هيئات رقابة شرعية لهذه البنوك، و في ظل عدم وجود موجهات و تعليمات واضحة من قبل بنك السودان لضعف خبرته و معرفته بأسس الرقابة علي المصارف و المؤسسات المالية الإسلامية آنذاك.

2- إتجاه البنوك التجارية (في ظل السلبيات المذكورة في النقطة أعلاه) للتركيز علي صيغة المرابحة لمشابهتها و قربها من نظام سعر الفائدة و تحميلها مخاطر الاستثمار للعميل لوحده دون البنك، و ابتعادها عن الصيغ الإسلامية الحقيقية المعلنة أصلا كبديل للنظام المصرفي التقليدي التي تقوم علي أساس المشاركة في الربح و الخسارة بين البنك و العميل كصيغتي المضاربة و المشاركة. فانتشرت عمليات المرابحة بنسب أرباح مبالغ فيها و بتبادل أصول وهمية غير مقصودة لذاتها موجودة فقط علي عروض أسعار وهمية تنتهي مثلها و مثل البنوك التقليدية (الربوية) بتسليم مبالغ نقدية للعملاء بدلا عن أصول حقيقية يقوم البنك بشرائها شراءا حقيقيا بناءا علي طلب العملاء و يتملكها تملكا حقيقيا أولا ثم يقوم ببيعها للعملاء بيعا آجلا حقيقيا علي أقساط لمدة سنة أو أكثر و يتم فيه نقل ملكية تلك الأصول نقلا حقيقيا للعملاء. هذه الصيغ الوهمية للمرابحة هي ما تعرف حاليا بعمليات التورق أو بيع العِينَة المحرمة شرعا و التي تقوم علي أساس شراء العميل للأصل بقيمته السوقية من البنك بموجب عقد مرابحة آجل و من ثم بيعه في السوق لنفس الجهة التي باعت الأصل للبنك و بعلم البنك بسعر أقل من قيمته السوقية بهدف تسليم العميل المبلغ نقدا مما أدي إلي ارتفاع نسب التعثر لدي البنوك خلال تلك الفترة و حتي تاريخ اليوم. و هو أيضا ما يصطلح عليه في الأوساط التجارية في السودان بعمليات (الكَسِر) و هو من العمليات التي تترك آثار سلبية خطيرة علي الإقتصاد الوطني علي المدي المتوسط و الطويل في زيادة المعروض من النقود عن مجموع السلع و الخدمات المقابلة لها مما يؤدي لزيادة عرض النقد و بالتالي إرتفاع الأسعار و زيادة معدلات التضخم.

3- نتيجة لجهل بنك السودان المركزي و البنوك التجارية بصيغ التمويل الإسلامي وقتها و عدم وجود تعليمات رقابية إسلامية واضحة فقد ظلت البنوك التجارية الحكومية في ذلك الوقت (الخرطوم، الوحدة، والنيلين) تدفع أرباحاً سنوية لأصحاب ودائع الادخار بموجب قرار لجنة مشتركة في مخالفة شرعية لأسس الصيرفة الإسلامية برغم أن عقود ودائع الادخار لم يتم تعديلها حتي ذلك الوقت لتتوافق مع طبيعة التمويل الإسلامي. كما تزايدت حالات التطبيقات الخاطئة لصيغ التمويل الإسلامي سواء من الناحية الشرعية أو الفنية أو القانونية الأمر الذي أدخل القطاع المصرفي في حالة من الفوضي و التخبط لم تكن مسبوقة من قبل.

4- أصبحت ودائع و مدخرات العملاء غير مضمونة بحكم طبيعة النظام المصرفي الإسلامي الذي يعتبر العلاقة بين المودعين و البنك علاقة تقوم علي أساس عقد المضاربة الإسلامي حيث يمثل حملة الودائع أصحاب لرأس المال و البنك هو المضارب الذي يتحمل ما خسره من جهد فقط في حالة الخسارة بينما يتحمل أصحاب رأس المال (المودعين) كل الخسائر المالية ما لم يثبت من الناحية الشرعية أن تلك الخسارة كانت نتاجا لتقصير المضارب أو البنك و ذلك بسبب أن رأس المال من الناحية الشرعية في عقدي المضاربة و المشاركة و في فقه المعاملات المالية الإسلامية عموما لا يجوز ضمانه وفقا للقاعدة الفقهية (الغُنمُ بالغُرمِ أو الخَرَاجُ بالضَمَانِ). و بالتالي فقد أصبحت ودائع العملاء تلقائيا علي عكس النظام المصرفي التقليدي غير مضمونة و أن بنك السودان نفسه لم يكن فقط غير مؤهلا لتطبيق التجربة لقصور علمه و خبرته بالصيرفة الإسلامية و بأسس الرقابة عليها بل في عجزه عن وضع بديل متوافق مع الشريعة لضمان ودائع العملاء قبل إعلان تطبيق الأسلمة.

و علي الرغم من أن بنك السودان قد أوجد لاحقا في عام 1996م نظاما لضمان ودائع العملاء متوافقا مع الشريعة الإسلامية يقوم علي التكافل بين بنك السودان، وزارة المالية، و المودعين يدار بواسطة "صندوق ضمان الودائع المصرفية" الذي تم تأسيسه مباشرة بعد صدور قانون صندوق ضمان الودائع المصرفية لعام 1996م، إلا أن الحد الأقصي للتغطية تعتبر من أضعف الحدود في العالم حيث يبلغ الحد الأقصي لتعويض وديعة الإدخار 1.5 الف دولار و لوديعة الإستثمار 2 الف دولار (IADI, 2010).

5- تم إعلان أسلمة النظام المصرفي دون أن يتم وضع تعليمات رقابية و اشرافية تنظم و تراقب عمليات التمويل الإسلامي. و بالتالي فإن ما كان يحدث خلال مرحلة إعلان الأسلمة عبارة عن فوضي حقيقية بلا أسس أو معايير تضبط و تحكم عمل المصارف فقد خلالها بنك السودان المركزي قوته و هيبته كجهة رقابية مركزية موحدة تسري قراراتها علي كل الجهاز المصرفي و ترك للبنوك حرية الإجتهاد أو بالأصح (المغامرة) في تنفيذ التحول للصيرفة الإسلامية.

آثار مرحلة تعميق أسلمة النظام المصرفي 1989 – 2003م

لقد هدفت سلطة يونيو 1989م استكمالا لسياسة التمكين التي بدأت بذورها الأولي عقب المصالحة الوطنية كما أسلفنا و منذ لحظة استيلائها علي السلطة إلي تمكين الطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة من السيطرة علي كل مفاصل القطاع المصرفي و التخلص من تواجد الرأسمالية التقليدية فيه و تسخير كل موارده من أجل خدمة مصالحها و مراكمة ثرواتها. فقد كان لهذه المرحلة التي بدأت مباشرة بعد إنقلاب يونيو 1989م و امتدت خلال الفترة المذكورة آثارا كارثية غير مسبوقة علي النظام المصرفي نذكر أهمها فيما يلي:

1- تصفية و تشريد الكفاءات و الخبرات الوطنية التي قامت علي أكتافها لَبٍنِات هذا القطاع الإستراتيجي الهام وعزل المعارضين و المحايدين. فقد شملت قوائم الفصل التعسفي تحت شعار الإحالة للصالح العام و التي بدأت بشكل منظم و مدروس و مخطط سلفا في يناير 1990م المئات من الكفاءات في البنوك الحكومية و بنوك القطاع الخاص من الشيوعيين و الديمقراطيين و غيرهم من المستقلين و المنتمين لأحزاب سياسية أخري و أمتلأت السجون و بيوت الأشباح و زنازين التعذيب بهم. وفتح الباب لتعيين كوادر الجبهة القومية الإسلامية و حلافائهم و أتباعهم من الإنتهازيين غير المؤهلين و من أمثلة ذلك تعيين الشيخ سيد أحمد عضو الجبهة الإسلامية القومية (مكان مهدي الفكي الذي تم عزله) و خبرته لم تتجاوز غير بضع سنوات قضاها في بنك فيصل الإسلامي و هو خريج علوم إجتماعية (سودانية، 2002م).

استمرار تشريد الكفاءات و الخبرات الوطنية وعزل المعارضين و المحايدين وتعيين وترقية كوادر الإنقاذ و هم يفتقرون لأدني المؤهلات العلمية و الخبرات العملية و المؤهلات العلمية المطلوبة ليتبوءوا مراكز مرموقة، و ضعف التدريب من حيث النوع و الجودة و افتقار القطاع المصرفي للتكنلوجيا الحديثة في مجال الأنظمة التقنية و المنتجات المصرفية المستحدثة و التخلف عن معايير الحوكمة و الجودة و الالتزام و التطوير، أوجد كادر بشري مالي و مصرفي ضعيف غير مواكب للتطورات المتسارعة في الصناعة المالية و المصرفية علي الصعيد العالمي.

2- تغيير هيكل الجهاز المصرفي تغييرا جذريا و تقليص وجود الدولة فيه بشكل غير مسبوق من خلال خصخصة المصارف الحكومية أو دمجها أو تحويلها لبنوك مشتركة ببيع جزء من أسهمها لمستثمرين أجانب، و فتح الباب لمزيد من البنوك الأجنبية. فبعد أن كان عدد البنوك الحكومية عشية انقلاب سلطة الانقاذ في 30 يونيو 1989م 9 بنوك منها 5 بنوك تجارية هي بنك الخرطوم، الوحدة، النيلين، القومي للتصدير و الاستيراد، و البنك التجاري، و 4 بنوك متخصصة هي البنك الزراعي، الصناعي، العقاري، و بنك الإدخار. أصبح عدد البنوك الحكومية اليوم 4 بنوك فقط منها بنك واحد تجاري هو بنك النيلين و 3 بنوك متخصصة هي البنك الزراعي، التنمية الصناعية، و الإدخار و التنمية الإجتماعية. في الوقت الذي بلغت فيه البنوك المشتركة التي تضم مستثمرين أجانب 25 بنك منها 22 بنك تجاري و 3 بنوك متخصصة.

3- أسهمت المصارف الإسلامية في تدمير القطاعات الإنتاجية الرئيسية كالزراعة و الصناعة و الثروة الحيوانية و حولت غالبية مواردها لتمويل إحتياجات الطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة غير الإنتاجية و الخدمية و الاستهلاكية و التجارية سريعة العائد و الجدول رقم (1) يوضح توزيع الائتمان الممنوح من المصارف السودانية مقسم حسب القطاعات الإنتاجية و تشمل (قطاعات الزراعة، الصناعة، و التعدين)، و القطاعات غير الإنتاجية و تشمل (النقل و التخزين، الصادرات، الواردات، التجارة، التشييد، و أخري). مع ملاحظة أن قطاع التشييد تم تصنيفه كقطاع غير منتج باعتباره يمثل قطاع المقاولات الذي تسيطر عليه الطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة و التي تستحوذ علي كل ناتجه المحلي.

كما أن القطاعات الأخري تم تصنيفها أيضا غير منتجة باعتبارها تشتمل علي تمويل الأفراد، التمويل الاستهلاكي، العقارات ...إلخ):

[email protected]



الحلقة الثالثة

http://www.alrakoba.net/news.php?action=show&id=240689


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2704


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة