الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
محمود رجب في كتابه الفريد 'فلسفة المرآة': كل شيء إنما هو مرآة أو كالمرآة
محمود رجب في كتابه الفريد 'فلسفة المرآة': كل شيء إنما هو مرآة أو كالمرآة
محمود رجب في كتابه الفريد 'فلسفة المرآة': كل شيء إنما هو مرآة أو كالمرآة


08-06-2016 03:10 PM



المرآة هي وسيلة تغيير وتصحيح، من أجل أن يرقى الإنسان سواء في معرفته أو في سلوكه إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع.


ميدل ايست أونلاين

كتب ـ محمد الحمامصي

المرآة تعكس العالم الداخلي للإنسان

يتتبع الباحث والمفكر د. محمود رجب في كتابه "فلسفة المرآة" الدلالات والايحاءات الفلسفية والجمالية للمرآة في الأسطورة والتاريخ والأدب وكتابات الفلاسفة والمتصوفة، ليقدم قراءة فلسفية فريدة في بابها، بادئا بالسؤال عن إمكانية الفلسفة التي شاعت الفكرة عنها أنها تنصب على الدراسة العقلية الجادة فلا تتناول غير موضوعات وحقائق بالغة التجريد "هل يمكن على الإطلاق أن قيام دراسة فلسفية حول شيء عادي كالمرآة، أو ظاهرة مألوفة لنا في حياتنا اليومية مثل ظاهرة المرأة؟

ويؤكد أن ما قد كان ينظر إليه سواء في مجال الأسطورة أو في المجالات الأخرى التي تأثرت بها، على أنه غير جدير بالاهتمام والتفكير لم يعد كذلك في مجال الفلسفة المعاصرة، ومن هنا فالاتجاه الفلسفي نحو الأشياء العينية المعتادة في الحياة اليومية مثل المرآة جديرة بالدراسة الفلسفية، ولكن ـ وهنا يتساءل ـ كيف يمكن أن تقوم هذه الدراسة؟ وما الذي يمكن أن نصل إليه عن طريقها؟ وما مقومات هذا الفهم الأنطولوجي وما مدى أصالته؟

ينطلق د. محمود رجب معرفا وموضحا للمرآة وأنواعها وساردا لحضور المرآة لدى الفلاسفة والصوفية والأدباء، فيشير إلى أن المرآة "عبارة عن سطح يعكس كل ما يقوم به، فأي شيء يمتلك خاصية السطح العاكس فهو مرآة، وكلما كان أنقى وأصفى كان مرآة أفضل، وهذا الذي يقوم أمام المرآة يعرف باسم الأصل وأما الذي تعكسه فهو يعرف بالصورة أو الانعكاس، وتدور الصورة مع أصلها وجودا وعدما، فإن وجدت كان الأصل موجودا وإن انعدمت أو غابت كان الأصل منعدما أو غائبا، وهذا يعني أن المرآة ليس فقط الصورة وإنما هي تقدم للأصل أو لحاملها أو لم ينظر إليها، صورة متغيرة بتغير الأصل، فليس للمرآة صورة ثابتة خاصة بها، تنطبع عليها وتعلق بها، مثلما تنطبع صورة الخاتم قطعة الشمع وتعلق بها.

وهكذا يرى أن "كل شيء إنما هو مرآة أو كالمرآة، ومعنى هذا ـ بعبارة أخرى ـ أن كل شيء في الوجود إما أن يكون مرآة حقيقية وبالمعنى الحرفي وإنا أن يكون مرآة رمزية مجازية. على أن المرآة الحقيقية تشمل المرآة الطبيعية، أي تلك التي لم تتدخل فيها يد الإنسان بالصناعة أو التطوير مثل الماء وسائر الأجسام الملساء اللامعة، كما تشمل ما يتناوله الإنسان من أشياء الطبيعة بالصقل والصنع، حتى يصبح سطحا عاكسا، ويكون بالتالي مرآة صناعية".

ويوضح د. رجب أن "القمر والنجوم وقطرات المطر والسحاب والهواء، تؤلف كلها إذن مرايا سماوية، وكأنما هي مشهد أو مسرح سماوي متعددة الجوانب، فيه تنعكس الأشياء وتتجلى بأشكال مختلفة: مصغرة ومكبرة ومتعددة إلى ما لا نهاية.

ومثلما تنعكس في المرايا ـ السماوية قوس قزح أو الشموس والأقمار المتعددة، وهي بلا حقيقة واقعية أو قوام مادي، تنعكس فيها أيضا انبعاثات الروح وفيوضاتها فتتخذ أشكالا مرئية مجسمة. هذا الالتقاء بين الروح والرؤية الذي يقلب ـ أو يعكس ـ الأضداد، فتصبح الروح مرئية والمرئي روحانيا، نجد بداياته الباكرة في المذهب الأورفي وفي الأفلاطونية المحدثة، فالأمر لم يعد مجرد فكر ينعكس أو يتكثف في الهواء وإنما عقول ترتكب الخطأ والخطيئة في السماء فتسقط نفوسها على الأرض، فتتجلى النفوس وتظهر بإضفائها الصورة على الأجسام.

وقد قدم أفلوطين ـ القرن الثالث الميلادي ـ وصفا مفصلا لهذه العملية في التاسوعات وانتهى إلى ذكر العبارة الدالة التالية "وما القول في النفوس الإنسانية؟ إنها لترى صورها كما لو كانت منعكسة في مرآة ديونيسوس ومن عل تهبط منطلقة نحوها. كانت النفوس إذن في السماء حيث مقرها الأصلي بوصفها مخلوقات الله، فلما وقعت في الخطيئة هبطت من محلها الأرفع إلى الأرض وكأنها منجذبة نحو انعكاساتها الخاصة لتحل بها".

ويتوقف رجب عند المرآة في الديانات اليهودية والقبطية والاسلامية واستخدام مجاز مرآة العالم في العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية، وتناول المرايا الطبيعية موضحا كيف وجد الإنسان في القمر والهواء والسحاب مرايا: رأى وجوها إنسانية في استدارة القمر، وقوس قزح في الهواء وجيوشا وحيوانات وقديسين في السحاب، رأى القمر قمرين وثلاثة أقمار والشمس شمسين وثلاثة شموس، بل رأى خيالاته وأفكاره الباطنة منعكسة أمامه في الهواء وفي السحاب.




كما بين كيف صنع العلماء المشتغلون بالفلسفة الطبيعية في بدايات العصر الحديث أجهزة من المرايا كان من شأنها أن تخلق وتكون في المعمل ما يراه الإنسان في الطبيعة أو تخلق وتحدث في الطبيعة ما يراه في المعمل من تشكيلات وتحولات مثيرة للدهشة والعجب. أيضا توقف عند استخدام مجاز المرآة في سياقات متعددة ومتباينة فلسفية ودينية وصوفية وأدبية وفنية، وقدم نماذج من نصوص وآثار قديمة يوانانية وإغريقية موضحا كيف كانت مرآة السحر في العالم اليوناني ـ الروماني أداة للتكهن والعرافة.

ويشير د. رجب إلى أن المرآة من حيث هي رمز للخداع وكذلك من حيث هي رمز للمعرفة، تتضمن تحولا يطرأ على الإنسان الناظر إليها، ويتمثل هذا التحول في الوعي ـ ولو كان وعيا ضئيلا ـ بأن ثمة معرفة بنفسه أو بغيره، وحتى الوعي بالخداع هو بداية التخلص من الخداع والانخداع، ومن ثم يؤدي إلى معرفة النفس على حقيقتها، فالوعي هو نوع من المشاركة الفعالة والإيجابية مطلوب من الإنسان حامل المرآة، لكي تحقق المرآة هذا التحول فيه.

ومن هنا يمكننا القول بأن المرآة هي وسيلة تغيير وتصحيح، من أجل أن يرقى الإنسان سواء في معرفته أو في سلوكه إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع.

ويضرب مثلا على رؤيته هذه فيقول "هذا ما نجده عند زوزيما في حديثه عن مرآة الروح التي تحول الناظر إلى روح، وما نجده عند بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس، حيث يقول "ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما الرب الروح". فالإنسان المؤمن الذي يرى كما لو كان ينظر في مرآة والذي يعكس كما لو كان مرآة صورة مجد الرب، فإنه يتحول إلى تلك الصورة عينها".

وفي تناوله لفعل الانعكاس المرآوي عند الصوفية وابن عربي تحديدا وما يتضمنه هذا الفعل من ازدواج: المماثلة والمغايرة، الهوية والاختلاف، العينية والغيرية، الذاتية والآخرية وغير ذلك من ثنائيات يتوقف قطباها كل منهما على الآخر توقفا جدليا متبادلا، يرى د.رجب: أن المرايا المتعددة وما تفعله من تعدد صور الواحد وتكثرها، كانت ترتبط عند هذا النفر من متصوفة الإسلام بما قد كان معروفا وقتئذ في علم المناظر وحتى مطلع العصر الحديث باسم "غرف المرايا" وهي غرفة تتكون من جميع جوانبها من المرايا، ففضلا عما تفعله هذه الغرفة في الإنسان الواقف داخلها: إذ تجعله يرى نفسه كما يراه الآخرون من جميع الزوايا، فإنها تكشف عن خاصيتين، أو بالأحرى فعلين من أفعال المرايا حينما تكون متقابلة ومتواجهة مع بعضها البعض، وهما الترداد بمعنى أن الصورة تتكرر وتضاعف ذاتها، صورة في صورة في الصورة.. إلخ، والارتداد أي عودة الصورة إلى الأصل الذي منه بدأت أو قابليتها للارتداد إليه.

وعلى هذا يمكن أن تتحول غرفة المرايا إلى موضع يتحقق فيه تقارب شديد ـ يكاد يصل إلى حد التلاقي ـ بين المجال البصري والمجال السمعي، بين المكان والزمان، وبين التعاقب والتآني الزماني. لذلك نجد تسكر كندل يرى بين غرفة المرايا والتجربة الموسيقية وحدة في البنية وتماثلا في الشكل.

ويلفت إلى أن مجاز غرفة المرايا لم يستخدم في مجال التصوف فقط بل استخدم في المسرح مثل مسرح النو الياباني ومسرح جان جينيه الذي كان يشبه وضع الإنسان في العالم بوضع إنسان محبوس في متاهة من المرايا الزجاجية تنعكس صورته متعددة متوالية متداخلة.. إلخ، يرى الناس خارج المتاهة ولكن زجاجها يحول بينه وبين الالتقاء بهم أو التواصل معهم.

ويتوقف د. رجب عند "أنا ـ الآخر" ليتناول المرآة وما تعكسه من ظواهر محسوسة وذلك من حيث علاقتها بالإنسان أو على الأدق علاقة الإنسان بها، أو بعبارة أخرى المرآة من حيث هي تجربة إنسانية ترتكز على ضربين من الديالكتيك أو الجدل لا ينفصل أحدهما عن الآخر هما: دياليكتيك الأنا ـ الأنا الآخر، وديالكتيك الداخل ـ الخارج.. وهنا يحلل ما كتبه جيمس فريزر في كتابه "الغصن الذهبي" حول الروح بوصفها ظلا وانعكاسا ـ خيالا، والقصة الخيالية "أليس في بلاد العجائب" للويس كارل وتجربة المرآة عند الطفل، ودراسة جاك لاكان "مرحلة المرآة من حيث هي عامل تشكيل لوظيفة الأنا"، ثم أسطورة نرجس الذي اكتشف صورته في مرآة صفحة الماء، وكان أسير صورته الجميلة حتى الموت والفناء، ومن خلال المرحلة النرجسية يحلل أعمال جان بول سارتر وهيجل وزاردشت وأوسكار وايلد وشكسبير وديستويفسكي.

وتحت عنوان الراوي ـ المروى عليه، يتوقف د.رجب مع السيرة الذاتية من حيث هي صورة للذات بأعماقها وأسرارها وأبعادها الداخلية، ويقول "كان استخدام المرآة الزجاجية في القرنين السادس عشر والسابع عشر علامة بارزة في رأي لويس ممفورد، على بداية فن السيرة الذاتية الحديث، فقد أن المرآة تستطيع أن تحيل الذات، عن طريق الصورة المرآوية، إلى ذات يمكن فصلها عن الطبيعة وعن تأثير الآخرين، فالذات في المرآة ليست سوى جزء من الذات الحقيقية الواقعية، هو الذات مجردة "عن الطبيعة " لكن هذا لا يعني أنها ذات مثالية أو أسطورية لا تخضع للتغيير وتقلبات الزمن. إذ كلما كانت المرآة مجلوة وكلما كان الضوء الساقط عليها كافيا، كانت أقدر على إظهار ما يطرأ على الذات من آثار السن والمرض وخيبة الأمل والإحباط والضعف إلى آخر هذه الآثار التي تتخارج هناك في المرآة مثلها مثل الصحة والاحباط والفرح والأمل والثقة. ولا شك أن الإنسان حينما يكون منسجما مع العالم ومتحدا به، فإنه لا يحتاج إلى المرآة ذلك أن حاجته إليها إنما تشتد في فترات التفكك النفسي، حيث يبدأ في الالتفات إلى تلك الصورة المتوحدة ليرى ما الذي طرأ عليها بالفعل، وما الذي تعكسه مما يجري في داخله، وما الذي ينوي عمله بعد ذلك كله. فالمرآة إذن تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي للإنسان: عالم الذات.

يذكر أن الكتاب الذي صدرت طبعته الثانية عن سلسلة مكتبة الأسرة قسمه د. محمود رجب إلى بابين "ظاهرة المرآة ـ تجربة المرآة"، كل باب منهما يحتوي فصلين. وضم عددا من اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية التي استشهد بها الباحث أثناء تحليلاته.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 31984


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة