الأخبار
أخبار إقليمية
قراءة ثانية في حكم المحكمة الدستورية في دعوى الحزب الجمهوري
قراءة ثانية في حكم المحكمة الدستورية في دعوى الحزب الجمهوري
قراءة ثانية في حكم المحكمة الدستورية في دعوى الحزب الجمهوري


07-31-2016 04:05 PM
نبيل أديب عبدالله المحامي


كنا قد وقفنا في عرضنا لحيثيات المحكمة الدستورية عند ما تثيره المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية، والتي تشترط إذا كان القرار المطعون فيه دستورياً، مما يجيز القانون لجهة أعلى سلطة مراجعته، فعلى مقدم الدعوى تقديم ما يثبت إستنفاذه طرق التظلم، أو إنقضاء ثلاثون يوماً من تاريخ إستلام الجهة الأعلى للتظلم، ولكنها إستثنت الدعاوى المتعلقة بالحقوق والحريات العامة من هذا الشرط. وجاء في حيثيات المحكمة الدستورية هنا، أن هذا الإستثناء يتعلق فقط بالتظلم للجهات الإدارية العليا، ولا يشمل رفع الدعاوي القضائية. وقد ذكرنا في ردنا على هذا التفسير أن إستثناء التظلم من الجهات الإدارية الأعلى من الجهة التي أصدرت القرار، لا مجال لإعماله على الإطلاق طالما أن المحكمة الدستورية تشترط الذهاب للمحكمة الإدارية قبل الوصول للمحكمة الدستورية. لأن المحكمة الإدارية نفسها، وفق قانونها، لا تقبل اللجوء إليها إلا إذا إستنفذ الطاعن طرق التظلم إلى الجهات الإدارية الأعلى. وهذا يعني أن النص على إستثناء التظلم الإداري لا معنى له إلا لمن يرغب ،ويستطيع تجاوز المحكمة الإدارية.

وقد يكون ما قصده المشرع بالفعل هو الجهات الإدارية الأعلى ولكن هذا الفهم لا يستقيم إلا إذا إنتفت ضرورة الذهاب إلى المحكمة الإدارية، التي إستندت عليها المحكمة الدستورية لشطب الطعن. واقع الأمر هو أن الطعن في القرار لمخالفته القانون لدى محكمة الطعون الإدارية مسألة لا تهم الشارع الدستوري، وبالتالي يجب ألا تهم المحكمة الدستورية، لأنها ليست أصلاً خطوة ضرورية مسبقة لإقامة دعوى حماية الحق الدستوري. أولاً لا بد من القول أن المحكمة الدستورية ليست جزءً من التراتبية القضائية، بمعنى أنها لا تشكل مرحلة من مراحل الطعن في الأحكام القضائية، بحيث يكون الطعن في المحكمة الإدارية مرحلة يتحتم المرور بها قبل الوصول للمحكمة الدستورية. وهذه المسألة واضحة من نص المادة 15 (2) من قانون المحكمة الدستورية(2) ونصها "على الرغم من أحكام البند (1) لا تخضع أعمال السلطة القضائية والأحكام والقرارات والإجراءات والأوامر التي تصدرها محاكمها لمراجعة المحكمة الدستورية " ومن نص المادة 119 من الدستور حيث تقرر" (2) تكون المحكمة الدستورية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنفصلة عن السلطة القضائية القومية، ويحدد القانون إجراءاتها وكيفية تنفيذ أحكامها."

إذا فإنه أصلاً لا يوجد إشتراط مسبق باللجوء لأي محكمة قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، بل ولا يوجد إشتراط باللجوء لأي جهة قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، إلا ذلك الإشتراط الذي حوته المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية، وسواء كان ذلك الإشتراط يشمل الدعاوي القضائية أو لا يشملها، فإنه لا يقف في طريق رفع الدعاوى المتعلقة بالحقوق والحريات العامة، لأنه إذا كان يشملها فالإستثناء يرفع القيد عنها، وإذا كان لا يشملها فليس هنالك في الأصل قيد على ولوج باب المحكمة الدستورية، يتطلب المقاضاه أمام جهة أخرى.

الحق في الطعن الإداري لا يحجب الحق في الطعن الدستوري

ويبدو لي أن هنالك إعتقاد خاطئ مؤداه عدم جواز إزدواج الإختصاص في دعاوي حماية الحقوق والحريات العامة، مع إختصاص المحاكم الأخرى، مع أن ذلك هو الوضع الطبيعي حين يخرق نفس الفعل حقين أولهما دستوري والثاني قانوني. وقد عبر عن ذلك الخلط صديقي في الفيس بوك شهاب الأمين في مداخلة في صفحتي التي نُشِر فيها المقال بقوله " كون أن حرية التجمع و التنظيم واردة في وثيقة الحقوق المادة 40 ؛؛ وهذا يعني أن المحكمة الدستورية هي المختصة ؛هذا الرأي ليس على إطلاقه و إذا قلنا به سنلغي دور المحاكم العادية و يمكن القول أن حق التملك حق دستوري وفقا لوثيقة الحقوق المادة 43 و بدلا من التظلم امام الجهات الادارية و الطعن أمام المحكمة الادارية، الذهاب مباشرة الي المحكمة الدستورية. و القياس ياتي باعتبار ان و زارة التخطيط العمراني جهة إدارية و مجلس شئون الأحزاب كذلك جهة إدارية.

أبعد من ذلك يمكن القول أن جريمة القتل يجب ألا نذهب بها الي المحكمة الجنائية بل المحكمة الدستورية مباشرة، لأن الحق في الحياة و الكرامة الإنسانية حق دستوري وارد في وثيقة الحقوق المادة 28 و بالتالي انتهاكه يجعل الاختصاص ينعقد للمحكمة الدستورية.

عليه كون أن حق التنظيم و التجمع حق دستوري لا يعني إنعقاد الاختصاص للمحكمة الدستورية في كل حالة ضربة لازب"
والرد على ذلك هو أنه ليس صحيحاً أن مجلس شؤون الأحزاب هو جهة إدارية، وهذا ما سنتعرض له لاحقاً، ولكن أيضاً ليس كل قرار صادر من جهة الإدارة يُطعن فيه أمام المحكمة الإدارية. المحكمة الإدارية اصلاً إختصاصها إستثنائي، وقد تكونت من داخل السلطة التنفيذية، حيث كانت أول الأمر جزءً من السلطة التنفيذية، وهذا موضوع طويل يقودنا إلى مجلس الدولة في فرنسا وال Privy council في بريطانيا، ولكن مانحن بصدده هو أن القرارات الإدارية لا تخضع للطعن أمام محاكم الطعون الإدارية ،إلا للعيوب التي فصّلها القانون، وليس من بينها إنتهاك حق دستوري. لذلك فكون أن القرار هو قرار إداري فذلك لا يمنع من الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية إذا كان ينتهك حقاً دستورياً ،كما وأنه لا يجوّز الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية

كذلك فإن القياس على جريمة القتل ،وحق التملك هو قياس مع الفارق، فإنتهاك الحق الدستوري لايقع إلا اذا قامت به الدولة، أو اغمضت عينها عن مايقوم به فاعلون آخرون، وعليه فإن جريمة القتل لا تذهب للمحكمة الدستورية، إلا اذا قام بها منسوبو الدولة ولصالحها، أو تمت برضا الدولة، ولا يمنع الذهاب إلى المحكمة الجنائية لعقاب الجاني من رفع دعوى إنتهاك الحقوق الدستورية على الجاني والدولة، متى تحققت الشروط التي ذكرناها، وكذلك الأمر بالنسبة لحق التملك وغيرها من الحقوق الدستورية. المسألة الأساسية هنا هو ان الحق في الطعن الإداري لا يحجب الحق في الطعن الدستوري، ولا يلزم إستنفاذه قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، وقد شرحت ذلك بإستفاضة في المقال السابق، وأكتفي هنا بالقول بأنه في حالة رفع طعن إداري لمخالفة القرار الإداري للقانون، ورفع طعن دستوري لإنتهاك نفس القرار لحق دستوري، فإن على المحكمة الإدارية وبإعتبارها قضاء إستثنائياً، أن توقف الإجراءات لحين يتم الفصل في الطعن الدستوري، فإذا الغت المحكمة الدستورية القرار لم يعد هنالك وجود له مما يلزم معه شطب الطعن الإداري، أما إذا شطبت المحكمة الدستورية الطعن فإنه يجوز للمحكمة الإدارية، أن تستمر في نظر الطعن بإعتبار أن قاعدة الفصل في النزاع مختلفة عنها في قاعدة

الفصل في الدعوى الدستورية.


هل هنالك قرار إداري يصح الطعن فيه؟
لقد اسست المحكمة الدستورية قرارها في عدم اختصاصها بالفصل في الطعن بقولها ما يلي "ولتحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع حسبما جاء في المادتين اعلاة نقرر اولا ان مجلس شؤون الاحزاب جهة ادارية، والقرارت التي يصدرها بموجب قانون الاحزاب قرارت ادارية، ومن ثم تخضع لرقابة المحكمة المختصة بنظر الطعون في القرارت الإدارية، اذا ماتوفرت اسباب الطعن فيها المنصوص عليها في قانون القضاء الاداري 2005م ومنها مخالفة القانون"

أي أن المحكمة الدستورية بنت قرارها على أساس أن مجلس شئون الأحزاب هو جهة إدارية وبالتالي فإن قرارته هي قرارت أدارية. وهو مذهب محل نظر فليس كل القرارت التي تصدر من جهة الإدارة هي قرارت إدارية، فهناك مسائل أخرى لم تتطرق لها المحكمة الدستورية في قراراتها. صحيح أن القرار الإداري يصدر من جهة إدارية، لأن القرار الإداري يتخذ الصفة الإدارية بالنظر إلى شخص من أصدره، والإدارة هي التي تصدر القرارات، وبناء عليه يعد كل شخص من أشخاص القانون العام تنطبق عليه صفة الإدارة يمكن أن يصدر قراراً إدارياً . أما غيرهم من الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم هذه الصفة فلا يمكنهم ذلك. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك فليس كل ما يقوم به الشخص الإداري هو قرار إداري، بل يلزم أن يكون كما وصفه مجلس الدولة المصري بقوله " القرار الإداري هو ذلك القرار الذي تفصح به الجهة الإدارية عن إرادتها الملزمة في الشكل الذي يتطلبه القانون بما لها من سلطة مستمدة من القوانين واللوائح، بقصد إحداث أثر قانوني يكون ممكناً وجائزاً وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة " وتعرف المادة 3 من قانون القضاء الإداري القرار الإداري بقولها

" القرار الإدارى يقصد به القرار الذى تصدره أية جهة بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانونى معين يتعلق بحق أو واجب أى شخص أو أشخاص ويشمل رفض تلك الجهات أو إمتناعها عن إتخاذ قرار كانت ملزمة قانوناً بإتخاذه" السلطة العامة هي السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية وفقاً للمادة 49 من الدستور، هي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء القومي، وهذا يشمل الأجهزة التابعة لهما، والتي يمارسون إختصاصاتهما من خلالها. وهذه الإختصاصات إما تنفيذية أو إدارية يوضح الفرق بينهما مولانا يوسف عثمان بشير بقوله الوظيفة التنفيذية هي وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها اما الوظيفة الإدارية فهي اداة السلطة التنفيذية في تصريف الشئون العادية وتنفيذ القوانين والوفاء بحاجات المجتمع الاساسية، او هي الخدمة العامة كما يسميها القانون السوداني. مما هو مذكور أعلاه يبدو لنا بوضوح أن قرار مجلس شؤون الأحزاب ليس بقرار إداري، كما وصفته المحكمة الدستورية، لأن مجلس شئون الاحزاب السياسية ليس جهة إدارية ولا يعبر عن إرادة الإدارة الملزمة. ولكنه من قبيل الهيئات المستقلة عن السلطات الثلاث، وهي هيئات ذاع اللجوء إليها، و تكوينها بشكل يضمن إستقلالها عن السلطة التي تكونها. وهذه الهيئات يُمنح لها سلطات الإشراف علي نشاط معين وتنظيمه، لأن طبيعة المجتمع الديمقراطي تتطلب أن يكون تنظيم ذلك النشاط، والإشراف عليه بمنحى عن السلطة التنفيذية. الهيئات المستقلة عن الجهة التي أنشأتها ليست ظاهرة جديدة. فهي موجودة في أوروبا وأمريكا لمدة قرن تقريبا، بإسم الوكالات التنظيمية المستقلة Independent Regulatory Agencies أو الهيئات المستقلة، أو غيرها من الأسماء، وأهم ما يميزها عن غيرها من الهيئات العامة، هو إستقلالها التام عن السلطات الثلاث في الدولة. وقد عرف دستورنا هذه الهيئات وأطلق عليها إسم المفوضيات، ومنها مفوضية حقوق الإنسان، ومفوضية الإنتخابات، ومفوضية التقويم، والمفوضية القومية للأراضي، وهذه المفوضيات لا تخضع قراراتها للطعون الإدارية، ولكنها تخضع للمحاكم التي يحددها القانون المنظم لوجودها، وللطعون الدستورية إذا إنتهكت قراراتها حقاً دستورياً. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب أيضاً إختصام الدولة، بسبب ولايتها العامة على كل ما يجري في إقليمها، وبسبب واجبها الأساسي في حماية حقوق الإنسان. وإستقلال مجلس شؤون الأحزاب عن السلطات الثلاث يبدو أولاً من النص القانوني الصريح الذي أوردته المادة 6 من قانونه ونصها كالتالي " يكون المجلس مستقلاً في أداء أعماله عن جميع السلطات وعليه أن يرفع تقارير عن سير أدائه بصفة دورية للمجلس الوطني وينشرها للرأى العام " كما يبدو أيضاً من أنه لايستطيع الفصل في مسائل معينة، وإنما يلزم له أن يلجأ للقضاء بشأنها كحالة نشوء أي نزاع بين المجلس والحزب السياسي، حول دسـتورية أو قانونية أى أمر يتعلق بالنظام الأساسـى، أو بأنشطة الحزب السياسي، يجوز لأي منهما رفع الأمر للمحكمة للبت فيه وإصدار القرار المناسب وفقاً للمادة 29 من قانون الأحزاب السياسية لعام 2007 وهذا يؤكد أن المجلس لا يعبر عن إرادة الإدارة الملزمة فيما يقرره، وإنما هو يعبر فقط عن سلطته التنظيمية، كجهة مستقلة فيما فوضه القانون في التقرير فيه. وتظل حدود ذلك التفويض محدودة بالحدود الدستورية لسلطة التشريع في تنظيم الحرية الدستورية.
إذا فقد تعجلت المحكمة الدستورية بدون سبب وقبل أن تفحص طبيعة المسألة المعروضة عليها إلى دفع الإختصاص عنها دفعاً وألقت به إلي محكمة الطعون الإدارية، فقط بإعتبار أن كل ما يصدر من مجلس شئون الأحزاب السياسية يعتبر قرارا إداريا، وهو مذهب موغل في الخطأ.

رفض المحكمة الدستورية للتعرض لمسائل دستورية تتصل مباشرة بالحريات العامة
النزاع موضوع الطعن هو نزاع حول صحة قرار مسجل الأحزاب برفض تسجيل الحزب الجمهوري، ونص القرار المطعون فيه هو كالآتي:
" بالنظر الى ما جاء بالطعون المذكورة ومذكرات الرد والمستندات المرفقة معها وذلك في ضوء الأحكام والشروط القانونية اللازمة لتسجيل الحزب السياسي وفق قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007م ولائحة تسجيل الأحزاب السياسية تعديل لسنة /2012م ، رأى مجلس شؤون الأحزاب السياسية بأن ما جاء في الوثائق المقدمة مع طلب تسجيل الحزب الجمهوري تخالف أحكام المادة (5/1) من الدستور القومي الإنتقالي لسنة /2005م والمادة (14/ط ) من قانون الأحزاب السياسية لسنة /2007م ، حيث أن مبادئ الحزب تتعارض مع العقيدة الأسلامية والسلام الإجتماعي والأسس الديمقراطية لممارسة النشاط السياسي إذ أنه يقوم على أساس طائفي ومذهبي"

وقد طعن الحزب في ذلك القرار مستنداً على أن الإشارة للمادة (5/1) من الدستور مثيرة للدهشة. فالمادة تنص على أن تكون الشـريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشـريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان. لا يحدد القرار المطعون فيه ماهو الجزء الذي يخالف أحكام المادة (5/1) في الوثائق المقدمة مع طلب تسجيل الحزب الجمهوري، ولكن الوثائق لا تحمل أي دعوة لتغيير مصدر التشريعات، ولا أي إشارة سالبة للشريعة الإسلامية. ولكن بفرض أن الحزب يدعو لإلغاء هذه المادة أو تعديل حكمها بإضافة مصدر للتشريعات، أو إلغاء مصدر من مصدري التشريع التي أشارت لهما المادة، هل يجعل ذلك من برنامج الحزب برنامجاً يتعارض مع الدستور الإنتقالي ؟ وهل هذا هو الإختلاف الذي عنته المادة (14) (ب) من قانون تسجيل الأحزاب السياسية، واتي تكرر حكم المادة 40 (3) (ب) من الدستور حين إشترطت أن لا يكون للحزب برنامج يتعارض مع الدستور الإنتقالي؟ الأحابة قطعاً بالنفي إذ لا يجب أن تفسر هذه المادة بأنها تمنع الحزب من أن يعارض بعض الأحكام التي نص عليها الدستور، ولا أنها تمنعه من أن يشمل برنامجه الدعوة لتغييرها، فالمادة هنا لاتلزم الأحزاب بقبول الدستور، لا في مجمله، ولا في تفصيلاته. وإذاً ما هو التعارض مع الدستور الإنتقالي الموجب لرفض تسجيل الحزب؟ المادة تلزم الحزب السياسي فقط بأن يدعو لتغيير ما لا يرضاه من أحكام عن طريق آليات التغيير الدستورية. إذاً فكل ما تلزم به المادة الأحزاب هو أن تكون وسائلها للإتفاق، والإختلاف، والتغيير، مقبولة دستورياً. إن ما لا يجوز لبرنامج الحزب أن يعارض فيه الدستور الإنتقالي، هو الدعوة لتغيير الدستور، أو الدعوة لإنتزاع السلطة الدستورية، عن غير الطريق الدستوري. أما رفض أيا من الأحكام الدستورية، أوالدعوة لتغييرها، أو المطالبة بتغيير السلطة الدستورية، فذلك لا يتعارض مع الدستور، طالما أن الوسائل التي يستخدمها الحزب لإحداث التغيير هي وسائل دستورية. إذا فسرنا تلك المادة بأنها تمنع أن يتضمن برنامج الحزب دعوة تتعارض موضوعياً مع أي حكم تحمله مادة في الدستور، فهذا يعني أننا إخترنا أن يكون دستور 2005م دستوراً جامداً جمود مطلق، لا يقبل التعديل. وهذا يتعارض مع نصوص الدستور نفسه، الذي يصف نفسه بأنه دستور إنتقالي، أي مؤقت، والذي يحدد آلية لتعديل أحكامه، حتى أثناء الفترة الإنتقالية .

تأييداً لهذا النظر تذكر اللجنة الأوروبية(لجنة فينيس) حول المبادئ المقبولة لحظر الأحزاب" يمكن تبرير حظر أو حل الأحزاب السياسية قسرياً فقط في حالة الأحزاب التي تدعو إلى استخدام العنف أو لإستخدام العنف كوسيلة سياسية لقلب النظام الدستوري الديمقراطي، وبالتالي تقويض الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور. وكون أن الحزب يدعو إلى تغيير الدستور سلمياً لا ينبغي أن يكون كافيا لحظر الحزب أو لحله."
GUIDELINES ON PROHIBITION AND DISSOLUTION OF POLITICAL PARTIES AND ANALOGOUS MEASURES (VENICE COMMISSION)
من جهة أخرى فإن المادة (5/1) هي مادة تخاطب الهيئة التشريعية، ولكنها مادة هادية، لاتخضع الهيئة التشريعية في الإهتداء بها لرقابة المحاكم، فلا يجوز الطعن في قانون لأن مصدره لم يكن الشريعة الأسلامية، وإلا لفقدنا العديد من القوانين الهامة كقانون الصيدلة والسموم، وقانون حركة المرور، وقانون الأحزاب السياسية نفسه. إذ لا يوجد لأي من تلك القوانين مصدراً في الشريعة الإسلامية. إذاً فإنه يجوز للهيئة التشريعية أن تصدر قانوناً دون أن يكون مصدره الشريعة الإسلامية، كما ويجوز لها أن تلغي قانوناً رغم أن مصدره الشريعة الإسلامية.

مجمل القول هنا هو أن الإستناد على المادة (5/1) من الدستور هو إستناد خاطئ من جهتين، فالمادة أصلاً لا تخاطب الأحزاب السياسية بحيث يقال أن وثائق الحزب تنطوي على مخالفة لها. من الجهة الثانية فلا غضاضة على الإطلاق في أن يتعارض برنامج الحزب مع هذه المادة، أو مع غيرها من مواد الدستور، طالما أنه يلتزم الوسائل الدستورية في الدعوة لإلغاء، أو تعديل، ما لا يتفق الحزب معه في مطلق تقديره من مواد، طالما أن الدستور يسمح بتعديلها .
نبيل أديب عبدالله
المحامي


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2717

التعليقات
#1497995 [بدر موسى]
0.00/5 (0 صوت)

08-03-2016 08:25 PM
لقد أعجبت اعجابا شديدا بالتوفيق الذي صادف الاستاذ نبيل أديب، في ردوده الملهمة وشروحاته القيمة، لتوضيح المسائل والنواحي الدستورية المتعلقة بهذه القضية، لإثبات عدالة مطلب الجمهوريين، وتثقيف الشعب السوداني من خلال هذه الشروحات، ثقافة أساسية هامة، سيكون لها اثر كبير، وضروري، في تثبيت الحقوق الاساسية التي يتطلع اليها السودانيون.

[بدر موسى]

#1496925 [زول ساي]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2016 08:51 PM
يا استاذنا نبيل أخالفك الرأي وأعتقد أن قرارات مجلس الأحزاب بشأن تسجيل الأحزاب هي قرارات إدارية بلا أدنى شك أو لف ودوران ولا أحد يصنفها بأنها شبه قضائية مثلاً لأن المجلس غير ملزم بإجراءات قضائية معينة في التعامل مع طلبات التسجيل، ولكن ومع أنه يمارس هذه السلطات بصورة سياسية فاضحة إلا أن ذلك لا يغير من تكييفها القانوني كقرارات ادارية تقع ضمن تفويضها بقانون الأحزاب لإدارة سجل الأحزاب السياسية، غير أن المشكلة في هذه القضية لا تكمن في تصنيف قرار رفض تسجيل الحزب الجمهوري بكونه قرار إداري ولكن هل هو قرار إداري نهائي أم يمكن الطعن والتظلم منه لدى سلطة إدارية عامة أخرى، وحيث لا توجد فإن الطعن فيه يقع ضمن اختصاص المحاكم الإدارية، ولكن مشكلتك مع المحكمة الدستورية في أن قرارها كان مبهماً ولم تحدد لك أي جهة كان يجب أن تتوجه إليها قبل لجوئك للمحكمة الدستورية، ويستشف من إصرارها بوجود طرق تظلم أخرى متاحة ضد قرار مجلس الأحزاب برفض تسجيل موكلك الحزب الجمهوري بأنها قصدت التظلم بالطعن القضائي لا محالة، وقلنا في تعليقنا السابق بأن هذا هو العيب في قرار المحكمة الدستورية لأن عبارة استنفاد طرق التظلم في القرارات الإدارية تنحصر بالضرورة داخل الجهة الإدارية ذاتها أو الجهة التي تتبع لها وصولاً للقرار النهائي، ولكن المحكمة الدستورية لم تميز في فهمها لهذه العبارة بين التظلم الإداري والطعن القضائي في القرار الإداري، فجاء حكمها معيباً من هذا التعريف وما رتبت عليه من قرار برفض الطعن الدستوري، هذا بالاضافة للخطأ المركب في اعتقادها بأن وجود طرق تظلم أخرى متاحة للطاعن تحجب عنها ممارسة سلطتها في نظر الطعن الدستوري، وهو اعتقاد نوافقك الراي خطله البائن حيث تختلف الأسباب التي يُبنى عليها كل من الطعن الإداري والطعن الدستوري ولا تقاطع بين الطعنين بدليل أنه إذا أقرت أعلا محمكة إدارية (المحكمة العليا) بصحة القرار الإداري الطعين (من الناحية القانونية) فإن هذا لا يعني عدم دستوريته كذلك، بل بالعكس فقد تكون قانونيته هذه التي قررها القضاء العادي أدعى لشبهة عدم دستوريته طالما هناك رفض لحق دستوري صحيح في نظر القانون، مما يبرر القول بأن القانون الذي خول إصدار مثل هذا القرار لابد وأن يكون مخالفاً للدستور ويجب على المحكمة الدستورية النظر سواء اختار الطاعن طريق التظلم القضائي أم الطعن الدستوري. أما إذا ميزت المحكمة الدستورية بين التظلم الإداري والطعن القضائي الإداري فتمييزها يصح حيث أنه ومالم يكن هناك قرار إداري انتهائي فلا مبرر للقول بوجود انتهاك لحق دستوري ببساطة لأنه لا يوجد قرار إداري يستحق الإسم مالم يتحصن القرار الإداري الأولي.
كذلك لا أهمية للكلام عن الأسباب والحيثيات التي استند عليها القرار الإدري الطعين إذا كنت بصدد الطعن الدستوري إلا كان القرار الإداري الطعين قد استند في حيثياته إلى نصوص الدستور، وهذا في حد ذاته مفارقة عجيبة، إذ ليس من صلاحية مجلس الأحزاب تجاوز القانون الذي يخوله سلطة اصدار القرار برفض تسجيل حزب معين من عدمه ويستدعي أسانيده لذلك من نصوص الدستور مباشرة وكأنه محكمة دستورية، وهذا مما يؤكد صحة لجوئك للمحكمة الدستورية وليس المحكمة الإدارية، بل إذا افترضنا ذهابك للمحكمة الإدارية أولاً فيفترض بها إما أن تحيل الطعن للمحكمة الدستورية أو تطلب منها تفسيراً للنص الدستوري الذي استند عليه قرار المجلس برفض تسجيل الحزب.
والأم من ذلك كله، وحيث أن المحكمة الدستورية قراراتها نهائية وغير قابلة للمراجعة حتى من قبلها ذاتها إلا إذا تبين لها أن ما قررته كان في مسألة خارج اختصاصها (المباشر) تماماً مع أن سلطتها النظرية مطلقة وغير محدودة حيث من سلطاتها إصدار أي أمر إلى أي جهة في أي مسألة أمامها! ومعنى ذلك مثلاً، إذا تلقت شكوى بأن سلطات الأمن قد اعتقلت شخصاً وتقوم بالتحقيق معه تحت التعذيب فتستطيع المحكمة الدستورية اصدار الأمر بإحضاره ومحاكمة ومعاقبة من قاموا بالتعذيب ولكنها لا تستطيع أن تمنعهم من معاودة استدعاء أو قبض نفس الشخص أو مواصلة التحقيق معه لأن تحديد المتهمين والتحقيق معهم ليس من سلطتها بل تقرره الأمنية وفق معطياتها؛
وعليه فإن قرارها في شطب طعن الحزب الجمهوري قرار لايمكن مراجعته رغم أنه يعج بالأخطاء القانونية في تفسير وتأويل النصوص القانونية والدستورية بسبب عدم الخبرة القضائية الكافية لدى جل قضاتها المعينين من رئيس الجمهورية بتوصية من المفوضية القومية ومجلس الولايات وهي بالطبع كيانات سياسية لا تمثل القضاء إلا قسراً واسماً. فمثلاً بنت قرارها برفض الطعن على جهل بمفهوم استنفاد طرق التظلم فلم تميز بين طرق التظلم الاداري والذي يعني استنفاد التدرج الاداري داخل المؤسسة المتظلم من قرارها أو المؤسسة الأعلى التي تتبع لها إدارياً، وبين استنفاد فرص الطعن الإداري قضائياً لدى المحاكم. فقرارات مجالس المحاسبة في الجامعات مثلاً تستأنف لمجالس الأساتذة بها ثم للمجلس القومي للتعليم بالوزارة وقراره نهائي ومن لم ينتصف به فقد استنفد كافة مراحل التظلم الاداري ويمكنه بعد هذا اللجوء للقضاء. وفي قضية الحزب الجمهوري لا توجد جهة إدارية أعلى ينص عليها القانون للتظلم من قراراته، وبالتالي يستطيع المتظلم أن يلجأ مباشرة للقضاء الاداري العادي إن أراد الطعن في قانونية قرار رفض التسجيل أو إلى المحكمة الدستورية إن أراد حماية حقه الدستوري بالطعن في دستورية القرار والقانون أو اللائحة المخولة بإصداره. ولكن ومع هذا الخطأ الجسيم في فهم المحكمة لنص المادة 19ـ(4) "فيما عدا الحقوق والحريات المضمنة في وثيقة الحقوق الواردة في الدستور إذا كان القرار أو العمل المطعون فيه دستورياً مما يجيز القانون لجهة أعلى سلطة مراجعته فعلى مقدم الدعوى تقديم ما يثبت إستنفاده لطرق التظلم أو إنقضاء ثلاثون يوماً من تاريخ إستلام الجهة الأعلى للتظلم"؛
فإن الحل يكمن في ذات المادة 19 (1) الفقرة (3): "إذا لم تعدل العريضة في مواعيدها أو تصحح فعلى الدائرة رفضها ولا يمنع هذا الرفض من تقديمها ثانية مستوفية لجميع متطلباتها." فيمكن للحزب أن يتقدم بطلب ثان للتسجيل وإذا رفض مجلس الأحزاب هذا الطلب يتقدم الحزب بطعنين للمحكمة الدستورية والادارية معاً والأصوب للمحكمة الادارية أولاً لأن حكمها في أسوأ الأحوال يتيح الطعن أمام المحكمة الدستورية بفهما السقيم هذا لمفهوم استنفاد طرق التظلم.

[زول ساي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة