الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
عماد البليك.. لا أفكر كثيرا فيما أطمحه بقدر ما أنشغل بتقديم الجديد
عماد البليك.. لا أفكر كثيرا فيما أطمحه بقدر ما أنشغل بتقديم الجديد
 عماد البليك.. لا أفكر كثيرا فيما أطمحه بقدر ما أنشغل بتقديم الجديد


10-17-2016 07:11 AM

«قارسيلا» آخر إصداراته الأدبية –
«قارسيلا» رواية تشتغل على مزيج بين الواقعي والوثائقي في محاولة فهم الحرب وأثرها على الإنسانية –
هو الأديب والصحفي السوداني المتميز عماد البليك، بدأ حياته الإعلامية والأدبية منذ أكثر من عشرين عامًا، صدرت خلالها العديد من الروايات والإصدارات المؤثرة في الوطن العربي منها كتابه الأشهر: قابوس بن سعيد الأمل المتحقق وهو عبارة عن سيرة لحياة جلالة السلطان -حفظه الله ورعاه- ومن رواياته المنشورة أيضا «الأنهار العطرة» و«دنيا عدي» و«شاورما»، وآخر إصداراته رواية «قارسيلا».
التقينا البليك لنتعرف على مشواره المهني وأرائه حول المشهد الأدبي في العالم العربي والكثير من خلال هذا اللقاء…

حاورته – مروه حسن –
• من دراسة الهندسة إلى التفرغ للعمل الأدبي والإعلامي. ألم يكن ذلك مجازفة؟

ليس من مجازفة أبدًا، فالمسألة تتعلق بعمّا تبحث بالضبط، وماذا ترغب أن تكون. وربما منذ وقت مبكر في حياتي، وأنا في مرحلة الطفولة تشكل لديّ هوى الكتابة مشفوعا بالقراءة والاطلاع المستمر والرغبة في الاستكشاف عبر هذا المسار. وكان من المفترض أن أتخصص في أي من العلوم الإنسانية أو الأدبية، وشاءت ظروف عائلية أن أدرس علم العمارة الذي له طابع فني وإبداعي، وكنت أرسم بشكل جيد وامتحنت لمادة الفنون في الثانوية، وهذا عزز مهارتي في هذا الباب. لكن الرغبة الأقوى تعلقت بالنزعة الأدبية والصحفية، وكنت أثناء الدارسة الجامعية أقضى نصف اليوم في المدرجات والنصف الثاني في الصحف بالخرطوم، حيث كتبت مقالاتي الصحفية منذ وقت مبكر، ونشرت بإصدارات مهمة كمجلة الخرطوم كان ينشر بها كبار الكتّاب، وفرحت أن أجد اسمي في الغلاف وأنا أكتب دراسة حول «الرواية والحداثة» لأجد التشجيع من كاتب مثل عيسى الحلو الذي يعتبر «شيخ» الأدباء السودانيين اليوم، وكان يشغل رئيس تحرير تلك المجلة. وبشكل عام فإن الطريق امتد بي لأجد أنني بعد التخرج أعمل في المجال الصحفي والإعلامي محمولاً على هوى الكتابة، وأعزز مهاراتي وقدراتي فيما أحببت؛ ليصبح الأمر بعد مرور السنين جزءًا من هويتي بحيث يصعب لي أن أفهم ذاتي دون قصة الكتابة.

• حدثنا عن أبرز ما تعلمته في عالم الأدب وأثر في شخصيتك؟

الأدب يضيف كثيرًا للإنسان سواء كان ممارسًا له بشكل مباشر ككاتب أو كان قارئا، فهو البعد الثاني أو الذاكرة الإنسانية الخفية التي نلمح من خلالها هويتنا، من نكون نحن بالضبط، ولكِ أن تتخيلي أن العالم بلا أدب، بلا فنون، بلا سينما. فهو عالم ليس فيه من روح. إن الآداب هي سحر الحياة الحقيقي الذي من خلاله تتفتح الأذهان باتجاه المعنى. تعلمت منه أن أفهم الأشياء بغير ما هي في ظاهرها وأن أبحث عن المعاني المستترة وفلسفة الأشياء وأن الظواهر لا تقول كل شيء. كما أنني أدركت أن الخيال هو جوهر التاريخ البشري الذي يدفعه بحق، وسواه ما كان العالم ليصل إلى ما عليه من تقدم اليوم. أما تأثير ذلك على شخصيتي، فقد عودني على الإحساس بمعنى حياتي، وكيف أتصرف فيها وأن أكون منتبها لدوري في هذه الحياة، هدفي، كما أن الأدب كدرب شاق محفوف بالتحديات يجعل ممارسه، يفهم أن المغامرة تعني الاختلاف، وهي التحقق المنتظر، وأن شغف الوجود وجنونه يتخفى وراء مغادرة اللحظة إلى ما وراءها وأن حقيقتك الذاتية لا تقدمها صورتك البرانية فقط.

• حدثنا عن آخر أعمالك الأدبية التي خرجت للنور.

آخر عمل لي «قارسيلا» الصادرة عن منشورات «مومنت» في لندن في شهر مايو الماضي، وهي رواية تشتغل على مزيج بين الواقعي والوثائقي في محاولة فهم الحرب وأثرها على الإنسانية والمجتمعات، ممثلة في حرب دارفور وأبعاد ذلك محليا ودوليا، إذ إن دارفور بها أكبر قاعدة أممية لقوات اليوناميد. حاولت أن أطرح تساؤلات من خلال المستوى الحاضر والمعاصر وذهابا إلى عمق التاريخ السوداني لما دار ويدور الآن، في عمل تتمازج فيه تقاطعات السؤال الأخلاقي بالسياسة والحقيقة إن وجدت بشكل عام. بالنسبة للتحضير فهذه الرواية كانت وليدة اختمار ربما أخذ خمس سنوات منذ مقتل خليل إبراهيم قائد حركة العدل والمساواة المتمردة في ديسمبر 2011 حيث بزغت الفكرة التي لم تتبلور فعليا أو تكتمل إلا في نهاية 2015 لكن الكتابة في حد ذاتها لا تستغرق مني زمنًا طويلاً، عندما يكون إطار الصورة العام قد اتضح.

• ما أبرز ردود الأفعال التي رصدتها حول «قارسيلا»؟

هناك ردود أفعال على مستوى محلي في السودان حيث تفاعل معها القراء لاسيما شريحة الشباب، وهم قراء نهمون لا يتوقفون عن إثارة الأسئلة وملاحقة الجديد، هناك من رأى أنها رواية دارفور ووثيقة إدانة لما حدث في الإقليم، وهناك من رآها رواية إنسانية عن الحرب أينما كانت، ومن قال: إنها رواية حكمة وفلسفة حول مصائر الإنسان أمام جنون الإنسان. وفي أبعاد أخرى كانت كتابات نقدية عربية حولها قد تحدثت عن أن الرواية فتحت أفقًا معرفيًا لفهم ما يدور في دارفور بالتحديد وكواليس السياسة السودانية والمجتمع السوداني بشكل عام، كما تم تحليل والنظر إلى البعد الأسطوري الأفريقي الذي عدّه البعض ملمحا جليا في الرواية، وهذا صحيح إذ إن قارسيلا، وهي اسم منطقة بدارفور، وهي كذلك اسم الشخصية الرئيسية في الرواية «الحاج سعد قارسيلا»، قامت على بناء أسطوري في فكرة القرين أو الشخص الذي يمكن أن يعيش كشخصين بجسدين منفصلين وهي «خرافة» متداولة ومتوارثة تم توظيفها في الرواية. كذلك تصلني كثير من الرسائل من القراء التي أنشرها بعضها بصفحتي على الفيسبوك، وهي تعقيبات حول الرواية من وجهات نظر مختلفة يجمعها هاجس واحد هو التفكير بصوت مرتفع حول المستقبل من خلال ما طرحه النص. مستقبل ما يمكن أن يحدث في البلاد وفي دارفور.

• وهل فكرت في العمل القادم؟

يصعب أن أقول بوضوح أنني فكرت فيه أو حسمت أمره، في الغالب تتنازعني أفكار كثيرة بعضها يكون مؤجلاً وبعضها يأتي بلا مقدمات، وفي النهاية فالفكرة التي تنتصر هي التي تصبح مجسدة كنص. عمليا فأنا أكتب حتى لو عشرين صفحة أو أكثر وقد لا أكملها لأنني لا أراها قد قبضت على شيء محدد. حيث لا يزال الأمر هلاميًا. ولكن بمجرد القبض على لحظة ما، غامضة، أكون قد شعرت بها، يكون أمامي الطريق ممهدا إلى النص. وفي الواقع تشغلني عدة أفكار بعضها في فضاء بلدي السودان وأخريات في فضاءات ووقائع أخرى. وبعضها خيالي جدا لا أريد أن أحرقه الآن. يمكنني أن أختصر القول بأن عملي القادم سيكون مختلفا، اعتقد أنه سيتحرر من حيز أفكار مسبقة كنت اعتقد أنها مهمة واكتشفت العكس. المهم. لنضع كل فكرة لحينها لتصبح ناضجة.

• ولماذا أحدثت «شاورما» ضجة في الأوساط الأدبية وقت نشرها؟

صدرت شاورما في 2014 عن مومنت في لندن أيضا، وهي رواية ذات تركيب سهل بظني أشبه بحكاية إنسانية بسيطة عن طفل يهرب من أسرته المفككة في الريف ليجد نفسه في المدينة الكبيرة ولكن بعد أن يكون قد مرّ بتجارب مثيرة ومتاعب، وبعد أن تتبناه عائلة تركية ويصبح بديلا لابنها الذي فقدته برصاصة أثناء هجوم المرتزقة على العاصمة، وينجح الصبي في بناء مجده الذاتي. ولكن لماذا الضجة؟، فقد طرح عليّ هذا السؤال كثيرا في مقابلات سابقة، ولم يكن لي من إجابة واضحة سوى تخرصات، حتى أن القراء الذين أحبوا الرواية لم يكونوا ليقبضوا على مسألة معينة لذاتها، فقط كانوا يقولون إننا أحببنا هذا العمل. ربما هي بساطة الحكاية أو سردها الخطي المباشر بلا تلاعب في التقنية، أو كونها تعمل رمزيات على أسئلة تشغل كل إنسان يبحث عن معنى لذاته في العالم. الدرس المستفاد بالنسبة لي أن تكتب وحسب ولا تفكر في ردة الفعل أثناء الكتابة، فما يتحقق لاحقا قد يكون مفاجئًا ومفرحًا، وقد يكون مخيبًا للآمال، إنه الأدب.

• كيف ترى المشهد الأدبي والسردي في السلطنة بوجه خاص وعربيًا بشكل عام؟

في السلطنة هناك حركة أدبية وفنية نشطة في العقد الأخير، تجمع بين كتابة القصص في الأساس والرواية التي زاد حجمها في السنوات الأخيرة وأصبحت تقترب من سؤال المجتمع العُماني بجرأة أكبر، يضاف لذلك الشعر الذي له جمهوره. غير أن أغلب القراء اليوم يميلون أكثر للفنون السردية، لنقل بدلاً عن التعريفات التصنيفية مثل قصة ورواية وغيرها. هذا الحراك النشط مترادفا مع مشروع نشر سواء شخصي أو مؤسسي سيقود حتما إلى آفاق أكثر عمقا في بناء المشهد الأدبي. أما عربيا فالرواية هي الأكثر انتشارًا ومقروئيةً، وهذا واضح ولكنه يتم بشكل عشوائي، وهذه العشوائية سوف تخفض بظني خلال سنين بعد أن يكون القراء أنفسهم قد أصبحوا أكثر دقة على التمييز، فالتكيف النهائي سيكون للفن الذي يجاور المعنى والمستقبل وقلق الإنساني والراهن.

• لماذا لم تنشر بعض رواياتك مثل «رسام الآلهة» وبعض أعمالك الشعرية؟

بالنسبة لـ«رسام الآلهة» فقط رفضها أكثر من 7 ناشرين، لأسباب لم يوضحها أي منهم، فرد الناشر العربي غالبًا يأتي غامضًا. قد يكون لأنها ذات هوية سياسية رغم أنها رواية فلسفية تبحث في تاريخ فن الرسم ولكن وجود شخصية كالقذافي فيها هو الذي «أخاف» البعض. وهذا يعني أنها سوف تنشر متى وُجِد ناشرها. أما الأعمال الشعرية فهي تجارب مبكرة في الغالب لا أرى أنها ناضجة بما يكفي لنشرها، رغم أن أحد الناشرين قال لي أنه يرغب في نشرها وحثني على ذلك، ولا زلت أفكر في الأمر، لم اتخذ القرار بعد.

• لماذا توقفت عن كتابة الشعر؟

لم أتوقف بالمعنى الحرفي، فأنا أكتب الشعر لكني لا أنشره في الغالب. بظني أن الشعر تجربة شخصية وذاتية؛ تحديدًا ما أكتبه في الوقت الراهن، وليس في التجارب المبكرة المشار إليها سابقا. خصوصية هذه التجربة تمنعني ليس أن أبوح بها بل أن أعممها، بعكس الرواية التي أراها فن القول للعام والحديث للكل. كما أن لديّ نظرة خاصة بأن الشعر بات مشهدًا كليًا في الحياة، وبالتالي لا يمكن سجنه في نسق محدد أو هيئة قولية أو كتابية ذات محدود لفظي وشكلي، فالشعر موجود في السينما وفي التصوير والرسم والرواية، بمعنى أنه طريقة حياة أحيانا أكثر من كونه فنا محددا لذاته.

• في رأيك هل ما زال القارئ العربي يبحث عن الأدب والأعمال الأدبية أم أن زخم العصر الذي نعيشه أثر سلبا على الإقبال على الرواية؟

صحيح أن العصر الجديد، عصر «الـسوشيل ميديا» كما يسمونه، أصبح يأخذ من الإنسان كل وقته، بحيث لا يفهم المرء أين هو بالضبط، وحيث تلاشت حدود الأزمنة والأمكنة وصارت الوقائع آنية ومعولمة. لكن في المقابل فإن روح الانتباه والاستفهام ومحاولة فهم الإنسان لما يدور من حوله زادت بشكل كبير عما كان قبل عقود، وهذا أثر واضح للتقنية الحديثة والانترنت ووسائطه والأجهزة الذكية. في مقابل ذلك هل يقرأ الناس، نعم هناك من يقرأون لكنها تظل نسبة ضعيفة جدا، أعني القراءة بمفهومها العميق وليست العابرة. وبالتالي فالإقبال على الكتاب الجاد عموما ضعيف، فالنشر في العالم العربي يشير إلى أن أي عمل مهما بلغت أهميته لا يوزع سوى بضع آلاف لو قدر له ذلك، أما الكتاب الإلكتروني الذي لم يؤسس له بشكل صحيح إلى الآن عربيا، حيث لا توجد دور نشر إلكترونية قوية، فهو يجتذب الكثيرين والقارئون فيه أكبر من المعدل الورقي لسهولة الحصول عليه بمجرد «كليك» كذلك تجاوزه لأشكال الرقابة الكلاسيكية، لكن في العموم ينتظرنا المزيد من الوقت لكي نكون أمة قارئة. وبالنسبة للرواية فهي تظل الأكثر قراءة حتى لو أن النسبة ليس كما يطمح له. كما لابد من الإشارة إلى أن رغبة الوصول إلى مجتمع قارئ في ظل العصر الإلكتروني يتطلب تضامنًا حقيقيًا في كيفية جعل الانترنت على سبيل المثال متاحًا للجميع وبأقل كلفة إن لم يكن مجانًا.

• ما طقوسك التي لا تستغني عنها في الكتابة؟

ليس من طقوس محددة، فأنا أكتب في أي مناخ كان، أي وقت، إذا ما قررت أن أكتب وكانت لدي فكرة واضحة أو ربما أجرب بحثا عن فكرة. وفي تقديري أن البحث عن طقوس الكتابة في بعض الأحيان يعوق الفعل نفسه، ويجهضه. في الواقع أن الكاتب الحقيقي يكتب في أي ظرف كان ولا ينتظر إملاءات ظرفية. لكن يمكن الإشارة إلى أمور لا اسميها طقوس، كأن أنني منذ عشر سنوات أو أكثر لا أكتب بسوى الـ«كي بورد»، وصار القلم لا يلهمني بل يوجع أصابعي وأنا أمسك به حتى لو أنني أعبئ استمارة سريعة لأي خدمة كانت، كذلك لا بأس قليل من القهوة يجعلني أشعر بأن الأمر أفضل.

• ما طموح وشغف عماد البليك الذي لم يحققه بعد؟

الطموح أو الشغف عند المبدع لا حدود له، فالكتابة تجربة مفتوحة لا سماء لها. وإذا ما شعر الكاتب بأنه وصل فهذا يعني إما أنه يجهل حقيقة الإبداع أو أنه عاجز أو جاهل. لا أفكر كثيرا بحدود ما أطمح إلى، بقدر ما أنشغل بأن أقدم الجديد دائما وأن أمضي في ترسيخ علاقتي بفن الكتابة من خلال التثقيف المستمر للذات والتفكير الحر وتحليل التجارب الإنسانية والوجودية ومحاولة فهم ما يدور حولي في هذا العالم، كل ذلك يلهمني لكي أكتب واستمر في هذا الفعل.

عيون الخليج


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4756


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة