الأخبار
أخبار إقليمية
التزامات الدولة تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان
التزامات الدولة تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان
التزامات الدولة تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان


10-09-2016 05:41 PM
نبيل أديب عبدالله
المحامي

ينبغي أن يكون كل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان قادرين على التطلع إلى مجلس حقوق الإنسان كمنتدى ومنطلق للعمل."
- بان كي- مون، الأمين العام للأمم المتحدة، 12 آذار/مارس 2007، افتتاح الدورة الرابعة لمجلس حقوق الإنسان
كان تدخل المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة في إعلاء مبادئ حقوق الإنسان، أساسه العلاقة الوثيقة بين السلم والأمن الدوليين من جهة، والإعتراف بحقوق الانسان، والحريات الاساسية من الجهة الأخرى. لقد كانت تلك العلاقة من أهم دروس الحرب العالمية الثانية، والتي كانت هي نفسها نتيجة مباشرة لإنكار حريات الإنسان والشعوب من قبل الفاشية والنازية والتي إنطلقت من إرساء حكم مستبد مطلق على بلادها، إلى محاولة إرساء حكم عنصري مطلق على العالم بأسره. إعترافا بتلك العلاقة أصبح أحد مقاصد الأمم المتحدة تعزيز حقوق الإنسان، والعمل على حمايتها. ورغم أن الأمم المتحدة تقر بأن المسؤولية والواجب الرئيسيين في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية يقعان على عاتق الدولة، إلا أنها في نفس الوقت ترى الدور الهام والحيوي الذي يمكن أن يلعبه الافراد والجماعات والتنظيمات في تعزيز إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وزيادة التعريف بها على الصعيدين الوطني والدولي، هو ما دفعها ــ أي الأمم المتحدة ــ لأن تعترف بحق، ومسؤولية الأفراد، والجماعات، والتنظيمات، في الإسهام في القضاء الفعال على جميع انتهاكات حقوق الانسان، والحريات الأساسية للشعوب والأفراد. نتيجة لذلك فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان رقم 53/144 بتاريخ 9 ديسمبر 1998 المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد، والجماعات، وهيئات المجتمع، في تعزيز وحماية حقوق الإنسان، والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً. وهو الإعلان الذي ذاع وعُرف بإعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي حدد نطاق إلتزامات الدولة تجاههم.
الإعلان ، في حد ذاته، ليس بصك ملزم قانونا. ومع ذلك، فإنه يحتوي على سلسلة من المبادئ والحقوق التي تستند إلى معايير حقوق الإنسان المنصوص عليها في الصكوك الدولية الأخرى الملزمة قانونا، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. علاوة على ذلك، فإن الإعلان تم إعتماده بتوافق الآراء في الجمعية العامة، وبالتالي فإنه يمثل التزاما قويا جدا من جانب الدول لتنفيذه. و الآن تدرس الدول بشكل متزايد مسألة تضمين مبادئ الإعلان في التشريعات الوطنية. وسواء فعلت الدول أم لم تفعل ذلك فستظل أحكام الإعلان ملزمة للدول فانوناً لأنها مجرد تكرار لأحكام ملزمة ملزمة لها بموجب تعهداتها السابقة..


من هو المدافع عن حقوق الإنسان؟
"السيبل الوحيد للتأكد من أن من أتفق معهم في الرأي يمكنهم التعبير عن رأيهم، يكمن في دعم حق أولئك الذين لا أتفق معهم في الرأي في التعبير عن رأيهم ". ~ اليانور هولمز نورتون
"أنا لا أوافقك على ما تقول، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله " مقولة منسوبة لفولتير

الشخص الذي يتصف بصفة المدافع عن حقوق الإنسان، والذي يجب أن يمتمتع بالحماية التي اسبغها عليه الإعلان، في مفعوم المجتمع الدولي حسبما عبر عنه الإعلان، هو الشخص الذي يقوم بمفرده، أو مع غيره بتعزيز وحماية حقوق الإنسان. المدافعون عن حقوق الإنسان يمكن التعرف عليهم بما يقومون به من أعمال، وليس بما يطلقون على نشاطهم، أو على منظماتهم من أسماء. والأعمال التي تهدف لتعزيز وحماية حقوق الإنسان ليست قابله للحصر، وإن كان يمكن تحديدها من حيث النوع.
ولكن قبل الدخول في ذلك يجب التنويه إلى مسألتين: الأولى هي أن الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان يشجع الجميع على أن يصبحوا مدافعين عن حقوق الإنسان. المواد 10 و 11 و 18 توضح الخطوط العريضة لمسؤوليات الجميع من أجل تعزيز حقوق الإنسان، والحفاظ على الديمقراطية ومؤسساتها، وعدم إنتهاك الحقوق الإنسانية للآخرين. المادة 11 تحمل إشارة خاصة إلى مسؤوليات الأشخاص الذين يمارسون المهن التي يمكن أن تؤثر على الحقوق الإساسية للآخرين، كضباط الشرطة والمحامين والقضاة، الخ. بمعنى آخر فإن الإعلان لا يتطلب تنظيما معينا، ولا إعتراف من أي جهة، لإكتساب صفة المدافع عن حقوق الإنسان بل هو يطلب من الجميع أن يقوموا بهذه المهمة.
والثانية هي أنه لا صلة بين الحماية التي يسبغها القانون الدولي على المدافع عن حقوق الإنسان، وبين صحة ما يتخذه من مواقف دفاعاً عن تلك الحقوق. فلا يشترط أن يكون موقفه صحيحاً، بالنسبة للقضايا التي يتبناها، بل يكفي أن يكون هدفه هو الدفاع عن حق من حقوق الإنسان. وقد يكون خطأ المدافع عن حقوق الإنسان متصل بالوقائع، كما وقد يكون متصلاً بتقديره فيما يتعلق بإنطباق الحق على تلك الوقائع، ولكن أيا من تلك الأخطاء لا تفقده صفته كمدافع عن حقوق الإنسان. فقد تكون معرفته بالوقائع غير سليمة، أو قد يكون قد تبنى تفسيراً خلافياً للحق الذي يدافع عنه، بل وقد يكون تفسيره لذلك الحق خاطئ وغير صحيح، ولكن كل هذا في حد ذاته لا يفقده صفة المدافع عن حقوق الإنسان، طالما أنه يدافع عن حق من الحقوق الواردة في الوثائق الدولية الثلاث. فالدفاع عن حق شخص في التعبير عن رأيه، لا يعني بالضرورة الإتفاق مع ذلك الرأي، فحرية التعبير متاحة للرأي، والرأي المضاد على السواء، وإلا فقدت معناها، ومن هنا جاءت المقولة المنسوبة لفولتير. لذلك فان تبنى المدافع عن حقوق الإنسان الدفاع عن حق شخص ما في التعبير عن رأيه، لا يتطلب صحة الرأي الذي يدافع عن حق صاحبه في التعبير عنه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل قد يخطئ المدافع نفسه في حدود الحق الذي يدافع عنه. مثال ذلك أن يكون الرأي الذي يدافع عن حق صاحبه في التعبير عنه، في واقع الأمر يتجاوز حدود حرية التعبير الدستورية، ففي هذه الحالة لا يكون خطأ المدافع عن حقوق الإنسان في تدبر نطاق الحق الذي دافع عنه سببا لنزع صفة المدافع عن حقوق الإنسان عنه، كما وأن ذلك الدفاع لا يجعله متعاطفاً مع ذلك الشخص بالنسبة لمحتوى الرأي الذي قاله.

نوع الأعمال التي يقوم بها المدافع حقوق الإنسان
"عندما أقدم الطعام للفقراء، يدعونني قديساُ، وعندما أسأل لماذا يجب أن يكون الفقراء جياعاً، يدعونني شيوعياُ".
~ دوم هيلدر كامارا، مطران الروم الكاثوليك البرازيلي ، والمؤلف، والمرشح لجائزة نوبل للسلام
النشاط الذي يؤهل صاحبه لحمل صفة المدافع عن حقوق الإنسان، هو النشاط المتصل بحق أو مجموعة من حقوق الإنسان بحيث يهدف لتعزيز أو حماية ذلك الحق أو تلك الحقوق. وحقوق الإنسان بالنسبة للمجتمع الدولي تعني كل ما ورد في الوثائق الثلاثة التي أصبح يُطلق عليها تعبير القانون الدولي لحقوق الإنسان وهي: 1) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و2) العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، و3) العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والإجتماعية. وهذا يعني أن الشخص أو مجموعة الأشخاص المعني أو المعنيون، بأي حق من الحقوق الواردة في الوثائق الثلاث، ويمارس نشاطاً يهدف لتعزيز تلك الحقوق وحمايتها، هو بالنسبة للمجتمع الدولي من المدافعين عن حقوق الإنسان. وعليه فإن المجموعات والأفراد المعنيون بمناهضة التعذيب، والقبض والإعتقال التعسفي، والتمييز بين الناس بسبب اللون، أو الجنس، أو الأصل، أو الدين، هم من المدافعين عن حقوق الإنسان بنفس القدر الذي يعتبر به من يقومون بمواجهة مشاكل الفقر، والبطالة، وشروط عمل النساء، من المدافعين عن حقوق الإنسان.
شمول حقوق الإنسان والمساواة بينها
"أنا لا أحفل بالتقاط الفتات التي يلقيها تعاطفا من مائدته من يرى في نفسه أنه سيدي. أنا أريد قائمة حقوقي كاملة ". ~ الأسقف ديزموند توتو
يعني ذلك أمرين الأول أنه حين يتحدث المجتمع الدولي عن المدافعين عن حقوق الإنسان، لايتحدث فقط عن المعنيين بالحقوق السياسية، بل يتحدث عن سائر المعنيين بأي من الحقوق الواردة في الوثائق الثلاث، سواء أكان ذلك الحق سياسياً أم إجتماعياً أم إقتصادياً. وهذا ما يشار إليه بشمول حقوق الإنسان. والثاني هو أن المجتمع الدولي لا يميز بين تلك الحقوق، بمعنى أنه لا يقدم الإهتمام بحق أو طائفة من الحقوق منها على ما عداها من حقوق، بل يعتبرها جميعاً على نفس القدر من الأهمية، وجديرة بنفس القدر من الإحترام. وهذا ما يشار إليه بالمساواة بين جميع حقوق الإنسان، فكل الحقوق الواردة في الوثائق الثلاث السابقة الاشارة لها، تكتسب نفس الدرجة من الأهمية، وتؤهل كل من يعنى في نشاطه بأي منها، لأن يُعامل بإعتباره من المدافعين عن حقوق الإنسان.
أهم أوجه نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان
أ. الدعوة لإصلاح القوانين
يختلف نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان من حيث الوسائل التي يتخذونها من أجل تعزيز، أو حماية الحقوق التي يهدفون لتعزيزها أو حمايتها. فهنالك من يقوم بالدعوة لإصلاح القوانين التي تنظم الحقوق والحريات العامة بغرض تحسينها، وجعلها متلائمة مع المستوى الدولي. وهذا النشاط يكتسب أهمية خاصة في الدول الحديثة العهد بالديمقراطية، ولكن ذلك لا يعني إنتفاء الحاجة له في البلدان الأخرى، لأن عدم إخضاع القوانين لمراجعة مستمرة قد يقود إلى تخلفها عن المفهوم المتطور لحقوق الإنسان. كما وأن تعرض الدولة لمخاطر أمنية قد يقود إلى تشريع قوانين تنفذ من خلالها أحكام مخالفة لحقوق الإنسان، وهو أمر شهدهـ العالم في أيام الحرب الباردة، وقد عاود الظهور الآن مع موجات التطرف الديني والأعمال الإرهابية. وعادة ما تستخدم تلك القوانين تعابير فضفاضة تتسم بالغموض، وغموض القانون يؤدي لإنتهاك عدد من الحقوف فالقانون الغامض ينتهك الحق في المحاكمة العادلة، لأن الشخص لا يعلم على وجه اليقين، وقت إتيانه الفعل موضوع المحاكمة، ما يجرمه القانون. كما وأن غموض القانون ينتهك الحق في المساواة، لأنه يتم تفسيره دائماً بشكل تمييزي ضد الفئات الأضعف في المجتمع، وذلك لأن الجهات المطبقة والمنفذه للقانون تنتمي واقعياً أو فكرياً لفئات متميزة، ممايجعلها تفسر القانون لصالح الطبقة التي تنتمي إليها. وهذا كله يجعل العاملين في حقل الإصلاح القانوني بغرض الدفاع عن الحقوق العامة من المدافعين عن حقوق الإنسان.
ب. رصد المعلومات المتعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان
يعتبر رصد المعلومات المتعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان، من أهم الأنشطة التي يزاولها المدافعون عن حقوق الإنسان. وهذه الإنتهاكات في الغالب تكون مخالفة للقوانين السائدة، مما يجعلها ترتكب في الخفاء، لذلك فإن رصدها وكشفها هو السبيل الوحيد لمعالجتها. كذلك ففي بعض الأحيان تكون هنالك عوائق قانونية تحول دونها ودون سبل الإنتصاف بشأنها، ومن ذلك وجود الحصانات في القوانين بالنسبة لأجهزة تنفيذ القانون، مما يجعل رصدها ضرورياً لمراجعة القوانين على ضوء ما يظهره الرصد من نتائج سلبية لتلك القوانين. والنشاط المتصل برصد الإنتهاكات هو نشاط بالغ الأهمية، لأنه بشكل عام لا يخلو نظام ما من تلك الإنتهاكات. فحتى حين يكون القانون الوطني محكم النصوص ومنصفاً للخاضعين له، فإن ذلك في حد ذاته لا يمنع من وقوع الإنتهاكات الناجمة عن الأوضاع الإجتماعية غير المتكافئة، خاصة في ظل عدم إنتشار ثقافة حقوق بشكل كاف لدى قوات الضبط وتنفيذ القانون. لذلك فإن المدافعين عن حقوق الإنسان الذي يعملون في مجال رصد الإنتهاكات يقدمون خدمة هامة للدولة حين يقومون بدورهم في رصدها ونشرها، لأن حقوق الإنسان هي إستحقاق دستوري، يتوجب على الحكومة أن تسهر على توفيره للكافة. إلا أنه كثيراً ما تكون المسؤولية السياسية التي تقع على حكومة اليوم من جراء كشف تلك الإنتهاكات سببا لشعور الحكومة بالعداء تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان، مع أن شعبية الحكومة تتأثر صعوداً وهبوطاً في واقع الأمر بمعالجتها أو إغفالها لما يظهر من إنتهاكات، وليس من وقوع الإنتهاكات التي تكشف عنها منظمات الرصد.
ج. دعم ومساعدة الضحايا
وبعض المدافعين عن حقوق الإنسان يختصون بمسائل دعم ومساعدة ضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان فيقدمونقانون لهم دعماً يتمثل أحيانا في توفير المعونة القانونية، فيقدم لهم عن طريق المحامين النصح القانوني وأحيانا تمثيلهم في المقاضاة لاسترداد حقوقهم أو لتعويضهم عما كابدوه نتيجة لتلك الإنتهاكات. ويتمثل الدعم الذي يقوم به بعض المدافعين عن حقوق الإنسان لضحايا الإنتهاكات في شكل مختلف يتمثل في إعادة تأهيل الضحايا من حيث غزالة ما لحقهم من أضرار جسدية، أو نفسية، وتدريبهم على مزاولة حرفة أو مهنة.
د. تدعيم الخضوع للمحاسبة و دعوات المناصرة
كذلك يتجه بعض المدافعين عن حقوق الإنسان نحو تدعيم الخضوع للمحاسبة، ومنع الإفلات من العقاب. وهذا بشكل عام يتصل بالنشاط المتعلق بالمناصرة، ورفع الوعي، بحيث يتم دفع الحكومة المعنية لتبني المستوى الدولي المتعلق بالخضوع للمحاسبة بقيامها باصلاح القوانين السائدة لمنع الافلات من العقاب.
كما ويشمل نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان المتعلق بدعوات المناصرة ورفع الوعي دعوة الدولة للإنضمام للعهود المتعلقة بحقوق الإنسان الدولية والإقليمية، ومن ذلك مثلاً دعوة السودان للتوقيع على العهد الدولي لمنع التعذيب، والتصديق عليه أو للإنضمام لإتفاقية سيداو، والإنضمام للمحكة الإفريقية لحقوق الإنسان، وتنفيذ القرارت الصادرة ضد السودان من اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وكل ذلك من الأمور المتعلقة بإكمال إنضمام البلاد إلى ركب حقوق الإنسان العالمي.
وأخيراً فبعض المدافعين عن حقوق الإنسان يعملون في مجال التعليم والتدريب بالنسبة للعاملين في تطبيق القانون، أو تنفيذه، كالقضاة، ورجال الشرطة، والأمن، وكذلك العاملين في مجال رصد إنتهاكات حقوق الإنسان وغير ذلك.

مرتكبو الإنتهاكات
أن تقف بمعزل عن الصراع بين من في يدهم السلطة، وبين عامة الناس، لا يعني أنك تقف على الحياد في ذلك الصراع، بل يعني أنك منحاز لمن في يدهم السلطة
~ Paulo Freire
أكثر الجهات إرتكاباً لإنتهاكات حقوق الإنسان هي السلطات العامة. والسبب في ذلك هو أن ممارسة السلطة تنطوي على تدخل في حرية الأفراد، فالسطة نفسها هي نتاج العيش في مجموعة والذي إستلزم وجود السلطة لتنظيم العلاقات داخل المجموعة، بشكل مستقل عن إرادة الأفراد. وقد ظهرت حقوق الإنسان لمنع ممارسة السلطة العامة لسلطاتها بشكل متعسف. لذلك فحقوق الإنسان هي في الأساس حقوق في مواجهة السلطة العامة. فوثيقة الحقوق التي وضعتها تاريخياً الثورات في مختلف الدول، ورفعتها إلى مرتبة الحقوق الدستورية، يصفها توماس جيفرسون بأنها هى" تلك الحقوق التي يتمتع بها الشعب في مواجهة أي حكومة في العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها " ويقول عنها ماديسون " أساس وثيقة الحقوق هو أن تقوم بتمديد سلطات الحكومة وتؤطرها بأن تخرج من نطاق تلك السلطات، الحالات التي يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن أن تلزمها بأن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة" الواقع وفق هذا التأطير يقول أن إنتهاك حقوق الإنسان يتم بتجاوز حدود السلطة، أو بالخروج عن الشرعية. وفي الغالب تأتي الإنتهاكات من رجال تنفيذ القانون، وقد يكون ذلك نتيجة لخطأ السلطة التشريعية حين تمنحهم سلطات مخالفة للدستور. ولكنه أحيانا يكون بمبادرة منهم، حين يدفعهم حماس غير مبرر، لتجاوز القانون فيقوموا بإجراء قبض أو إعتقال تعسفي، أو تفتيش مخالف للقانون. لذلك ففي كثير من الأحيان يجد المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم بسبب طبيعة نشاطهم في مواجهة مع السلطات العامة. وتتخذ المواجهة شكلاً أكثر حدة بالنسبة لمن يمارسون منهم الأنشطة المتعلقة برصد الإنتهاكات، والدعوة للخضوع للمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب. وفي الغالب يدفع هذا العداء، ما لم يتم إحتواؤه عن طريق رفع قدرات أجهزة تنفيذ القانون، بتدريسها مبادئ حقوق الإنسان، تلك الأجهزة إلى مزيد من الإنتهاكات ومزيد من مخالفة القانون. وأكثر الأمثلة للإشتباك بين المدافعين عن حقوق الإنسان وأجهزة تنفيذ القانون شيوعاً، هو محاولة منع نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان عن طريق رفض تسجيلهم كمنظمات غير حكومية بغرض إفقادهم الشرعية في ممارسة نشاطهم، وهو الأمر الذي لا ينتهك فقط حرية المدافعين عن حقوق الإنسان في التنظيم، بل ينم عن قصر نظر الأجهزة التي تعمد لذلك، لأن فعاليتها لا تتحقق إلا بإحترام حقوق الإنسان.
المنتهكون من خارج جهاز الدولة

لا تقتصر إنتهاكات حقوق الإنسان على أجهزة تنفيذ القانون، ففي أحيان كثيرة لا يمكن التعرف على مرتكبي الإنتهاكات، وذلك حين تتم بواسطة أشخاص مجهولين مثل الخطف والقتل خارج القانون، دون أن يكون متاحاً التعرف على أشخاص مرتكبي الفعل. كذلك ففي حالات النزاعات المسلحة داخل الدولة فكثيراً ما تقوم الحركات المسلحة سواء أكانت تسيطر على مناطق معينة أول لم تكن، بتصفية الخصوم أو إيقاع الأذى بهم، وحرمان المدافعين عن حقوق الإنسان داخل المناطق التي تسيطر عليها تلك الحركات من ممارسة نشاطهم.
ويمكن أيضاً لشبكات الإجرام أن تلعب دوراً في قمع الدافعين عن حقوق الإنسان، بالأخص بالنسبة لتلك المجموعات التي تدعو للشفافية، ومحاربة الفساد. وفي بعض الأحيان تقوم شبكات الإجرام المالية، حين تكون قد تمكنت من التغلغل في جهاز الدولة، بإستخدام سلطات الدولة بشكل غير مشروع في قمع المدافعين عن حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يجب معالجته كجزء من الإنتهاكات المسؤولة عنها مجموعات خارج الدولة، حتى ولو كانت قد تمكنت من إستغلال مواقع لها داخل جهاز الدولة في عمليات القمع.
الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان
وضعت الأمم المتحدة القواعد اللازمة لحماية نشاطهم بموجب الإعلان المعروف بإسم حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذي أجيز بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 35/144 بتاريخ 9ديسمبر 1998 والذي أكد من جديد أهمية مراعاة مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها من أجل حماية وتعزيز الحريات الأساسية لجميع الأشخاص في جميع بلدان العالم. الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان تحدده المادة الأولى من الإعلان حين تنص على أنه" من حق كل شخص ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره ، ان يدعو ويسعى الى حماية وتفعيل حقوق الانسان والحريات الاساسية على الصعيدين الوطني والدولي" مقروءة مع المادة 3 من الإعلان ونصها "يشكل القانون المحلي المتفق مع ميثاق الامم المتحدة والالتزامات الدولية الاخرى التي تقع على عاتق الدولة في ميدان حقوق الانسان والحريات الاساسية، الاطار القانوني الذي ينبغي ان تجري فيه إعمال حقوق الانسان والحريات الاساسية والتمتع بها ، وتنفيذ جميع الانشطة المشار اليها في هذا الاعلان من اجل تعزيز تلك الحقوق والحريات وحمايتها واعمالها بشكل فعال" وهذا يعني أنه في حين أن القانون الوطني هو الذي يشكل الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان، إلا أن ذلك القانون يجب أن يكون متوافقاً مع إلتزامات الدولة في ميدان حقوق الإنسان. وعليه فإن ان أي احكام في القانون الوطني من شأنها أن تعرقل نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان، يجب أن تكون متفقة مع القيود الدولية والتي تتمثل أساساً في أن يكون نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان نشاطاً سلمياً، وإلا ف‘ن القانون نفسه يفقد شرعيته في نظر المجتمع الدولي. بشكل عام يجب أن تعترف القوانين الوطنية المنظمة لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان بحقوقهم المتضمنة في الإعلان وأهمها الحقوق التالية:
أ. حق التجمع والتنظيم
تنص المادة الخامسة من الإعلان على أنه لغرض تعزيز وحماية حقوق الانسان والحريات الاساسية ، يكون لكل شخص الحق ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره ، على الصعيدين الوطني والدولي ، في :
أ- الالتقاء او التجمع سلمياً ؛
ب- تشكيل منظمات او جمعيات او رابطات او جماعات والانضمام اليها والاشتراك فيها ؛
ج- الاتصال بالمنظمات غير الحكومية او بالمنظمات الحكومية الدولية

ب. حق طلب المعلومات والإحتفاظ بها ونشرها
كما وتنص المادة السادسة من الإعلان على أنه لكل شخص الحق ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره في :
معرفة المعلومات المتعلقة بجميع حقوق الانسان والحريات الاساسية، وطلبها، والحصول عليها، وتلقيها، والاحتفاظ بها، بما في ذلك الاطلاع على المعلومات المتعلقة بكيفية إدماج هذه الحقوق والحريات في النظم التشريعية او القضائية او الادارية المحلية؛
ب- حرية نشر الآراء والمعلومات والمعارف المتعلقة بجميع حقوق الانسان والحريات الاساسية او نقلها الى الآخرين واشاعتها بينهم ، وفق ما تنص عليه الصكوك المتعلقة بحقوق الانسان وغيرها من الصكوك الدولية المنطبقة؛
ج- دراسة ومناقشة وتكوين واعتناق الآراء بشأن مراعاة جميع حقوق الانسان والحريات الاساسية في مجال القانون وفي التطبيق على السواء ، وتوجيه انتباه الجمهور الى هذه الامور بهذه الوسائل وبغيرها من الوسائل المناسبة .
ج. حق الوصول دون عائق الى الهيئات الدولية المختصة
وتنص المادة التاسعة فقرة 4 من الإعلان على أنه وتحقيقاً للغاية نفسها ( أي الافادة من الحماية أو سبل الإنتصاف الفعال في حالة انتهاك هذه الحقوق) يحق لكل شخص ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره وفقاً للصكوك والاجراءات الدولية المنطبقة الوصول دون عائق الى الهيئات الدولية المختصة اختصاصاً عاماً او محددا بتلقي ودراسة البلاغات المتعلقة بمسائل حقوق الانسان والحريات الاساسية ، والاتصال بتلك الهيئات .

واجب الدولة تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان
بالإضافة للواجب العام بضمان الحقوق المذكورة أعلاه، يضع الإعلان واجبات محددة على الدولة وهي الواجبات المذكورة في المواد 2 و 9 و 12 و 14 و 15 وتشمل مسؤولية الدولة عن حماية وتعزيز وإعمال جميع حقوق الإنسان وواجبها في ضمان ذلك. ويشمل ذلك:
التأكد من أن جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية يتمتعون بجميع الحقوق والحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها في الممارسةالعملية؛
والقيام بالخطوات التشريعية والإدارية وغيرها التي قد تكون ضرورية لضمان التنفيذ الفعال للحقوق والحريات.
وتوفير سبل انتصاف فعالة للأشخاص الذين يدعون أنهم وقعوا ضحايا لانتهاك حقوق الإنسان؛
وإجراء تحقيقات سريعة ومحايدة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان؛
و اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان حماية الجميع من أي عنف أو تهديد أو انتقام أو تمييز ضار أو ضغط أو أي إجراء تعسفي آخر نتيجة لممارسته أو ممارستها المشروعة للحقوق المشار إليها في هذا الإعلان.
وتعزيز فهم الجمهور للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
وضمان ودعم إنشاء وتطوير مؤسسات وطنية مستقلة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، مثل أمناء المظالم أو لجان حقوق الإنسان؛
وتعزيز وتسهيل تدريس حقوق الإنسان في جميع مستويات التعليم النظامي والتدريب المهني.

الرقابة الدولية على حالة المدافعين عن حقوق الإنسان

طلبت لجنة حقوق الإنسان في قرارها 2000/61 المؤرخ 26 نيسان 2000 من الأمين العام تعيين ممثل خاص بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان. وكانت اللجنة تهدف من ذلك تقديم الدعم لتنفيذ الإعلان ولجمع معلومات عن حالة المدافعين عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. في أغسطس 2000، عين الأمين العام السيدة هينا جيلاني كأول من شغل هذا المنصب. ويلاحظ ما يلي في خصوص هذا المنصب.
1. التفويض الرسمي للممثل الخاص يمكنه من أداء عمله في استقلال تام عن أية دولة، فهو ليس من موظفي الأمم المتحدة ولا يتقاضى راتبا منها.
2. مهام الممثل الخاص، المبينة في الفقرة 3 من قرار لجنة حقوق الإنسان 2000/61، تتمثل في أداء المهام الرئيسية التالية: (أ) التماس وتلقي وفحص وإتخاذ الموقف المناسب بشأن أي معلومات عن حالة وحقوق أي شخص ، يتصرف بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ (ب) إقامة تعاون وإجراء حوار مع الحكومات وغيرها من الجهات الفاعلة المعنية بشأن تعزيز وتنفيذ فعال للإعلان. (ج) التوصية باستراتيجيات فعالة لتحسين حماية المدافعين عن حقوق الإنسان ومتابعة هذه التوصيات؛
وقد حثت لجنة حقوق الإنسان جميع الحكومات على التعاون مع، ومساعدة الممثل الخاص، وتوفير جمع المعلومات المطلوبة. ويقوم الممثل الخاص بتقديم تقارير سنوية إلى اللجنة ( اصبحت الآن مجلس حقوق الإنسان) وإلى الجمعية العامة.
يبدو لي من المحاكمات التي جرت أخيراً وتلك التي ما زالت تجري أن أجهزة تنفيذ القانون لدينا ما زالت بعيدة تماماً عن إستيعاب دورها الذي يلقيه عليها المستوى الدولي، ليس فقط في الإمتناع عن الإسترابة عن المدافعين عن حقوق الإنسان ومطاردتهم، بل على وجه الخصوص في مساعدتهم في أداء واجبهم، وعلى وجه أخص في أن يقوموا هم ــ أي أجهزة تنفيذ القانون ــ بأداء دورهم بإعتبارهم أحد أهم المدافعين عن حقوق الإنسان.
نبيل أديب عبدالله
المحامي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2124


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة