متعة الحكاية
متعة الحكاية


09-27-2016 04:10 AM

بروين حبيب


الحكاية تقول إن مريضين في مستشفى يتشاركان الغرفة، أحدهما كان في إمكانه أن يجلس على سريره ويرى الخارج من خلال النّافذة، أما الثاني فقد كان وضعه سيئا جدا وما كان في إمكانه أن يتحرّك.
يوميا كان المريض الأول يعتدل في جلسته ويروي لزميله في الغرفة ما يراه عبر النافذة، قصص ممتعة عن الأطفال والبحيرة وطيور البط وكل أنواع المارة وممارسي الرياضة وكبار السن الذين يستمتعون بالشمس وقراءة جرائدهم وتبادل الأحاديث مع بعضهم بعضا.
وذات ليلة تعرّض الرجل لمضاعفات وتوفي، فطلب زميله في الغرفة أن يوضع في سريره، حتى يتمكن من رؤية الخارج إن تمكن من الجلوس، وهنا صعقته الممرضة بحقيقة أن النّافذة لا تطل لا على شارع ولا بحيرة وإنما على مجموعة بنايات، ثم صعقته أكثر حين أخبرته أن زميله الرّاحل كان أعمى!
تنتهي القصة هنا، وهي تملأ شبكات التواصل الاجتماعي ولكن لا أدري هل ما يمتع فيها هو عنصر الدهشة المتكرر مرتين؟ أم أنه سحر الحكاية ومدى تأثيرها على الشخص ومنحه الأمل والرغبة في الحياة واستعادة العافية؟ عند عرض الحكاية على أشخاص مختلفين سيفسر كل شخص أبعادها حسب خلفيته الثقافية والاجتماعية وتركيبته العصيّة عن الفهم بكل ما تحمله من أسرار جينية وتربوية، لكن التفسير الأهم هو أن للحكاية قدرة على جعل الشخص يقوم من تحت الرّدم. وقبل أن نفكر في هذه الحكاية أو أي حكاية أخرى بعينها، علينا أن نعترف أن ما أسس لكل اعتقاداتنا، سواء آمنا أن مصدرها رباني أو بشري إنّما هو الحكاية.
لقد وصلتنا الحكايات ورددناها وتناقلناها جيلا عن جيلا عبر المعمورة كلها لأن لها تأثير السحر في صقل الإنسان على عقيدة معينة أو فكر معين. ولنكن صريحين مع أنفسنا ونتفق أن أي كلام مهما كان منمّقا بالزخارف اللغوية فهو يحتاج لهيكل حكائي لنصدقه، وكلما كان هذا الهيكل متينا ومتقن البناء سهلت مهمة توغله في ذواتنا والاستحواذ على ألبابنا وكلّما كان الراوي جيدا في سرد حكاياته منحناه قيمة اجتماعية أكبر.
من قال إن هذا ليس صحيحا؟
في الاجتماعات العائلية وحلقات الأصدقاء نعمل دوما على دعوة أكثرهم صنعا لأجواء الفرح، ويبدو جليا أن من يتقن فن الكلام وسرد حكايات مناسبة مع كل مفاتيح الحديث التي تدور بين المجموعة هو الأقرب للجميع. في كل تعاملنا اليومي مع الآخر نحن نروي حكايات عن أنفسنا وعن المحيطين بنا. ويبدو طبيعيا جدا أننا عناصر حكاية ضخمة، نُعدُّ جزءا منها أو حلقة من حلقاتها المسلسلة. أمّا الذي لا نريد الاعتراف به هو أننا يمكن أن نكون أطرافا جيدة في تلك الحلقات ويمكننا أن نعدّل من الأحداث بجعلها أقل حدة وأكثر لطافة لتكون النتائج جيدة أو على الأقل أقل ضررا. نوع الحكاية التي نسردها هي التي تجعل من الحياة إما جميلة وإما سيئة.
ولا ندري فعلا لماذا هذه الرغبة الملحة عند الناس للاستماع للقصص، ولسرد قصصهم؟ تلك الرغبة أشبه بالحاجة للماء والهواء والغذاء. ولكنّ هناك سر عميق تعرفونه ولا تعرفونه وهو أننا بعد أن ننتهي من أي شيء لا يبقى لدينا غير الحكاية! وكلما بلغ أحدهم نهايته لا شيء يبقى منه غير الحكاية.
ندخل حفلات ومحاضرات ونذهب في رحلات ، نسافر ونعود، نلتقي أناسا ونقرأ كتبا ونعود بشيء واحد في حوزتنا وهو «الحكاية». نربح ونخسر، نحب ونكره، نمرض ونصح وندخل في دوامة الحياة بين ما يعصف بنا وما يرمي بنا على شطآن هادئة ولا يبقى منا سوى حكاية.
نرحل ونتلاشى ولا شيء يبقى منا غير حكاية، قد نختفي هكذا من دون تفسير كما اختفى آلاف الناس في الحروب وفي ظروف غامضة، من دون أن يعودوا أبدا ولم يبق منهم غير حكاية . وإن طرحنا أسئلة بلا نهاية فلن نفهم سر ذلك. كل ما نعرفه أن لكل شيء في عالمنا قصة يحلو لنا أن نسردها حين نجلس إلى شخص ما قد يكون حقيقيا أو افتراضيا، فالإنسان إن لم يجد من يحدثه فإنه سيحدث نفسه، لا مجال لإسكاته وقتل الرغبة في السرد في داخله. نحن كائنات تعيش لتروي وهذه ميزة لا ينفرد بها ماركيز.
ويقودنا أحد أشهر الرواة في محاضرة ساحرة إلى أسرار عجيبة مرتبطة بهذا الموضوع. كريستيان غودفروي المليونير الذي غادرنا منذ أربع سنوات والذي حقــــــق ثــــروته الكبيرة من سرد القصص، يصفعنا أولا برقم ضخم هو 8 ملايين يورو في ظرف ست سنوات كونها من سرد القصص، وهذه بداية موفقة جدا لفتح كل مسامات أجسادنا للإصغاء إليه ومعرفة سره.
نحن أيضا نريد أن نسرد قصصنا ونحقق ثروة يقول أحد الحاضرين خلال المحاضرة التي قدمها لكن كيف؟ فيمسك قلما ويسرد حكاية القلم.
هذا القلم لا أهمية له إن لم تمكسه يد ما وتخط به ما تريد، والمعنى ليس هناك شخص يمكنه النهوض لوحده، كل شخص منا بحاجة ليد تمسك به ليبدأ مشواره وعلينا تقبل ذلك، أما ثاني نصيحة يقدمها لنا هذا العبقري وهي أن القلم يجب أن يكون مبريا جيدا بشفرة حادة، وإلا فلن يكتب، وهكذا الإنسان، إن لم تبره الحياة وتجرحه وتترك آثارها عليه فلن يمتلك شيئا يقوله، النجاح لا نبلغه بقلوب ناعمة، ولا بأيدٍ طريّة. كونوا واثقين بعدها أن كل ما نخطه بقلم قد لن يكون صحيحا، لكن هذا لا يعني أن ما نكتبه نهائي وأبدي، من محاسن الصدف أننا يمكن أن نخطئ ونصحح أخطاءنا. قبل أن نقدم النسخة النهائية لقصتنا علينا تصحيحها، وكذلك حياتنا، هناك أخطاء يمكن أن تبدو لنا عظيمة وغير قابلة للتصحيح، ولكن خارج تلك المفاهيم التي تفرض علينا أن نبقى في نقطة الخطأ هناك اليد التي تمسك بنا وتساعدنا على تصحيح أخطائنا.
أما النقطة الرابعة وهي الأهم بالنسبة لغودفروي، فهي تأمل القلم في حد ذاته، إنّه يتكون من مادة الغرافيت أو الكاربون تغطيها مادة خشبية تحميها، إن لب الحكاية هنا يقول «عليك بحماية داخلك من الاختراقات الخارجية لتنجح في سرد حكايتك». هل يبدو الأمر صعبا؟ إن هذا السر هو الأعظم، حماية الداخل من العيون المتلصصة، من الثرثارين المستنفزين لك، ومن المدمرين لك بوجهات نظر سلبية. إحم داخلك لتمسك بزمام حكايتك.
أما خلاصة ما سبق فتكمن في الاستمرار في السرد، « إن انتهى قلمك إقتنِ قلما جديدا» فسر النجاح ليس أن تبدأ بل أن تستمر.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 9562


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة