عيون الثعالب : إدانة الحداثة أم إدانة فرسانها ؟
عيون الثعالب : إدانة الحداثة أم إدانة فرسانها ؟


01-06-2013 08:23 PM


سامي مهدي



( عيون الثغالب ) رواية للكاتبة السعودية ليلى الأحيدب صدرت قبل ثلاثة أعوام ، ولكنني لم أطلع عليها إلا هذه الأيام حين حملها إلي أحد الأصدقاء . ومع أنني ضعيف الثقة بالرواية العربية فكرت بأن أقرأها بدافعين ، أحدهما شخصي والآخر عام . أما الدافع الشخصي فهو أن المؤلفة اختارت قصيدة قصيرة من قصائدي وأدخلتها في متن روايتها ، والثاني أن مؤلفتها امرأة سعودية ، فدفعني الفضول إلى معرفة كيف تفكر وتبدع امرأة سعودية تعيش داخل بلادها بإزاء ما تنقل الأخبار الصحفية والروايات الشفهية عن أحوال المرأة السعودية ، ثم كيف وفي أي سياق من روايتها وضعت قصيدتي التي اختارتها في متن روايتها .
وبعد قراءة الرواية فكرت بأن أكتب عنها ، لأنها أثارت عندي أكثر من سؤال . وقبل الشروع في الكتابة حاولت أن أعرف شيئاً عن مؤلفتها ، لأنني لم أقرأ لها من قبل ، ولم أسمع بها مع الأسف ، فلجأت إلى ( الإنترنيت ) وقرأت بعض ما وجدت من مقالات كتبتها ، وأخرى كتبت عن روايتها ، وحوارات صحفية أجريت معها ، فاتضح لي أنها بدأت تنشر قصصاً قصيرة منذ عام 1985 ، وأصدرت مجموعتها القصصية الأولى ( البحث عن يوم سابع ) عام 1997 ، أي بعد اثني عشر عاماً من نقطة البداية ، أما رواية ( عيون الثعالب ) فهي عملها القصصي الثاني ، وهذا العمل لم يصدر إلا بعد مرور اثني عشر عاماً أخرى على صدور مجوعتها القصصية الأولى ( 2009 ) ثم أصدرت عام ( 2011 ) مجموعة قصصية ثانية عنوانها ( فتاة النص ) . وإذا كان هذا هو كل إنتاجها القصصي فهي مقلة إذن ، أو متأنية ، في كتاباتها القصصية .
تدور أحداث رواية ( عيون الثعالب ) في ثمانينيات القرن الماضي ، أي في الحقبة التي بدأت مؤلفتها النشر فيها ، وهي الحقبة التي دخلت فيها أفكار الحداثة عالم الأدب في السعودية وظهر خلالها شعراء وقصاصون ونقاد يؤمنون بهذه الأفكار ، ويسعون إلى تحديث الأدب السعودي ضمن نزوع عام إلى تحديث المجتمع السعودي نفسه ، ومنهم ليلى الأحيدب . وبالرغم من الحرية النسبية التي أتيحت للحداثيين في نشر ما يكتبونه في الصحف والمجلات المحلية يومئذ ، كانوا مهددين في الوقت نفسه بتهم ( الضلال والكفر والخروج على الملّة ) . ثم ازدادت أجواء القمع الاجتماعي وخامة وقتامة ، فشُهِّر بهم ، بأسمائهم الصريحة ، في كتاب ألفه الشيخ ( عوض القرني ) ووقعه شيخ آخر متنفذ ، سمته المؤلفة ( ابن عامر ) وهو الشيخ ( ابن باز ) في ما أحسب ، ووُضِعت قائمة سوداء بأسماء دعاة الحداثة الأدبية من العرب ومُنِع هؤلاء وكتبهم ومجلاتهم من دخول البلاد ، كما نشرت صحف تلك الأيام . وقد لمست وخامة هذه الأجواء بنفسي في أواخر الثمانينيات ، يوم دعيت للمشاركة في مهرجان الشعر الخليجي الأول ( والأخير ) في الرياض . فقد قاطعني بعض الحضور عندما كنت ألقي قصيدة لي في إحدى جلسات المهرجان ، واحتجوا على تعبير مجازي ورد في القصيدة هو ( يا لهذا الشجرْ / من إلهٍ حزينْ ) وعدّوه بتعسف مساً بالذات الإلهية ، وطلبوا مني التوضيح والاعتذار ، وأنا مجرد ضيف عابر في قراءة شعرية عابرة !
إذن أحداث رواية ( عيون الثعالب ) دارت في تلك الحقبة ، وفي هذا المناخ الملبد ، ولكنها كشفت بالمقابل عن جانب مجهول ، أو خفي ، من واقع العلاقات التي كانت سائدة ، حسب الرواية ، بين أدباء الحداثة السعوديين من ذكور وإناث . فهي ، كما صورتها ، علاقات غير طبيعية ، ولا موضوعية ، علاقات نفعية ، غير نظيفة ، فالأدباء الحداثيون الذكور ينظرون إلى الأديبات الحداثيات المتطلعات إلى البروز والشهرة بعيون الثعالب ، لأنهن في نظرهم إناث قبل كل شيء ، وعليهن أن يدفعن من أنوثتهن ثمن الاهتمام بنصوصهن ونشرها في الصحف والمجلات وإبرازها عند النشر ثم نقدها والثناء عليها ، وكن بالمقابل يتهافتن على ذلك ولا يتورعن عن استخدام أنوثتهن لدفع هذا الثمن ، وتقديمه من أجسادهن إن لزم الأمر . وتقدم لنا الرواية نماذج من هؤلاء وهؤلاء ، وتكشف عن كيفية استدراج الإناث إلى الشراك التي ينصبها لهن فرسان الحداثة في لقاءات يفترض أنها لقاءات أدبية بريئة ونظيفة ، لقاءات للتحاور وتبادل الآراء وقراءة النصوص ونقدها ، ولكنها في الواقع كانت فضاءات يلتقون فيها ، ذكوراً وإناثاً ، بعيداً عن العيون ، ليحاول خلالها كل فرد منهم الحصول على مبتغاه .
وخلاصة حبكة الرواية أن بطلتها فتاة جامعية في العشرين من عمرها ، اسمها مريم ، وهي من عائلة محافظة لها وزنها في المجتمع ، ولكنها فتاة متمردة ، متحررة ، مولعة بالكتابة ، مؤمنة بالحداثة ، ومعجبة بعرّابها علي ، وتحاول أن تكتب نصوصاً حديثة برعايته ، فتتعلق به وتتخذ منه أنموذجاً ورمزاً وملهماً في الكتابة ، ولكنها تقترب منه وتتقرب إليه أكثر مما يتطلب هذا الأمر ، برغم أنها تحب رجلاً آخر وتفكر بالزواج منه ، هو يوسف الذي يعمل محرراً فنياً في الصحيفة التي يعمل فيها علي . غير أن علياً هذا لا ينظر إليها إلا بوصفها أنثى أخرى عابرة من الإناث المعجبات به ويستجبن لرغباته . ومع ذلك تلاحقه ، وتحضر اللقاءات التي يحضرها ، وهي تأمل أن يثني على نصوصها ، وتطارده بالاتصالات الهاتفية واللقاءات الخارجية المفاجئة ، وتفتعل المناسبات لتنفرد به ، وتصحبه إلى بيته وهو أعزب أربعيني لا أحد يعيش معه في البيت ، وتسمح له بأن يغازلها ويتلمس شعرها ويحتضنها ويقبلها ، وتعلن له صراحة أنها متعلقة به ، وتفرط في إعلان إعجابها بنصوصه ، بينما هو يحذرها ، ويذكرها بخطورة علاقتها به ، ويصارحها بأنه لا يصلح لها ، وأنه لا يستحق ما تفعله من أجله ، وأنه رجل عادي يعرف مليون امرأة ، وليس ملاكاً ولا مبشراً ، وليس مستعداً لأن يلتزم معها بأي التزام . وهي لم تكن غافلة عن كل ذلك ، بل كانت تدرك تمام الإدراك أنه ( مراهق مندفع ومغامر وسريع الملل ) ولكنها تظل ، مع ذلك ، لصيقة به حتى يحس ، أو يكتشف ، حبيبها يوسف أنها على علاقة بغيره فيصارحها بأنه ليس راغباً في الزواج منها . وعندئذ تدبر لعلي مكيدة فظيعة في تفاصيلها ، مكيدة ترغمه على أن يتزوجها بضغط من ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وتعيش معه بعد الزواج رغماً عنه ، ثم تدبر له مكيدة أخرى غريبة فتحمل منه دون علمه ورضاه ، لتوثق علاقتها به برباط آخر غير عقد الزواج ، ولا تخبره بحدوث الحمل إلا بعد أن أصبح إسقاط الجنين أمرأ متعذراً ، وأخيراً تنتهي الرواية نهاية معلقة تفتح الباب لشتى الاحتمالات والتأويلات بشأن مستقبل هذه العلاقة الزوجية الملتبسة .
هناك شخصيات أخرى في الرواية هم أفراد عائلة البطلة : جدتها لطيفة التي تسهر على متابعتها ، وأختها ريم التي تشاركها نزقها بحدود ضيقة ، وأبوها الذي تزوج من امرأة أخرى بعد وفاة أمها وانشغل بها ، وأخوتها الذكور الذين لا نعرف عنهم شيئاً ، وهناك عمها عبد العزيز الذي يعمل في سلك القضاء ، وهو رجل متزمت يستخف بما تنشره في الصحف باسمها الصريح ويحذرها من العواقب فتضطر إلى النشر باسم مستعار . وعدا هذه الشخصيات هنالك الشلة الحداثية بذكورها وإناثها : هنالك سعيد ، الفارس الثاني من فرسان الحداثة وشريك علي في نزواته ومغامراته ، والشاعر الشاب ناصر الذي تكتشف مريم في نهايات الرواية علاقته الشاذة المنحرفة بعلي ، وفهد عازف العود في جلسات الشلة ولقاءاتها ، وهناك عائشة أستاذة التاريخ التي تحمل أفكاراً سياسية إلى جانب نشاطها الأدبي ، وندى التي تكتب الشعر وتحب سعيد الذي يتنقل من واحدة إلى أخرى وهي نفسها تتنقل مثله من واحد إلى آخر حتى تصبح امرأة مشاعة بين ذكور الشلة ، وهناك مشاعل أستاذة الأدب ، وأسماء الشاعرة التي يتودد سعيد إليها بعد ندى ، والفنانة التشكيلية نائلة ، ونادية الشاعرة المبتدئة التي يتلقفها علي بعد مريم ليتولى رعايتها كما رعاها ورعى أمثالها ، هذا فضلاً عن ثلاث شخصيات من خارج الشلة هي : مشعل ، وهو أحد المعارف ، ومنى صديقة مريم وشريكتها في بعض ألاعيبها ، والأستاذة منيرة المتدينة الواعظة وعلاقتها بـ ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .
وهنا نتوقف لنسأل : هل الصورة التي قدمتها الرواية عن حداثيي الثمانينيات في بلادها صورة واقعية ؟ هل كان فرسان الحداثة وفارساتها على النحو الذي وصفتهم به ؟
كاتب واحد فقط من الكتاب السعوديين رأى أن ( الرواية انطلقت من بنية ذهنية جسدت الارتياب فاتكأت عليه ) هو الدكتور عالي سرحان القرشي . وقد فهمت من هذا القول أن الرواية لم تنطلق من الواقع الملموس في رأيه ، بل من تصور ذهني لواقع الحداثيين وسلوكهم وسلطتهم الثقافية . غير أن الكاتب عبد الله باخشوين سجل على غلاف الرواية الأخير أنها عمل ( يستمد من الواقع الثقافي شرعيته وخصوصيته) . ويقول الناقد عبد الله آل ملحم : إن مسرح الرواية المكاني هو الرياض ، وفيها دارت أحداثها ، ومن المشهد الثقافي ( الإعلامي ) انبثق أبرز شخوصها ، وفكرتها لا يمكن أن تكون متخيلة . ويصف كاتب آخر هو علي السديري الرواية بأنها ( ريبورتاج يتطابق ما حدث فيها مع ما حدث في تلك المرحلة التاريخية ) . أما المؤلفة فقالت في حوار أجري معها إنها أرادت أن ترسم المشهد الثقافي بواقعية بعيدة عن تبني وجهات نظر مؤدلجة . وأكدت هذا بالألفاظ نفسها في حوار آخر لها مع الكاتبة هدى الدغفق . وذكرت الدغفق ، وهي صديقة للمؤلفة في ما يبدو أن الرواية ( تحفل بإيحاءات قوية ، وإن كانت مموهة ، لشخصيات ثقافية ما زالت بيننا ) . ويظهر أن الصورة التي قدمتها الرواية هي من الواقعية بحيث جعلت كثيرين يطابقون بين شخصيات الرواية وشخصيات أخرى حقيقية موجودة في الوسط الثقافي ، وخاصة شخصية علي عراب الحداثة ، لاسيما وأن أربعة من أسماء شخصياتها وردت صراحة في كتاب القرني . حتى أنا الذي أعيش في قطر آخر ولم أزر السعودية إلا تلك الزيارة الخاطفة ، حتى أنا خطرت في ذهني مثل هذه المطابقة بين شخصيات الرواية وأكثر من شخصية أدبية سعودية حداثية أعرفها والتقيت بها في مناسبات مختلفة . فإذا كان الأمر كذلك فماذا أرادت المؤلفة أن تقول ؟ هل أرادت إدانة الحداثة أم الحداثيين ؟
في حوار صحفي أجراه مع المؤلفة صلاح القرشي قالت ما نصه ( الرواية نص لا يدين ولا يحكم ولا يجرم ) . وهذا صحيح . الرواية نص ، ولكن النص الذي قدمته لنا حافل بما يدين الحداثيين بالازدواجية والتناقض بين ما يقدمون من فكر على صعيد الكتابة وما يسلكون من سلوك على صعيد الواقع . وإلا فماذا يعني أن تقدم الحداثيين للملأ في صورة شلة منحلة بمعايير المجتمع وقيمه وتقاليده وأعرافه وقوانينه السائدة ومؤسساته الدينية والمدنية ، ولا تقدم في موازاتها شلة ، أو شخصيات ، حداثية أخرى مختلفة عنها ، أو تلمح إلى وجودها في الوسط الثقافي مجرد تلميح ؟ أليست الصورة التي قدمتها عن الحداثيين هي كتلك التي رسمها لهم الشيخ القرني ؟ أليست هذه إدانة لهم جميعاً ؟ أليست إدانة لعلي ، المفكر الجاد والمنظّر ، أن يقدم في صورة الرجل الذي يغوي الفتيات الصغيرات بالثناء على نصوصهن ونشرها ونقدها ويغوي ناصر الشاعر الشاب ويمارس معه الشذوذ الجنسي ؟ وماذا عن سعيد الذي يستغل ندى التي تحبه حد الإذلال ، ثم يهجرها إلى غيرها ، ويعود إليها مرة أخرى ثم يهجرها ؟ بلى ، إنها إدانة للحداثيين الذكور دون أي التباس .
ولكن النص الذي قدمته المؤلفة لا يدين الحداثيين الذكور فقط ، بل يدين الإناث الحداثيات أيضاً ، من حيث تدري المؤلفة أو لا تدري . فقد قدمهن لنا بصورة النساء المتهالكات على حب الظهور وتسلق سلم الشهرة حتى لو أدى ذلك إلى التفريط ببراءتهن وعفتهن ، والمغامرة بسمعتهن وسمعة عوائلهن المحافظة . فما من واحدة منهن إلا وقد ثلمت براءتها وعفتها ، أو هي في سبيلها إلى ذلك كما يوحي النص . بل أن إحداهن ، وهي ندى ، تحولت إلى ملك مشاع لذكور الشلة نكاية بسعيد أو به وبنفسها . والطريف أنه ما من واحدة من هذه الحداثيات إلا وتغار من أخرى في الشلة ، وتدفعها غيرتها إلى المغالاة في دفع الثمن . أما بطلة الرواية مريم فهي قد فعلت كل ما فعلت بكامل وعيها ، وبتخطيط ماكر منها ، لتحظى بعلي ، حتى بدا علي نفسه أنبل منها لأنه حذرها وكان صريحاً واضحاً معها .
هذا يعني أن نص الرواية يتجاوز موضوع ( علاقة المبدع بالمبدعة ) الذي تؤكد المؤلفة في حوارتها الصحفية أنه هو موضوعها ، ليصبح إدانة عامة تشمل كل شلة الحداثة ، ذكوراً وإناثاً ، فليس هناك أنموذج حداثي إيجابي واحد في الرواية يمكن أن نستثنيه من هذه الإدانة . ولا أظنني بعد هذا أبالغ إذا قلت : إن نص الرواية يدين الحداثة نفسها فكراً وسلوكاً ، ويشوه صورتها ، لدى الجمهور العام في الأقل ، حتى لتبدو لهذا الجمهور ( تحللاً ) من جميع الاعتبارات . وسلوك فرسانها ، من الذكور والإناث ، هو الدليل على هذا التحلل . وبرغم أن المؤلفة تقول في حوار صحفي لها مع صلاح القرشي إن روايتها ( ليست وثيقة حية عن الحداثة السعودية ) وإنها لم تكتبها لهذا الهدف ، ولكنها قدمت فيها عملياً ( شهادة ) قاتمة عنها ، شاءت أم أبت ، وأكدت للملأ صحة ما كان يشاع في الأوساط الأخرى عن تلك الشلة في حينها . ولو أراد الشيخ القرني شهادة يتكئ عليها في اتهام الحداثة وإدانتها بـ ( الزندقة والفسوق ) كما فعل في كتابه ( الحداثة في ميزان الإسلام ) لما وجد شهادة أبلغ من هذه الرواية . ومع ذلك تقول مؤلفتها إنها قدمت ( صورة شديدة التهذيب عن حكاية الحداثة ) في بلادها و ( إن هناك ما يمكن إضافته ) في هذا المجال . ترى ماذا كانت ستقول لو أنها أرادت أن تقدم صورة ( أقل تهذيباً ) من الصورة التي قدمتها ؟ !
أكيد أن المؤلفة لن ترضى بهذا الاستنتاج ( التأويل ) لأنها ما تزال تفخر بانتمائها إلى تلك المرحلة ، وتعد نفسها من أدباء الحداثة ، وهي كذلك حقاً ، ولكن العبرة ليست في نياتها ، ولا في ما تسقطه الآن على النص بما تقدم من إيضاحات وتفسيرات ، بل في ما تحقق في النص فعلاً ، وفي ما صار هذا النص يقترحه على القارئ من تأويلات . فهذا النص بلغ في تبشيع صورة الجماعة الحداثية مبلغاً يسوغ الظن بأن المؤلفة أرادت أن تصفي حسابها مع الحداثة نفسها وإعلان براءتها منها . ولعل مما يشجع على هذه القراءة إعلانها في مجلة ( اليمامة ) التعاطف مع الكاتب سعد الدوسري وترحيبها بـ ( توبته ) التي اعتذر فيها عن بعض كتاباته السابقة في نوع من المراجعة الدينية المتأخرة ، لأنه كتبها أيام كان في ( فوضى ثقافية ، أو سياسية ، أو عاطفية ) كما يقول . فما كتبه الدوسري أراح المؤلفة ( من هاجس الوحدة والعزلة ) لأنها وجدت فيه ما تفكر هي به أحياناً ، فهي مثله الآن ، مثل الدوسري ، لا تريد أن تظل كما يريدها كثيرون ( تلك القاصة الشاطحة ، تلك الكاتبة المغامرة البعيدة عن الكتابة الدينية الإصلاحية ) حسب قولها . هي حرة بالطبع ، ولها الحق في أن تراجع نفسها وتعيد النظر في أفكارها ومواقفها بعد أن بلغت ما بلغت من نضج واكتسبت ما اكتسبت من معرفة وخبرة ، ولكننا نتعامل هنا مع نص خرج من بين يديها ، وأصبح لقرائه حق تأويله بحسب ما يقرؤونه فيه . وما قلته هنا عنه هو ما توصلت إليه من قراءته .
ولعل مما يلفت النظر أن نص الرواية لم يدن القمع الاجتماعي مثلما أدان الشلة الحداثية . فليس فيه سوى إلماحات خجولة ، وعابرة ، إلى وجود هذا القمع ، بينما كان هو السبب في انطواء هذه الشلة على نفسها ، وانسحابها من الفضاءات المفتوحة إلى اجتماعات ضيقة ومغلقة وموبوءة ، واضطرار الفتيات الموهوبات إلى التسلل إلى هذه الاجتماعات والتشبث بهذا أو ذاك من فرسان الحداثة بحثاً عن فرص النشر والظهور والانتشار . فلولا وجود هذا القمع لأمكن نشوء علاقات طبيعية بين ذكور الحداثيين وإناثهم ، علاقات لا غبار عليها ، أو عليها القليل القليل من الغبار .
الراوي في هذه الرواية هو بطلتها مريم ، ترويها بضمير المتكلم ، فهي راو عليم ، محيط بكل تفاصيل الأحداث ، ومتحكم في روايتها ، يصرح بما يشاء ويحجب ما يشاء ، ويحتكر لنفسه فقط حق توصيف الشخصيات والتحكم بأقوالها وتصرفاتها . ولذا يصعب القبول بقول المؤلفة إنها كانت ( محايدة في رسم الشخصيات ورسم الجو العام ) . فمريم كانت ترى الشخصيات بعيون المؤلفة ، وتصف الجو العام بلسانها ، سواء أكانت المؤلفة من داخل الشلة أم من خارجها ، وكانت معلوماتها عنها عيانية أم سماعية .
ويرى الناقد عثمان الغامدي في مقال له أن المؤلفة ( لم تفهم شخصياتها بشكل عميق ولم تتعرف على نفسياتها ، ولم تضع لكل شخصية من الشخصيات قالباً أو نمطاً واضحاً تستطيع من خلاله تفسير مواقفه الاجتماعية والانفعالية والعاطفية ) . ويقول الناقد محمد العباس في مقال آخر إن ( الشخصيات لم تقدم من منظور تحليلي يبرر انتهازيتها وسقوطها ) . والحقيقة أن شخصية مريم هي الشخصية الوحيدة الواضحة في الرواية ، غير أن وضوحها نسبي في الواقع ، حتى أن القارئ لا يستطيع أن يتخيلها إلا بشكل الشبح الأسود المرسوم على غلاف الكتاب . ولولا تشبيه علي بجون ترافولتا ، الممثل الأمركي المعروف ، لظل هو الآخر مجرد شبح . فشخصيته مثل باقي الشخصيات ، بلا تاريخ واضح ولا عمق نفسي ولا خلفية اجتماعية . بل أن بعض هذه الشخصيات بدت مجرد أكسسوارات سردية أو حتى أقل من ذلك .
ولولا الأحداث التي وقعت في الثلث الأخير من الرواية ، لكانت رواية بلا أحداث مفصلية . فقد هيمنت الحوارات على ثلثيها الأولين ، وهي حوارات ثنائية في غالب الأحيان ، وفي هذه الحوارات الكثير من التكرار . وبذا كانت رواية بطيئة النمو على مستوى الفعل والحركة . أما أحداث الثلث الأخير فهي مبنية بناء مفتعلاً ، وبمنطق تلفيقي غير مقنع البتة ، ويتجلى هذا التلفيق في نوع المكيدة التي دبرتها مريم لعلي لتورطه وترغمه على الزواج منها . فهي مكيدة يصعب تصور حدوثها على صعيد الواقع بالتفاصيل التي رويت بها . إذ تعد مريم لعلي ، بالاتفاق مع منيرة ، فخاً ليلقى القبض عليه معها في شقته بتهمة الخلوة غير الشرعية . وحين تقع هذه الخلوة تسلمه مريم نفسها بحب ورغبة يصرح بهما النص ، وبعد ذلك مباشرة تعطي إشارة للمداهمين بمكالمة هاتفية ، ثم تكون المداهمة ، ويرغم علي على قبولها زوجة له وسيف ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) مسلط على رقبته . ويتجلى التلفيق ثانية في الكيفية التي رتبت بها مريم واقعة حملها والطريقة التي استخدمتها في ذلك وقالت إنها تعلمتها من مشهد رأته في أحد الأفلام ، برغم تحوطات علي نفسه ( بالواقيات المطاطية ) والتحوطات التي فرضها عليها ( حبوب منع الحمل ) .
ولكن رغم هذا كله تقرأ الرواية بسلاسة . فلغتها ، وهي شفيعها الوحيد ، لغة حديثة وجميلة ومنوعة وانسيابية ، تكثر فيها المجازات والإيحاءات ، وحواراتها على ما فيها من تكرار لفظي تشحن القارئ بالتوقعات ، وتشجعه على انتظار ما سيحدث بعد حين ، فيمضي في قراءتها دون إحساس بالملل . ويبقى أن أقول : إن هذه الرواية تستحق القراءة لأسباب أهمها أنها تعطينا فكرة عامة ، واقعية أو قريبة من الواقع ، عن البيئة الحداثية السعودية في مرحلة معينة من تاريخ البلاد .

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 677



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

تقييم
7.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر.
علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة