الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
عدالة كسرى بين الحقيقة والأسطورة
عدالة كسرى بين الحقيقة والأسطورة
عدالة كسرى بين الحقيقة والأسطورة


09-25-2016 02:25 AM

لا صعوبة يواجهها الـملفق حين يدخل ما يريد إدخاله ضمن كتب دينية، أو موسوعات في معظم صفحاتها تعالج التاريخ الإسلامي.
العرب
نشأت في بيئة تتحدث عن عدالة كسرى، بل إنني كثيرًا ما سمعت جدتي وغيرها من كبار السنّ، يرددون هذا الكلام “ثلاثة لا تمسّهم النار وإن كانوا غير مسلمين، حاتم الطائي لكرمه، وعنترة بن شداد لشجاعته وفروسيته، وكسرى لعدالته”. وأشهر القصص التي علقت بذاكرة الطفل الذي كنته، والتي تبرهن على عدالة كسرى، تتلخص في أن الأخير قام بقطع جسد ابنه إلى نصفين متساويين، وعَلَّقَ كل نصف على جهة من بوابة القصر أو المدينة، لأنه طغى وظلم واستهتر مستغلاً موقعه كابن لكسرى.

المنظر في غاية البشاعة أولاً، وثانيا، ما كان له أن يدخل النسق الاجتماعي الحكائي، لولا رؤية القصّابين (الجزارين) يعلّقون الخرفان والنعاج وباقي الحيوانات المسلوخة أمام دكاكينهم، هذه الصورة الأولى كانت محفزًا أوليًّا، لأساطير تمّ خلقها لاحقًا، ولكي تكتسب صفة الديمومة، والتصديق وتجد لها مكانًا في الوعي الجمعي بلا رفض، إدخالها ضمن السردية الدينية؛ فما أسهل اختلاق الأحاديث ونسبتها إلى شخصية دينية لا يمكن الاعتراض عليها، وإلاّ اتُّهم المعترض بالمروق وربما الكفر.

كانت جملة “كسرى العادل” تحضر بقوة، لكن بطريقة عكسية، كلما قرأت كتابًا أو بحثًا عن أحوال المسيحيين في منطقة الهلال الخصيب، قبل الإسلام، فجرائم الملوك الساسانيين الفرس وعلى امتداد تاريخهم بحق شعوب المنطقة عامة والمسيحيين خاصة، تريك أن جملة “كسرى العادل” جملة مواربة، أو نقيضية سلبية، وأعني أن الألقاب والصفات النقيضية في اللغة العربية، عادة إنسانية بل في غاية الإنسانية، لأنها ابنة بارّة للغة الحب الذي استحوذ على ستين مفردة (أي الحبّ) فيها.

أمثلة هذه الجمل أو الصفات أو الألقاب النقيضية عديدة، ولكن أكثرها حضورًا في الأنساق الثقافية والاجتماعية، البصير للأعمى، وعينه كريمة، أو كريم العين، للأعور، كأنموذجين حاضرين، وشخصيًّا تعلمتهما وأنا في أول طفولتي، ولكن الصفات النقيضية السلبية، هي وصف سفاحين بالعدالة، وإلصاق كثير من جرائمه بآخرين سواه، أو تبريرها عبر استعمال الأدوات التي تستعملها اليوم مراكز البحوث والإعلام في توحيش وتهميج العدو، أي جعله متوحشًا همجيًّا خطرًا للغاية على أمن الإنسانية، وهو ما حدث مع العراق بعد اجتياح صدام حسين للكويت، لكن صدام حسين ابتلع الطُعم وصدَّقَ أن لديه رابع أو خامس جيش في العالم.

في كتابه القَيّم “تاريخ الكنيسة الشرقية” يذكر الباحث ألبير أبونا، تفاصيل كثيرة عن جرائم ملوك الساسانيين بحق المسيحيين، وكذلك كتاب “الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية” للباحث تيسير خلف، الذي اعتمد الوثيقة السريانية المعاصرة، مثلما يشير عنوان الكتاب، وممّا جاء في هذا الكتاب القَيّم والمختلف، والمبنيّ على وثيقة محايدة ومعاصرة، لا سيما وأن السريان خاصة والمسيحيين عامة، في منطقة الهلال الخصيب، قد تحولوا من حكم البيزنطيين والساسانيين، إلى حكم العرب المسلمين.

نوْجزها بما جاء في الرواية السريانية “وعامل كسرى الذين وقعوا تحت سيطرته بالقسوة، حتى إن اللسان ليعجز عن الحديث عن الضيقات والسلب والضرائب والسبايا والقتل التي حدثت في أعقاب انتصار كسرى الفرس.. بعد أن أدّب قورا، (مدينة) الرّها، ونهبت فضة الكنيسة القديمة وآنية الكنائس كافة، والفضة المحلاة بها والمذابح وقبة المذبح وأعمدته الأربعة والأعمدة الأخرى، وأرسل إلى كسرى أكثر من مئة ألف رطل، أمر كسرى أن يسبى الرهاويون إلى فارس بالسرعة الممكنة”.

نصّ معاصر للأحداث، يناقض ما علق ورسخ في الذاكرة الجمعية عند العرب المسلمين، النص موثّق عند المغلوبين، في حين الكلام عن عدالة كسرى، مزاعم لبست لبوس الدين، ولا أدلة تُثبتها، لا سيما وأن الأمر لا يتعلق في النص المعاصر أعلاه، والذي يصف قسوة كسرى في تعامله مع مَن وقع تحت سيطرته بالقول “إن اللسان ليعجز عن الحديث عن الضيقات والسلب والضرائب والسبايا والقتل التي حدثت في أعقاب انتصار كسرى الفرس”، بتغييب هذه الحقائق تمامًا، وتلفيق سردية تتحدث عن “عدالة كسرى الفرس” أو “كسرى العادل” فقط، وإنما بترحيل هذه الجرائم إلى شخصيات عربية مسلمة، وهو ما حفلت به كتب التاريخ عن دموية رموز عربية اتصفت بحنكة عسكرية واضحة، ساعدها عاملان، الأول: اندفاع العرب بعقيدة جديدة يؤمنون بسماويتها وأنها خاتمة الرسالات السماوية، ورحمة للعالمين، والعامل الثاني: إنهاك الإمبراطوريّتين لبعضهما بالحروب، وما سبباه من خراب في البشر والأرض، نجد تفاصيله في تاريخ ميخائيل الكبير، الجزء الثالث.

لا صعوبة يواجهها الـمُلَفِّق حين يدخل ما يريد إدخاله ضمن كتب دينية، أو موسوعات في معظم صفحاتها تعالج التاريخ الإسلامي، فهو ضمن أن كثيرين سيشمّون فيها رائحة دينية مقدسة، لا يمكن التشكيك فيها، أضف إلى أن تلفيق أحاديث تُنسب إلى مؤسس الإسلام، أو صحابته أو أهل بيته أو التابعين، كافية لتجعل مناقشتها علميًّا يُعدّ من المحرمات وانتهاك القدسية.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 10313


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة