رواية وحيدة
رواية وحيدة


10-13-2016 12:42 PM

أمير تاج السر
مازلت أحتفل سنوياً، في داخلي على الأقل، بذكرى نشر أول عمل روائي لي. كان ذلك في دار نشر صغيرة في القاهرة، وأتذكر أن ثمة رواية أخرى كتبها عامل في مصنع، تزامن نشرها مع نشر روايتي في الدار نفسها، كانت رواية ذلك العامل هي الوحيدة له وقد شحنها بكل ما أراد ذكره من تفاصيل حياته وعمله، وكفاحه المستمر، لكنه بعد ذلك انزوى، أو بالأصح لم يظهر على السطح وظلت روايته محدودة القراء، في زمن لم يكن ثمة إعلام واسع ليطارد كاتباً طارئاً وينبشه في تجربته.
هذا السلوك، أي كتابة عمل روائي واحد، يختفي بعده الكاتب، ليس اختراعاً حديثاً فمنذ أن بدأ الناس بكتابة الرواية كان دائماً هناك من يكتب مرة ولا يكتب بعدها أبداً، وذلك لأسباب كثيرة منها: أن الكاتب لم يكن متفرغاً للكتابة، لانشغاله بوظيفة يعتاش منها ولا يريد أن يزحم نفسه بضرة لها، فلا يخلص للاثنتين فيما تكون الرواية الوحيدة التي كتبها شحنة عابرة خنقته، واضطرته لإخراجها وكفى، من الأسباب أيضاً أن تكون الكتابة عند البعض انشغالاً مؤقتاً جاء في فترة ما وذهب فلا تبقى حاجة له.
في المقابل كانت بعض الروايات (الوحيدة) لكتاب بعينهم مرموقة جداً، استطاعت أن تحدث نقلات جيدة في الكتابة، مثل رواية المكسيكي: خوان رولفو ، بدرو بارامو ورواية المصري النوبي محمد خليل قاسم (الشمندورة) وهناك نماذج كثيرة في الأدبين العربي والعالمي.
كتب خوان رولفو مجموعات قصصية فكان مشروعه غالباً في القصة القصيرة وكذلك كانت رواية بدرو بارامو في تركيبتها أقرب للقصة القصيرة والشمندورة رواية وحيدة أغنت عن عشرات الروايات التي كان من الممكن أن تكتب عن منطقة النوبة في صعيد مصر وأعتقد أن قاسم بعدما أنجز (الشمندورة) لم يرد أن ينجز غيرها حتى تظل جوهرة.
من الأمثلة أيضاً رواية (موفي ديك) الشهيرة للكاتب هيرمان ملفيل وهي رواية وحيدة وشاهقة في عالم الروايات وكانت السبب في الاحتفاء بكاتبها كثيراً وإيصاله وهي موجودة إلى القمة بترجمات جيدة في مختلف اللغات.
سألني كاتب ليس من الشباب يعمل موظفاً كان قد أنجز رواية واحدة منذ عشر سنوات ولم يجد وقتاً أو دافعاً لينجز غيرها برغم وجود كثير من الأفكار التي تتحاوم في رأسه ولا يستطيع أن يدفع تكاليف النشر بلا عناء، إن كان ذلك عيباً، أي أن يظل هكذا صاحب رواية واحدة؟
كان ردي هو أن الأمر عيب كبير، إن كان الكاتب مهتماً فعلاً بالكتابة وسبق أن راودته فكرة تبني مشروعا خاصا به، ففي هذه الحالة عليه أن يضاعف من تحليقه وينسى تكلفة نشر الكتاب، في هذه الحالة قد يكتب شيئاً جيداً، أما في حالة أنه لم يكن مهتماً أصلاً، وكتب بدافع شحنة أجبرته، فلا مشكلة، وهنا سيحتفظ التاريخ باسم روايته الوحيدة ومضمونها، إن كانت شحنته المفرغة جيدة، وقد لا يذكرها أحد رغم أنها كذلك والكاتب- بالطبع- لن يهمه شيء، لأنه خارج دائرة الاهتمام بمنجزه ومنجز الآخرين

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 540


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة