الأخبار
أخبار إقليمية
بين تعويم العملة وتثبيت سعرها: جدل في السودان لا يزال قائمًا
بين تعويم العملة وتثبيت سعرها: جدل في السودان لا يزال قائمًا
بين تعويم العملة وتثبيت سعرها: جدل في السودان لا يزال قائمًا


09-09-2016 10:41 PM

مناف قومان

كاتب سوري، ماجستير اقتصاد سياسي في الشرق الأوسط



بادر اقتصاديون في السودان لطرح مبادرة تقضي بتحرير سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار، بحجة تلافي الآثار السلبية الناجمة عن المضاربات على الدولار في السوق السوداء، وبحسب رؤيتهم فإن هذه الخطوة من شأنها أن تعيد للاقتصاد السوداني توازنه وتحقيق الاستقرار والنهوض من جديد، ويرون أن وجود أسعار متعددة لسعر صرف العملة في السوق أدى إلى تشويه الاقتصاد.

كيف ردت الحكومة على هذه المبادرة؟

شكك مسؤولون في الحكومة من عواقب هذا الإجراء، بحكم أن معدل التضخم سيرتفع إلى مستويات عالية قد تؤدي إلى الإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين، وبالتالي التأثير على الاحتياجات الأساسية للعيش.

إذ أن تحرير العملة من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات والنشاطات الاقتصادية المختلفة في الاقتصاد، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار ومعدل التضخم العام والقيمة الشرائية للعملة، وهذا بدوره سيكون له تبعات سلبية على فئات المجتمع المختلفة في البلاد وخصوصًا ذوي الدخول الدنيا ما سيزيد فقرهم أكثر.

بالنسبة لوزير المالية والتخطيط الاقتصادي رأى المبادرة غير مناسبة للاقتصاد السوداني بوضعه الراهن، لذا رفض المبادرة، أما محافظ البنك المركزي والشخص المعني بالدرجة الأولى بهذه المبادرة رفضها أيضًا، على الرغم من إقراره بضعف الاحتياطيات النقدية الأجنبية، ولكنه رهن تحرير سعر الصرف بتحقيق فائض في الإنتاج المحلي.

والجدير بالذكر أن السودان يتعرض لحصار مصرفي ساهم بعرقلة تحويلات المغتربين عبر النوافذ الرسمية، حيث تصل تلك التحويلات إلى السوق السوداء وتعمل على تغذيتها ضد السوق الرسمية لتستخدم في المضاربة وفي الاستثمارات العاجلة غير المنتجة.

وأكد مسؤولون أن حجم الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي سببه وقف التسهيلات المصرفية الحكومية والبالغة نحو 2.5 ملياري دولار لأسباب عديدة، ذكروا منها العقوبات الاقتصادية على السودان وتراجع تحويلات العاملين في الخارج وانخفاض أسعار الصادرات السودانية في الأسواق العالمية.

ماذا يعني مفهوم تحرير العملة؟

تحرير العملة أو تعويمها أو سعر الصرف المرن، يقصد به جعل سعر صرف العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية، محررًا إما بشكل كامل ليسمى في هذه الحالة تعويمًا خالصًا أو كاملًا، بحيث لا يتدخل المصرف المركزي في تحديد سعر الصرف مطلقًا، وإنما يتحدد من خلال آليات العرض والطلب في السوق، أو بشكل تعويم موجه بحيث يتحدد سعر الصرف من خلال قوى سوق العرض والطلب، مع بقاء هامش للمركزي للتدخل حسب ما تقتضيه الحاجة، فقد يتدخل المركزي للتأثير على حجم العرض أو الطلب على العملات الأجنبية في السوق.

هذا يعني في كلا الحالتين أن يصبح سعر الصرف متقلبًا باستمرار مع كل تغير في كمية العرض أو الطلب على العملات الأجنبية في السوق المحلية، في حين أنها في آلية سعر الصرف الثابت المحددة من قبل المركزي من غير المفترض أن يتحرك سعر صرف العملة في السوق بتاتًا.

مثال لتبسيط العملية أكثر

العملة هي كأي سلعة في السوق، فلنفرض أن الدولة تقدم سلعة السكر للمواطنين بسعر مدعم بشكل كامل (كالمركزي عندما يقدم العملة بسعر صرف ثابت أمام العملات الأجنبية) حيث تستورد السكر من الخارج وتقوم بإعطائه للمواطنين بسعر ثابت غير قابل للتغير، ففي مقابل كيلو سكر واحد سيدفع المواطن جنيهين، وفي حال ارتفع سعر السكر أو انخفض في العالم سيظل سعر السكر جنيهين، وليس على المواطن التفكير هنا بآثار انخفاض السكر أو ارتفاعه عالميًا عليه، بينما ستتحمل الدولة كامل هذا الحمل.

ولكن الحقيقة أن الدولة ليست لوحدها في السوق، فهناك التجار والمستوردون الذين يوردون للسوق كميات سكر من نوعيات مختلفة يحاولون تقديمه بسعر أدنى من سعر الدولة (مضاربة) فتحاول الدولة مجاراتهم بتقديم دعم أكبر للسلعة بهدف خفض السعر أكثر.

وفجأة لم تعد الدولة قادرة على تحمل فاتورة الدعم، فتقوم بالتخلي عن سياسة الدعم مقابل تبني سياسة تحريرية (أو تعويم السعر) وتوكل للتجار في السوق عملية تحديد سعر الكيلو وفق ما يقتضيه العرض والطلب، ليصبح السعر وقتها مرتبط بالسعر العالمي للسكر، الذي يُحدد أيضًا وفق العرض والطلب، فإذا انخفضت كمية السكر ارتفع السعر وإذا ارتفعت الكمية انخفض السعر.

إسقاط المثال على سعر الصرف

في حالة العملة، الأمر يتعلق بالدولار في السوق، فالتجار والأفراد بحاجة للدولار لقضاء حوائجهم المختلفة، فإذا عرض المركزي سعر صرف ثابت ولبى كل طلبات الشراء من السوق فإن سعر الصرف لن يتأثر، في حين لو لم يلب المركزي كل طلبات الشراء بسبب عدم قدرته على ذلك، ستُخلق السوق الموازية أو السوداء لتسد النقص الحاصل، وتعرض سعر أفضل من المركزي ويبدأ المركزي بملاحقة ذلك السعر من خلال تقليل الفجوة قدر الإمكان لإعادة السوق نحو التوازن والمحافظة على سعر موحد، ولكن الذي يحصل أن السوق الموازية تقرأ هذا الإجراء أن المركزي لا يملك عملة أجنبية كافية لتغطية طلبات الشراء، فتتعزز السوق الموازية أكثر وتتشعب وتصبح منافسًا حقيقيًا للمركزي على العملة الأجنبية في البلد حتى يستسلم المركزي لهذه السوق ويطلب منها أن تحدد بنفسها سعر الصرف، بمثابة تعويم العملة أو تحرير سعر الصرف.

لماذا يلجأ المركزي للتعويم أو تحرير سعر صرف العملة؟

سياسة تحرير الأسعار وتعويمها ليس فقط في العملة بل في كل السلع، يدافع عنها بشراسة منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد (مؤسسها ميلتون فريدمان) والتيار الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد، إذ يزعمون أن تحرير أسعار الصرف والسلع والخدمات وأسعار الفائدة والأجور وغيرها، بتركها للسوق يقوم بتحديد سعرها من دون أي تدخل أو توجيه من قبل الدولة يضمن دائمًا الوصول إلى حالة التوازن في الاقتصاد بحيث يتحدد السعر العادل، والوصول لهذا السعر نابع من اعتقادهم بكفاءة الأسواق وعقلانيتها التي ستوصل الجميع لتحديد هذا السعر.

كيف ستستفيد الدولة من التعويم؟

بوصف المدرسة النقدية فإن تعويم العملة سيقود العجز التجاري للتوازن، فالعجز في بلد سيقود إلى طلب مكثف على العملات الأجنبية مما يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية للبلد، فتزداد الصادرات مقابل الحد من الواردات بشكل دراماتيكي، فيعتدل بذلك العجز التجاري ويعود إلى حالة التوازن والحالة نفسها في حالة وجود فائض تجاري.

هل نجحت سياسة التعويم في العالم؟

أثبتت هذه السياسة فشلها الذريع خلال السنوات الماضية من حيث إعادة التوازن للميزان التجاري، فالولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم ممن تتبنى سياسة سعر صرف معومة، تعيش عجزًا تجاريًا كبيرًا منذ عقود.

والقول أن تعويم العملات أعاد التوازن للعلاقات التجارية الدولية غير دقيق، فالعالم يعيش أيضًا حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب التقلبات المستمرة والكبيرة في أحيان لأسعار صرف العملات مقابل بعضها البعض والتي باتت محكومة بحركة المضارية العالمية.

إذن أين يكمن الصواب؟

لا يزال اقتصاديو العالم عالقين في دوامة إشكالية آلية سعر الصرف العادلة التي تحقق الاستقرار للاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي على حد سواء، وإلى الآن الجدل قائم حول هذا الموضوع، في حين تبقى الحلول المجتزأة هي الظاهرة، من خلال اجتماع قادة العالم ومحاولة الاتفاق على آلية وسياسة معينة لسعر صرف لا يضر العلاقات التجارية بين بعضها البعض، علمًا أنها دائمًا ما تبوء بالفشل.

مون بوست


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 18481

التعليقات
#1518340 [كعكول في مرق]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-2016 06:48 AM
3.6723
ديل خبراء شنو؟

"أثبتت هذه السياسة فشلها الذريع خلال السنوات الماضية من حيث إعادة التوازن للميزان التجاري، فالولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم ممن تتبنى سياسة سعر صرف معومة، تعيش عجزًا تجاريًا كبيرًا منذ عقود."

إنتو بتسمعوا اخبار سونا ياخبراء.
عايزين تقارنوا زبالتكم دي بالعملات العالمية؟

عملتكم إنخفض سعرها خلال الخمسين عاماً الأخيرة زي 20,000% منذ جنيه نميري كل 10 سنين تخفضوه 1-1000.

ما سمعتو بسلات العملات؟
الرهم اإماراتي منذ 50 سنة سعرها لم يتغير قصاد الولار الأمريكي 1 دولار = 3.6723 سعر ثابت لا يتغير وهي عملة حرة لأن العملة قوية بما يسندها من إقتصاد. أذكر في اواسط السبعينات الجنيه السوداني رغم ما أصابه من الوهن كان الجنيه الواجد يجيب أكثر من 8 درهم إماراتي - صباح اليوم 1 جنيه سوداني = 58 فلس ... من 800 إلى 58 فلس هذا لو قبل صاحب الصرافة أن يقبل بضاعتك.

سيبونا بالله في حالنا. الجنيه السوداني الآن جنازة بحر .. دايرين تعوما ليكم جنازة بحر؟ يللا بلا لمة.

[كعكول في مرق]

#1518156 [الناهه]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2016 12:28 PM
نفهمكم ليها بالسهل الممتنع كده وببساطة عشان ما تغرقوا في تصريحات الخبراء والاكاديميين الذين ظلوا ينظرون منذ انفصال الجنوب وذهاب عائدات البترول دونما فائده او امل
الحقيقة الامل مقطوع تماما في اي اصلاحات اقتصادية في ظل حكومة البشير المؤتمر الوطني الذي يرضع ثدي الدولة بنهم وشره يفوق ما يتمتع به بنو ادم وانهم يرفضون التقشف واعادة هيكلة الحكومة الى 12 وزير و6 اقاليم للحكم و100 عضو برلمان وتخفيض رواتبهم وسياراتهم الفارهة وحجهم وعمرتهم وعلاجهم وتعليم اسرهم بالداخل والخارج على نفقة الدولة ويرفضون محاكمة اي فاسد واسترداد المال الذي سرقه وهذا لن يقوى على تحمله اقتصاد امريكا واليابان مجتمعين .
الجنيه اصلا عائم مابين سعر تاشيري (يستفيد منه اهل الحظوة الحزبية والمواليه) ومابين السوق الموازي ( السوق الاسود) وما ان يتم تطبيق ضوابط الا وتسرق دولارات ويورهات من منزل احد الفاسدين ويتم القبض على بعض من يعلمون لديهم في تجارة العملة بوصفهم تجار عمله
الخلل يبدا وينتهي عند الحكومة وحزب المؤتمر الوطني بالتحديد هم سبب البلاء والابتلاء ولسنا في حاجة لنشر جداول بحالات الفساد والمفسدين
والله من وراء القصد

[الناهه]

#1518112 [و م ي]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2016 10:04 AM
اتفق مع الكاتب فيما توصل اليه من نتائج، ولكن ليس على اساس بداياته في التحليل البسيط الذي يترتب عليه ضياع كثير من المحددات الجوهرية وتتجاوز قانون العرض والطلب الساذج في تحديد سعر الصرف وتحديد مدي قدرة الجهاز المركزي على السيطرة في تحديد سعر الصرف في السوق الشرعي بالبلاد والذي لا يشمل السوق الموازي.

وللاسف فهو لا يمكن اليد/القاري من ادوات التحليل التي بها يمكن بها القارئ كمواطن من ان يقاوم بها قرارات السلطة البلهاء.

لكن مهما كانت نواقصه فان المقال يمكن اعتباره مقبول

(كاتب هذا التعليق سوداني ومتخصص في الاقتصاد السياسي لسعر الصرف في السودان).

ولك جزيل الشكر في مشاركتنا بهمومنا

[و م ي]

#1518048 [خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2016 05:36 AM
هنا الأسباب مختلفة.والمعالجة سهلةومعروفة.لاتذهبوا
بعيدا.

[خواجة]

#1518037 [عزابي و مفلس]
5.00/5 (1 صوت)

09-10-2016 03:26 AM
لو حررو الجنيه الدولار بصل لسعرو الحقيقي و غالبا يكون 20 جنيه و مع الانتاج و الصادر الواقف الدولار بواصل الارتفاع تاني الا يوقفو الله

[عزابي و مفلس]

#1518012 [يوسف رملي]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2016 11:22 PM
وبالامس القريب أجاز مجلس الوزراء الموقر الأداء المالي دون
أي عيوب .. ودون أدني احترام لعقول البشر ...
والشعب مطالب بالصبر ..

[يوسف رملي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة