الأخبار
أخبار إقليمية
هل نحن مقبلون على حرب قضائية ؟
هل نحن مقبلون على حرب قضائية ؟
هل نحن مقبلون على حرب قضائية ؟


10-16-2016 01:48 PM
نبيل أديب عبدالله / المحامي

الجاستا وما أدراك ماالجاستا
أثار القانون الذي صدراً مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية والمعروف بالجاستا موجة من السخط تكاد تكون قد شملت جميع السلطات التنفيذية لمختلف دول العالم، بمافي ذلك السلطة التنفيذية للبلد الذي أصدره.
كلمة جاستا هي إختصار بالأحرف الأولى للكلمات المكونة لإسم القانون وهي Justice Against Sponsors of Terrorism Act (JASTA والجملة تعني قانون العدالة في مواجهة الداعمين للإرهاب ولنبدأ بسخط السلطة التنفيذية عليه في البلد الذي أصدره.
في سبتمبر عام 2015م تمت إعادة تقديم مشروع القانون، والذي كان تم إقتراحه لأول مرة في ديسمبر عام 2009م إلا أنه سقط في زوايا النسيان لعدم حماس الأعضاء لدعمه ولكنه هذه المرة لاقى حظاً مختلفاً. فمنذ لحظة إقتراحه ظهر أن المشروع يحظى بتأييد عابر للحدود الحزبية، والجغرافية على السواء، فقد تم إقتراحه بواسطة عضوي مجلس الشيوخ John Cornynالجمهوري من تكساس وهي ولاية جنوبية وChuck Schumer, الديمقراطي من نيويورك وهي ولاية شمالية. وقد تمت أجازة القانون بالتصويت الصوتي في مجلس الشيوخ، مما يعكس ثقل التأييد الذي يحظى به الإقتراح,أما في مجلس النواب فقد ساهم في تقديم الإقتراح عدد خمسين نائباً من الحزبين، على رأسهم بيتر كينج الجمهوري، وجيرود نادلر الديمقرالطي.
ورغم أن مجلسي البرلمان قد أجازا المشروع بسلاسة، إلا أن القانون قوبل بمعارضة ضارية من السلطة التنفيذية بدأت قبل إجازته، بتصريح السكرتير الصحفي للبيت الأبيض والذي ذكر أن البيت الأبيض يشعر بالقلق من جراء إحتمال إجازة القانون، لما قد تسببه إجازته من إصدار قوانين مشابهة بواسطة الدول الأخرى، مما قد يسبب خطورة على دافع الضرائب، والجنود، والدبلوماسيين الأمركيين. ورغم ذلك فقد تمت إجازة القانون، مما أدى لأن يستخدم الرئيس اوباما سلطته في الإعتراض على التشريع، وأن يرفض أن يوقعه، مما إستلزم إعادته مره أخرى للكونجرس، وقد تم تجاوز الإعتراض في مجلس الشيوخ بأغلبية 47 صوتاً مقابل صوت واحد وإمتناع عضوين عن التصويت. وقد أيد مجلس النواب إصدار القانون بتجاوز إعتراض الرئس بأغلبية 348 صوتاً مقابل 77 ، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها الكونجرس إعتراضاً من الرئيس أوباما، على تشريع سبق واصدره.
وقد صدرت عقب ذلك عدد من التصريحات من الإدارة الامريكية، تبدي تخوفها من أثر ذلك التشريع على علاقات الولاية المتحدة الخارجية، وبالتحديد على جنودها ومسؤوليها ودبلوماسيها في الخارج، كان أهمها بيان مدير وكالة المخابرات المركزية جون برينان فيما يتعلق بالقانون والذي جاء فيه " أنا أفهم بعمق الألم الذي سببه 11 سبتمبر، لقد نشأت على الجانب الآخر من نهر هدسون في نيو جيرسي، ولقد قضيت الكثير من حياتي المهنية في محاولة لمنع الإرهابيين من إيذاء بلدنا. إن أحداث ذلك اليوم من ىسبتمبر سيظل معنا إلى الأبد. يمكنني فقط أن أتصور الكرب الدائم الذي يجب أن يشعر به أسر الضحايا، وأنا أتعاطف مع جهودهم المكرسة لتحقيق العدالة. ومع ذلك، فإنني أعتقد أن قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب (JASTA) سيكون له عواقب وخيمة على الأمن القومي للولايات المتحدة. والنتيجة الأكثر إضرارا يمكن أن تلحق بأولئك المسؤولين الحكوميين الأمريكيين الذين يعملون بأخلاص في الخارج نيابة عن بلادنا. مبدأ الحصانة السيادية يحمي المسؤولين الامريكيين كل يوم، وهو مبدأ متجذر في المعاملة بالمثل. إذا فشلنا في دعم هذا المبدأ بالنسبة للبلدان الأخرى، فإننا نضع مسؤولي أمتنا في خطر. لا يوجد بلد يمكن أن يخسر من تقويض هذا المبدأ أكثر من الولايات المتحدة ومؤسسات قليلة ستكون في خطر أكبر من وكالة المخابرات المركزية. أي تشريع يؤثر على الحصانة السيادية للدولة يجب أن نأخذ فيه بعين الاعتبار المخاطر المصاحبة لأمننا القومي."
كانت السعودية قد أبدت معارضتها للمشروع عند تقديمه، وهددت أنها حال إجازته ستسيل سندات الخزانة الأمريكية التي تملكها، والبالغ قيمتها حوالي 750 بليون دولار، بالأضافة للأصول الأمريكية الأخرى التي بحوزتها. ولكن عدد من الاقتصاديين صرحوا لصحيفة النيويورك تايمز آنذاك، أنه ليس من المحتمل أن تنفذ السعودية تهديداتها لصعوبة تنفيذ المقاصة المترتبة على البيع، ولأن ذلك من شانه أن يسبب إنهياراً للإقتصاد السعودي. عموماً حتى الآن لم تنفذ السعودية تهديداتها
ماهي الأحكام التي أثارت كل هذا القلق
قيل بأن القانون من شأنه أن يهدد أحد المبادئ المستقرة في القانون الدولي وهو مبدأ سيادة الدولة، والذي يقضي بعدم جواز مقاضاة دولة أمام محاكم دولة أخرى. ويبدو أن حكم المادة (3) من القانون والتي منحت المحكم الأمريكية الإختصاص بالفصل في الدعاوى التي ينشأ سببها عن المطالبة بتعويض عن الأذى الجسماني أو الإضرار بالممتلكات أو الموت الذي يقع في إقليم الولايات المتحدة، والذي يتسبب فيه فعل من أفعال الإرهاب الدولي. وكذلك بالنسبة للأفعال التي تنطوى على خطأ مدني، بسبب مسؤولية تقصيرية تقع في أي مكان بواسطة وكيل أو موظف لدى الدولة أجنبية في نطاق عمله. على أن المادة تستبعد صراحة أعمال الحرب من نطاق أعمال الإرهاب الدولي، كما وتستبعد من دعاوى المسؤولية التقصيرية التي تقوم على الإمتناع عن القيام بفعل كان بتوجب القيام به أو تلك المؤسسة فقط على الإهمال.
لاجديد في القانون الأمريكي
السؤال هو ما هو الجديد؟ ما هي الحصانة الإجرائية التي كانت تتمتع بها الدول الأجنبية في مواجهة إختصاص محاكم الولايات المتحدة قبل ذلك القانون؟ الواقع أن الحصانة الممنوحة للدول الأجنبية في أمريكا لم تكن أصلاً حقا لتلك الدول، فقبل سن قانون حصانات السيادة الأجنبية 1976 (FSIA)، كانت وزارة الخارجية الأمريكية هي الجهة التي تحدد ما إذا كان سيتم منح دولة أجنبية الحصانة أمام محاكم الولايات المتحدة.
صحيح أن قانون حصانات السيادة الأجنبية أخذ بالحصانة الإجرائية، ولكنه أخذ بنظرية الحصانة المقيدة. كما وأنه قبل صدور القانون الحالي كان قد سمح بالمقاضاة من خلال تطبيق قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام الفعلية للعام 1996 والذي عدل FSIA. فنصت المادة 221 منه على أن الحصانة لن تكون متاحة للدولة الراعية للإرهاب على النحو الذي تحدده وزارة الخارجية (حاليا: كوبا، إيران، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان وسوريا) وذلك بالنسبة للدعاوي التي يرفعها أمريكيون للمطالبة بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية بسبب الإصابة أو الوفاة الذي تسبب فيه عمل من أعمال التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، وتخريب الطائرات، وأخذ الرهائن، أو توفير الدعم المادي أو الموارد لمثل هذا الفعل. إذاً فبالنسبة للسودان لم يتغير شيئاً. من كل هذا نجد أنه ليس هنالك تغيير من حيث المبدأ ولكن بالنسبة للدول الداعمة للإرهاب لم يعد الأمر في يد وزارة الخارجية، بل أصبح في يد القضاء، وبالتالي لم يعد يطال فقط الدول السبع المحددة بواسطة وزارة الخارجية بل أصبح يطال كل الدول. ولكن وضع المسألة في يد القضاء لن يحلها فهنالك صعوبات حقيقية في تعريف الإرهاب.
ما هو المقصود بالإرهاب
الإرهاب يشمل كل الجرائم التى تهدف لإرغام جهة ما على القيام بفعل معين خدمة لغرض سياسى، كأخذ الرهائن، وخطف الطائرات، كما ويشمل العنف المسبب للأذى وتسبيب الوت والإضرار بالممتلكات لأسباب سياسية، وهى جميعاً تعتبر جرائم دولية. جرائم الإرهاب رغم أنها من أكثر الجرائم الدولية وقوعاً قد استعصت على التعريف، ليس بسبب صعوبة ذلك، ولكن بسبب الأهواء السياسية التي تجعل ممن يراه البعض إرهابياً يراه آخرون محارباً من أجل الحرية. كانت هذه الجرائم قد استقطبت عدداً من المغامرين الدوليين من الثوريين الرومانسيين، في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، من الذين يرون في البطولة الفردية حلاً لمشاكل المجتمع على غرار روبن هود، وبوني وكلايد، فتم استقطاب كارلوس المعروف بالثعلب، والألوية الحمراء الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني، وغيرهم من تلك الفرق في حلف روع العالم بأعمال انتحارية بالغة الإثارة تعكس بطولة فردية، ولكنها عديمة الجدوى سياسياً أدت لاستقطاب الرأي العالمي ضد القائمين بهذه الأفعال، لما فيها من تعريض للأبرياء الذين لا دخل لهم بالصراع القائم لخطورة لا مبرر لها. ورغم أن اليسار عموماً قد أقلع عن تلك الأعمال إلا أن التسعينيات وبداية القرن الحالى شهدت موجة جديدة من هذه الأفعال على يد الحركات الدينية المتطرفة بلغت ذروتها فى 11 سبتمبر.
صعوبة تبنى تعريف للإرهاب
نتيجة لذلك كله فقد تم استقطاب المجتمع الدولى ضد هذه الأفعال، ولكن ظلت الصعوبة قائمة حول تعريف الإرهاب، والجرائم الإرهابية بسبب المعايير المزدوجة، التي تتبناها الدول. كذلك فقد تورطت دول ذات تأثير كأمريكا وإسرائيل فى أعمال إرهابية فقد حاولت المخابرات الأمريكية اغتيال كاسترو عدة مرات ورغم أن استهداف قتل شخص بعينه أثناء القتال هي جريمة من جرائم الحرب إلا أن أمريكا استهدفت الملا عمر وصدام حسين أثناء المعارك في أفغانستان والعراق كما وأنها استهدفت من قبل العقيد معمر القذافي حين قصفت مقر سكناه. كذلك فقد أباحت إسرائيل لنفسها تنفيذ العديد من الإغتيالات السياسية بالإضافة لما تقوم به بشكل يومى من جرائم في الأرض المحتلة مما عرقل التوصل لتعريف للإرهاب تقبله الدول الغربية التي تخضع للنفوذ الأمريكى و للابتزاز الإسرائيلي.
نتيجة لذلك فلم تتمكن الأمم المتحده حتى الآن من صياغة اتفاقية دولية ضد الجريمة الإرهابية، كما فشلت الدول الموقعة على اتفاقية روما التى أنشأت المحكمة الجنائية الدولية في الاتفاق على تعريف لجريمة الإرهاب، مما جعل قانون تلك المحكمة يخلو من العقاب على تلك الجريمة ولكن المجتمع الدولى ومنذ فترة طويلة لجأ إلى طريقة الاقتراب من المسألة تدريجياً فتم التوقيع على ثلاثة عشر بروتوكولاً وعهداً دولياً تتعلق بجرائم الإرهاب الدولي وذلك ابتداءً من الستينيات من القرن الماضي وحتى سبتمبر 2005 حين وقع آخرها وهو المتعلق بأعمال الإرهاب الدولي المستخدم فيها الأسلحة النووية وهذه البروتوكولات والعهود تتميز بما يأتي:
1- بدلاً من تعربف جريمة الإرهاب الدولي تلجأ لتجريم فعلاً بعينه مما يقع في إطار تلك الجرائم كجريمة اختطاف الطائرات أو أخذ الرهائن مثلاً.
2- تتطلب من الدول الموقعة إصدار تشريعات تعاقب على الفعل موضوع البروتوكول.

3- تعقد اختصاص لدول أو مناطق بالمعقابة على هذه الأفعال وفق معايير معينة كجنسية الفاعلين أو وقوع الفعل في إقليم الدولة أو مكان تسجيل الطائرة.
4- تلزم الدولة التى يوجد فيها متهم بالقيام بالفعل موضوع العهد محاكمة ذلك المتهم أو تسليمه للدولة المختصة بمحاكمته.
وماذا عن الولايات المتحدة ؟
هذا التشريع كما نبه الكثيرون قد يقود لتشريعات مماثلة تصدرها الدول الأخرى لأنه قد يتسبب في دعاوى عديدة في مواجهة مختلف الدول. وقد كان هذا رد فعل إيران، بالفعل، على تعديل قانون قانون حصانات السيادة الأجنبية في الولايات المتحدة، فقد أصدرت تشريعات تمكن ضحايا تدخل الولايات المتحدة العسكري من الإيرانيين، من مقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية في المحاكم الإيرانية.
وفي حالة صدور تشريعات مماثلة من الدول الأخرى فقد تجد الولايات المتحدة أن المسؤولين والجنود الأمريكيين في مواجهة دعاوي بموجب أحكام تلك القوانين. ولعل من أهم الوقائع التي يمكن أن تؤسس عليها تلك الدعاوى بالإضافة لما سبق ذكره في موضع آخر الهجمات التي نفذتها إدارة الأنشطة الخاصة بوكالة الإستخبارات الأمريكية. هذه الهجمات تم تنفيذها بواسطة طائرات بدون طيارين، قامت بقصف مناطق في شمال غرب باكستان إبتداءً من عام 2004 في عهد الرئيس بوش، ولكنها تكثفت بشكل كبير في عهد الرئيس أوباما. أقرت الإدارة الأمريكية لأول مرة بقيامها بهذه الهجمات، حين أعلنت من مقتل أربعة مواطنين أمريكيين في تلك الضربات الجوية، وذلك في مايو 2013 وقد أظهرت إستطلاعات الرأي أن هذه الضربات الجوية تفتقد أي شعبية في الباكستان، وأنها تسببت في شعور سلبي تجاه الولايات المتحدة وقد أظهرت الوثائق العسكرية الأمريكية التي تم تسريبها أن 13% فقط من القتلى كانوا مستهدفين من الضربات الجوية. وقد تبين لمنظمة العضو الدولية أن عدداً من القتلى كانوا غير مسلحين، وأن بعض الهجمات الجوية قد تشكل جرائم حرب. ومن المعلوم أن رئيس الوزراء نوازالشريف قد طالب مراراً وتكراراً بوقف تلك الهجمات بإعتبارها تشكل إنتهاكا لسلامة الباكستان الإقليمية، بالإضافة لضررها على مجهودات الباكستان للقضاء على الإرهاب. وقد قضت المحكمة العليا في بيشاور أن هذه الهجمات غير قانونية، وغير إنسانية وتنتهك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتشكل جرائم حرب وهو الأمرالذي تناهضه إدارة أوباما ولكن من يدري ماذا سيكون الحكم إذا ما أصبح الفصل في هذه المسألة من إختصاص محاكم الباكستان.
والآن ما هو الوضع القانوني في القانون الدولي؟
الإختصاص العالمي
لا يجب علينا أن نخلط في هذا للصدد بين مسؤولية الدولة، وبين الإختصاص العالمي، فالإختصاص العالمي تمارس فيه محاكم الدولة إختصاصها الجنائي، والخاصة يالجرائم الدولية والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في مواجهة الأجانب بما في ذلك رؤساء الدول الأجنبية، ووزراء خارجيتها (الذين كانوا يتمتعون في السابق بحصانة في مواجهة قضاء الدول الأجنبية، بل وقضاء دولهم نفسها) وهي حصانة لم تعد تعترف بها الدول في الوقت الراهن. في حين أن حصانة الدولة تتمثل في حصانة الدولة نفسها ضد المقاضاة المدنية أمام محاكم الدول الأخرى.
فبالنسبة للإختصاص العالمي أصبح قضاء الدولة مختصاً بالنظر في الجرائم الدولية والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، دون تطلب رابطة بين الدولة التي يقوم قضاؤها بنظر الدعوى وبين الجريمة. في حين أن حصانة الدولة هي حصانة إجرائية بالنسبة للمقاضاة المدنية في مواجهة قضاء الدول الأجنبية.
ألمانيا ضد إيطاليا
الحديث عن الحصانة كقاعدة إجرائية، ورد في حكم محكمة العدل الدولية في دعوى ألمانيا ضد إيطاليا، في مجال المسؤولية المدنية للدولة أمام المحاكم الأجنبية في التعويض عن أعمالها المخالفة للقانون الدولي. وهي دعوى متعلقة بالتعويض عن الإجراءات التي إتخذت ضد الجنود الإيطاليين في ألمانيا، إبان الحرب العالمية الثانية. في حكمها فرقت محكمة العدل الدولية بين الحصانة كقاعدة موضوعية، والحصانة كقاعدة إجرائية، و ذكرت أن قاعدة إستبعاد إختصاص المحاكم الإيطالية من نظر الدعوى ضد ألمانيا، يقوم على قاعدة إجرائية متعلقة بعدم الأختصاص، و هي قاعدة لا صلة لها بما إذا كانت ألمانيا بالفعل مسؤولة عن التعويض المطالب به أم لا. ذكرت المحكمة أن إيطاليا تستند في قبول محاكمها للإختصاص بنظر الدعاوي، على عدم وجود حق في المقاضاة توفره محاكم ألمانيا للمدعين، ولكن المحكمة رأت أن حصانة الدولة أمام محاكم الدول الأجنبية هي حصانة إجرائية مطلقة، وأن تلك الحصانة لا تتأثر بعدم إتاحة طريق بديل للمقاضاة في محاكم الدولة المطالبة بالحصانة، ولا بدرجة خطورة الإنتهاك المطالب بالتعويض عنه.
نقد المبدأ الذي أرساه الحكم
هذا الحكم كمعظم أحكام محكمة العدل الدولية لم يحظي بالقبول لدي فقهاء القانون الدولي فقد نبه Richard Garnet الي أنه رغم أن مبدأ السيادة المتكافئة هو أحد المبادئي الهامة للقانون الدولي ، إلا أنه لا يتفرع من هذا المبدأ أن الدولة لا تستطيع أن تمارس إختصاصها على أنشطة الدول الأجنبية في أراضيها، لأن ذلك يتعارض تماما مع مبدأ آخر في القانون الدولي وهو مبدأ سيادة الدولة على أراضيها .
تقول Rosalyn Higgins القاضية بمحكمة العدل الدولية من السهل أن نرفع من قدر حصانة الدولة، لوضعها في مصاف القواعد الأساسية للقانون الدولي، ولكنها ليست كذلك. فهي مجرد إستثناء على القاعدة العادية للإختصاص، والتي تقوم علي سيادة الدولة على إقليمها. الإستثناء على القاعدة العامة لا يُقبل إلا حين يتطلب القانون الدولي ذلك .أي عندما يكون ذلك متمشياً مع العدالة ومع الحماية المنصفه للطرفين، ولكنه لا يؤخذ كحق مقرر .
في الرأى المخالف في الدعوى بين بلجيكا والكنغو والمعروفة بدعوى أمر القبض و التي كررت فيها محكمة العدل الدولية موقفها من الحصانة أكد القضاة هيغنز وكويمانس وبيورغنتال أن الحصانة هي استثناء من المبدأ وليس مبدأ قائم بذاته، فأشاروا إلى أن "إنطباعا قد خلق بأن الحصانة لها قيمة في حد ذاتها، في حين أنها في واقع الأمر هي استثناء من القاعدة المعيارية الواجبة التطبيق"
حصانة الدولة كجزء من المجاملة الدولية
يرى البعض أن حصانة الدولة أمام المحاكم الأجنبية هي مسألة متعلقة بالمجاملات الدولية بين الدول، وليست حق مقرر بالقانون الدولي. فكرة أن حصانة الدولة قد منحت كاستثناء للولاية القضائية على أساس المجاملة الدولية بحثاً عن العلاقات الجيدة تبدو من خلال التباين في الطرق التي تتعامل بها الدول مع الدعاوى المرفوعة ضد الدول الصديقة والعدوة. تاريخيا، لم تكن المحاكم الوطنية تمنح الدول المعادية الحصانة، بل قصرتها فقط على الدول الصديقة أو الحليفة. والواقع أن هذا ما يبدو واضحاً بشكل خاص في الولايات المتحدة حيث أوضحنا الوضع القانوني قبل صدور الجاستا. وترك المسألة لوزارة الخارجية للبت فيها يعكس أن الولايات المتحدة تمنح الحصانة الممنوحة بمحض إختيارها في مجال علاقاتها مع الدول الأخرى وليس لإعتقادها بأنها ملزمة بذلك وفقاً لقواعد القانون الدولي، وإلا لكان الإختصاص بالفصل فيه للمحكمة.
وعلاوة على ذلك، فإن السلطة التنفيذية هي التي تحدد توافر أو وجود حصانة بالنسبة لرئيس دولة أجنبية كما يتضح من الدعوى الحديثة في محكمة الاستئناف الأميركية للدائرة السابعة للبت في حصانة الرئيس الصيني في Wei Ye v. Jiang Zemin and Falun Gong Control Office . وكذلك فإن التشريع الذي أصدرته إيران يعني أن إيران أيضاً لا تعتقد أنها ملزمة بمنح الحصانة بموجب القانون الدولي، وإنما تفعل ذلك من أجل تعزيز المجاملة والعلاقات الدولية.


حصانه الدولة بالنسبة للإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
لقد ثارت تساؤلات عديده حول عقلانية السماح للدول بالتمتع بحصانة عندما مايكون سبب الدعوى في مواجهتهم يتمثل في إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهي مسألة أصلاً خارج أعمال السيادة التي يجب أن تكون أساس الحصانة، ويستند القانون برفض الحصانة على أن الإتجاه الحديث في القانون الدولي يقوم على مسؤولية الدولة عن أفعالها وأن المبدأ الذي كان يقوم في القانون الداخلي على أن الملك لا يخطئ قد ذهب لحاله، وأصبحت الدولة تخضع لمراجعة محاكمها فيما تتخذه من قرارات، وأن ذلك التطور يجب أن ينعكس أيضاً على القانون الدولي.
من الجانب الأخر فإن البعض مازال يتمسك بمبدأ وحصانة الدولة بالنسبة لمحاكم الدول الأخرى لأن أثر الغاء تلك الحصانة سيكون جسيماً على العلاقت بين الدول، وأن مقاضاة الدولة على تلك الإنتهاكات يمكن أن يتم أمام محاكم الدولة نفسها، وليس أمام محاكم دولة أخرى لإختلاف المفاهيم فيما يتعاق بالخطأ الموجب للمسؤولية
ورغم أن هذا المبدأ مازال بشكل عام معترف به، إلا أن الإتجاه العام يسير في إتجاه التخفيف من غلوائه بقبول مزيد من الاستثناءات عليه بحيث يمكن القول بأن الدولة لم تعد تتمتع بحصانة من المقاضاة أمام محاكم الدول الأخرى، عندما ينشأ سبب الدعوى من معاملات تجارية دخلت فيها الدولة، أو بصفة عامة إذا دخلت في معاملات تعود إلى العلاقات التي يحكمها القانون الخاص ولاتدخل في نطاق ممارستها لأعمال السيادة.
عموماً مازال القانون الدولي في هذه المسألة في مرحلة قلقه أو في منزلة بين المنزلتين كما يقول المعتزلة فرغم أن أحكام القضاء مازالت متمسكة بشكل من أشكال الحصانة إلا أن الحصانة التي تعترف بها المحاكم الدولية والداخلية في هذا الصدد هي حصانة مقيدة. والملاحظ أن الفقه قد سار خطوات في توسيع الاستثناءات من تلك الحصانة، وأصبحت القاعدة في هذا الصدد مع غموضها واجبة التغيير بحيث يكون الأصل هو خضوع الدولة في كل معاملاتها للقضاء .
ما الجديد؟
على ضوء كل ذلك علينا أن نسأل أنفسنا ما الجديد؟ الم يكن القانون الأمريكي يقول ذلك بالنسبة لسبع دول على الأقل؟ بالتأكيد كان يفعل ذلك من خلال أحكام قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام الفعلية للعام 1996 وحكم محكمة الإستئناف بتأييد الحكم بالتعويض ضد حكومة السودان ما زال حيا في الأذهان. اجديد هو أنه بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، تم إنشاء لجنة اتحادية لتقصي الحقائق، بغرض التوصل لأكبر قدر من المعلومات الممكنة حول تخطيط وتمويل، وتنفيذ الهجمات. يحمل التقرير النهائي للجمة أكثر من 500 صفحة، ولكن تركز الإهتمام على حوالي 28 صفحات منقحة لأغراض الأمن القومي، يبدو أنها تحمل معلومات حول صلة حكومة المملكة العربية السعودية في تمويل ومساعدة الهجمات، ومن شأن مشروع القانون المثير للجدل أن يسمح المحاكم الأمريكية بأن تحمل الحكومة السعودية المسؤولية اذا وجدت أنها قد لعبت دورا في تمويل أو مساعدة هذه الهجمات. على ضوء الحجم الضخم المقدر للتعويضات فإن المسؤولية قد تفوق 3 تريليون دولار أمريكي وهو مبلغ كفيل بأن يخلق إنهيار لأي إقتصاد ويسبب فوضى إقتصادية عالمية عارمة لا يمكن التنبؤ بمداها. وهذا ما جعل البرلمان الهولندي يكتب لاعضاء مجلس النواب محذرا من ان أن القانون يعتبر "انتهاكا صارخا وغير مبرر للسيادة الهولندية" وهو إنتهاك قد يؤدي إلى "تعويضات فلكية". وبالمثل، حذر عضو البرلمان الفرنسي بيار لولوش أن JASTA سوف "تسبب ثورة قانونية في القانون الدولي القانون مع عواقب سياسية كبرى "، وكمثال لتلك النتائج، ذكر انه يعد مشروعاً لتشريع التي من شأنه أن يسمح للمواطنين الفرنسيين أن يرفعوا دعاوى قضائية ضد الولايات المتحدة.

لا بد أن نقول أن ما لجأ إليه الكونجرس في أمريكا في رأيي لا يعالج المسألة، بل يحولها من نقيض إلى نقيض، وذلك لا يوفر علاجاً، لأن المسألة ستنتقل من وضع سئ يتم فيه فرض حصانة من إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إلى وضع لا يقل سوءً بتحويل نزاع هو في طبيعته دولي، إلى إختصاصات وطنية متنازعة. والراي عندي هو أن الأسلم هو تكوين محكمة دولية، ومحاكم إقليمية، تكون ذات إختصاص ملزم بنظر الدعاوي التي يقيمها مواطنو دولة، ضد دولة أخرى، بالمطالبة بالتعويض عن الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني.
نبيل أديب عبدالله
المحامي


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2064

التعليقات
#1533577 [صيدلى]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2016 12:26 PM
مقاله جميله وشرح واضح ومرتب

شكرا استاذ نبيل

[صيدلى]

#1533235 [برعي]
0.00/5 (0 صوت)

10-16-2016 03:59 PM
احييك يا استاذ ، لكن نلقي وكت وين نقرا الكلام ده كلو ...

[برعي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة