الأخبار
منوعات
ارشيف الرياضة، العلوم، التكنلولوجيا والصحة، والثقافة والفنون
ثقافة وفنون
أدونيس في عَمله الشعريّ الأخير 'كونشيرتو القدس' 2 ـ 2: مواجهة الموروث الواحداني
أدونيس في عَمله الشعريّ الأخير 'كونشيرتو القدس' 2 ـ 2: مواجهة الموروث الواحداني
أدونيس في عَمله الشعريّ الأخير 'كونشيرتو القدس' 2 ـ 2: مواجهة الموروث الواحداني


01-26-2013 02:01 AM


أحمد دلباني



4 تلزمُ، ربّما، ذاكرة مُضادة ومنفتحة لمجابهة تاريخ الوحدانية القائم على الدم وعلى صدام الثقافات. وقد عثر عليها أدونيس في الثقافة الوثنية وفي إرث تلك العهود التي ارتبط فيها الإنسان بالأرض وبالأسئلة الكيانية وبالترحال في مفاوز المعنى البكر؛ وهذا كما جابه نيتشه تراثهُ الثقافيّ المسيحيّ القائم على طمس ينابيع الحياة والإبداع بالأزمنة الوثنية اليونانية التي احتفت بالجسد وأعلت من شأن الشعور المأساوي بالحياة. إنَّ الثقافة القائمة على الوحدانية هي وحدها التي تمحورت، تاريخيا، حول الهوية كما لاحظ أدونيس، إذ إنَّ ' الهوية نتاج الثقافة الوحدانية الواحدية، ثقافة التمركز حول الذات، ونبذ الآخر ' (محاضرات الإسكندرية ص 57)، وهذا على درب تحصين الذات الطهرية التي ظلت تجاهدُ من أجل الخلاص من لوثة العالم والتاريخ باعتبارهما عالما سفليّا. من هنا عدمُ احتفاء هذه الثقافة بالآخر الذي ظل يهدّدُ مركزيتها وأحقيتها في رسم دروب الخلاص. ومن هنا، أيضا، عدم احتفائها بالأسئلة وبالإصغاء إلى ينابيع الكينونة الأصيلة الحرة. الرؤية الوحدانية تضمرُ نزوعا إلى إخضاع الأرض ولجم العقل وكبح كل حراك تاريخيّ قد يمثل تجاوزا لهيمنة الأحادية الفكرية والسياسية. فكيف ' لشهوة المطلق ' - وقد لبست خوذة المُحارب - أن تفتحَ أفقا لازدهار الإنسان وللتقدم التاريخيّ أو أن تؤسّس لاحترام التعدّد والاختلاف؟
يحسنُ بنا، هنا، أن نقفَ قليلا عند نقد أدونيس للوحدانية باعتبارها رؤية وتاريخا وهو النقد الذي جعل منهُ، برأينا، نيتشه آخرَ عربيّا يُجابهُ تاريخهُ نقديا ويكشفُ عن انتكاس الحضارة المُتوسّطية تلك التي شهدت يقظة العقل وسؤال المعرفة والفن بعدَ تدخل الوحدانيّة وتحوّلها إلى مؤسّسة شمولية تكبحُ أسئلة الإنسان الكيانية في مُغامرة الوجود:
' هكذا يبدو أنَّ كل شيء في التأويل السّائد للوحدانيّة، وفي الممارسة القائمة على هذا التأويل، إنما هو نقضٌ لكلّ شيء في الحضارة الأصليّة التي احتضنتها ضفاف البحر المتوسّط. فعلى هذه الضّفاف، نشأت الأسئلة الكبرى الكيانيّة، والثقافيّة، والفنّية. نقضٌ للعقل في حيرته، وشكّه، وتناقضه، وفي تساؤلاته، وفرضيّاته، ومغامراته، وفتوحاته. نقضٌ للطبيعة، للأنوثة والذكورة، للجسد والجنس ومحيطاتهما، للذة والرغبة والشّهوة، للحياة نفسها عيدًا وعُرسًا دائمين، وللأرض نفسها ساحة وبيتًا لهذا العيد.
وقد شهدنا ونشهد لحظات تاريخيّة أدّى فيها هذا التأويلُ وهذه الممارسة إلى أن تتحوّل الوحدانيّات إلى تجاربَ في القوة وفي الغزو والهيمنة، لم تكن الحروبُ الصّليبيّة مظهرها الوحيد. ففي تلك اللحظات كان يُدمّر الكائن الإنساني باسم الحقيقة المُنزلة، وحُوّل الله إلى مجرّد قائد عسكريّ. وحُوّلت الألوهة إلى بركة لغويّة آسنة. ولم تعد الوحدانيّة صلاة، وإنما أصبحت سيفًا.
هكذا لم تكن المسألة مجرّد انحلال دينيّ، كما يعبّر شتاينر، أو مجرّد انحطاط لدور المنظومة الدينيّة في الحياة والفكر والعلاقات فيما بين البشر، وإنما كانت تُفصح عن خلل في الرّؤية الوحدانيّة للإنسان والعالم. ' ( نفسه، ص 57-58).
هذا هو جوهرُ المشكلة: وجودُ خلل في الرؤية الوحدانيّة ذاتها. وهُو خللٌ يكمنُ في مُضمرات هذه الرؤية باعتبارها منظومة فكريّة شموليّة مغلقة على ذاتها، تسجنُ المعنى في النص وتعتقلُ العالم في قراءة واحدة وتتربّصُ بطائر التاريخ كي لا يُفلت من رتابة الأبديّة. إنَّ هناك عُنفا مُضمرًا في كل رؤية شموليّة يجعلها رحمًا لتشريع نبذ الآخر المُختلف واستقباح مُغامرة العقل خارج المعروف والمُقرَّر. من هُنا نفهمُ قول أدونيس: ' كل مذهبية حبلى بالجلادين ' ( المُحيط الأسود دار الساقي، بيروت. ط1 2005- ص 498). الرؤية الوحدانيّة، بالتالي، تُعتبرُ بداية للتاريخ الدّمويّ الذي بدّد كل إمكانيّة في احترام الإنسان بمعزل عن انتمائه أو مُعتقده، كما تُعتبرُ انغلاقا وتشرنقا أمام العالم والحياة. هذا ما جعل هذه الرؤية، أيضا، انتصارًا تاريخيّا للهويات المُتعالية والمركزيات التي جعلت كلَّ ذات طائفية تتحدّث بوصفها وكيلا عن لوغوس المعنى النهائيّ. هذا ما جعلها، بمعنى ما أيضا، 'هويات قاتلة' كما يحب أن يُعبّر أمين معلوف.
ينتصرُ أدونيس لثقافة التعدّد والاختلاف والبحث والسّؤال بعيدًا عن كلّ انغلاق مذهبي أو إيديولوجي. هذا ما دفع به إلى مُجابهة تاريخ الوحدانيّة في حوض المتوسّط بآلة النقد التفكيكيّ كاشفا عن علاقة كلّ رؤية بالمُمارسات التي تتمّ باسمها تاريخيّا، ومُبرزا البنية القمعيّة لكلّ رؤية فكرية واحديّة تتسلّلُ إلى تاريخ الإنسان كحصان طروادة حاملة معها إلى العالم هديّة الدّمار والقتل. هذا، ربّما، ما جعلنا نستعيدُ ونحنُ نتحدّث عن نقد أدونيس للوحدانيّة الدينيّة - نقدَ نيتشه للحضارة المسيحيّة الأوروبيّة واحتفاءهُ الكبير بفجر الحضارة اليونانيّة الوثنيّة القديمة. إنَّ الوحدانيّة الإسلاميّة، أيضا، لا تشذ عن هذا التاريخ الدَّامي، وهي تمثل فصلا بارزا من فصول الفتح وإخضاع الغير باسم الحقيقة التي جاء بها مُعطى الوحي كما هو معروف. من هنا احتفاءُ أدونيس بعهود الوثنيّة العربيّة ( التي يرفض تسميتها بالجاهليّة )، وبأدبها الذي كان ينضحُ عشقا للحياة وارتباطا بالأرض وقلقا مأساويّا عظيما أمام فاجعة الغياب.
يلتقي أدونيس بامرئ القيس ذلك الرمز العربيّ الكبير الذي جسّد بإبداعه وحياته الهُيامَ بالجسد والحب ونداءات الحياة العميقة. يلتقي به أثناء مروره بالقدس:
' لكن، ها هُو امرؤ القيس !
هو ذا في طريقه إلى بلاد الرّوم مرورًا ببيت المقدس.
قبل أن يضع قدميه على العتبة، قرأ:
للدّم الذي أريق على ضفاف المتوسّط
منذ البدايات، تاريخٌ مُدنّس.
لهذا التّاريخ الأرضيّ
موجزٌ سماويّ اسمه القدس ' ( كونشيرتو القدس - ص 13).
القدسُ خلاصة التاريخ الأرضيّ وقد وقع منذ البداية في أسر السَّرديات الشمولية القائمة على الواحدية. إنها رواية كتبها الغيب بأشلاء الأرض وعذابات الإنسان؛ وهي حكاية صلب الأرض على جلجلة الأبدية.
يلتقي أدونيس بامرئ القيس الدّهريّ عاشق المرأة وصنّاجة الحياة. يسأله:
' هل تعبتَ، يا امرأ القيس، من السّير في تلك الشوارع التي شقَّها الغيب؟
ما أبرعها في فنّ الاقتفاء،
ما أنبه جُدرانها في التنصّت.
كلما حاولت أن تعانقَ امرأة، يسألك حارسٌ:
هل استأذنت السماء؟
بلى، كلّ ثمر مرّ في هذه الشوارع ' ( نفسه، ص- 14).
يشعرُ امرؤ القيس بغربته في القدس ويُدرك أنها مدينة مُقيمة في زمن غير أرضيّ. يشعرُ، أيضا، أنها ظلٌ شاحبٌ لمملكة السّماء ولن تكونَ إلا منفى لصبواته الطالعة من ليل الرغبة. إذ نعرفُ أنَّ الوثنيّة العربيّة كانت ثقافة الأرض وثقافة الاحتفاء بالحياة في صورة البطولة والفروسيّة والحب؛ كما كانت ثقافة الشعور المأساويّ بحتميّة الغياب الفاجع في غياب العزاء الأخرويّ. من هُنا اعتبار الحياة قيمة مُطلقة لا جسرًا هشا إلى الأبديّة، ومن هُنا رغبة الشاعر العربيّ في الامتلاء الوجوديّ مثلما نجدُ ذلك عند امرئ القيس وطرفة والأعشى بخاصّة. هذه الثقافة لم تكن تتحصَّنُ وراء رؤية شمولية، ولم تسكنها شهوة الهيمنة أو رغبة طمس الأسئلة الكيانيّة. كانت ثقافة برّية الملامح قبل أن تتوشّحَ الثقافة العربيّة بالروح الأمبريالية بعد مجيء الإسلام.
أراد أدونيس، كما قلنا آنفا، أن يرفعَ صلاة وثنية إلى الأرض وقيم الأرض التي غيّبها تاريخٌ طويل من استبداد السماء والمُتحدثين باسمها. أراد أن يفسحَ مجالا للزمنيّة وللتاريخ بالخروج من دائرة المُطلق الذي حنّط الحياة في الأبدية. أراد أن يفك الحصار عن الحياة وأن يُعيد إليها أسرارها السّليبة وأغوارها الطافحة بلانهائية المعنى. إنَّ امرأ القيس تجسيدٌ لطفولة الكلام الأول ولينابيع الصبّوات الإنسانية وهي تحتضنُ شبق الاحتفاء بعُرس الأرض؛ وهو سيّدٌ على عرش تجربة الانتهاك. ستنبذهُ القدسُ النائمة على سرير ملائكة القسوة وهي تتفيّأ ظلالَ شجرها المرّ الذي تجري من تحته أنهارُ الدم.
' كثيرًا سمعتُ من يسألني، خفية: ' لماذا يتأخّر الموت في القدس، ويظلّ تقدّم الحياة موتًا آخر؟
وكيف يُسجنُ رأسٌ في قبو الكلمات التي ابتكرها هو نفسه؟' ' (نفسه، ص-11).
لماذا لا يأتي طوفانُ الموت الحقيقيّ؟ لماذا لا تعيش القدسُ إلا على وسادة الخدر الوجوديّ الذي يُسمّى، ابتذالا، بالموت؟ لماذا الحياة هنا لا تليقُ إلا بالبشر الذين كان نيتشه يُسمّيهم ' النعوش المُتحرّكة '؟ ينتظرُ أدونيس موتا حقيقيّا يُسدلُ الستار على كوميديا المَحو والغياب. ينتظرُ زلزالَ المعنى الذي سيحرّرُ المدينة العتيقة من أسر المطلق، ويُدخلها غابة الحياة حيث غبطة الكيان وفداحة الحرية الخالقة في عالم يتأنسنُ. ينتظرُ وجودا أصيلا يُخرجُ الإنسان من وضعيّة ' الكائن النحويّ ' التي سجنته فيها ثقافة قامت في جذرها الأوّل على الكلمة لا على الحرية، وجعلت الإنسان كائنا ' في اللوغوس، في الكلمة لا في الطبيعة ' كما أشار إلى ذلك أدونيس منذ كتب بيانه الشهير بعد نكسة حزيران 1967 مُنتقدًا غياب الإنسان العربيّ عن مأدبة التاريخ الحيّ. ( أدونيس فاتحة لنهايات القرن دار العودة، بيروت. ط1 1980- ص13).
القدسُ لا تُعاني من احتلال العسكريّ الإسرائيليّ أو قبضة السّياسيّ العنصريّ فحسب، وإنما أيضا من تاريخها الذي لا يستطيعُ أن يحبلَ إلا بالنبذ والآلام والموت والصّراع. هذا ما جعل نواحيها ' لا تُقاس إلا بالأشلاء ' ( كونشيرتو القدس ص 42). القدسُ تعاني من هُويَّتها المُغلقة على ذاتها ما دامت لا تحتفي إلا بالهويّة الدينيّة، ولا تفتحُ صدرها للتاريخ الذي يُصنعُ مع الآخر في أفق التطلع إلى هويّة إنسانيّة جديدة تتجاوز الانغلاق المذهبيّ. إنها مدينة موجودة في الكتب الوصيّة على السّماء، حيثُ المعنى إكسيرٌ سحريّ تعتقدُ كلّ طائفة أنَّ فيه شفاءَها من داء الزمنيّة ومن حضور الآخر الملعُون أبديّا.
هنا يصرخ أدونيس مذعورًا: ' ماذا تفعلُ أيّها الأبديّ الذي يأخذُ الزائلَ بأطراف مكنسة ويقذفُ به في فرن الهَول؟' ( نفسه، ص 86).
سيُحاولُ الشاعر أن يقتفيَ أثر امرئ القيس في ذاكرته البعيدة مُستعيدًا ثقافة الأرض والجسد والأعياد السَّكرى بالزائل. سيُحاولُ أن يتذكّر طفولة الأرض وطفولة المُتوسّط يوم كان المعنى بكرًا لا جارية في سرير المُطلق. سيُواصلُ مشوارَ جلجامش مأخوذا بآماله العريضة ويأسه المُقدَّس بحثا عن عُشبة المعنى في مفاوز العالم. سيحتضنُ أيّامهُ الزائلة ويسكرُ بها كمأساة أخّاذة.

5
تحدّثنا، إلى الآن، عن 'كونشيرتو القدس' باعتبارها عملا إبداعيا يستندُ إلى رؤية فكرية / نقدية تمثل هاجسا مركزيا من هواجس أدونيس في الآونة الأخيرة: نعني بذلك نقد الرؤية الوحدانية بالكشف عمّا تضمرُه من أشكال التمركز حول الذات ونبذ الآخر المُختلف وحجب البُعد الزمنيّ / الأرضيّ لتجربة البشر في اكتناه المعنى. هذا صحيحٌ، ولكنَّ العمل الفنيَّ ليس رؤية فكرية فحسب وإنما هُو، بالأساس، شكلٌ متميّز من أشكال حضور الفكر والتجربة في قالب فنيّ. وهذا العملُ الأدونيسيّ الذي بين أيدينا يَبرزُ، تحديدًا، بشكله الكثير الذي يتجاوز صوتَ الغنائيّة الفردية في القصيدة العربية. إنه بانوراما مشاهد تخترقُ الزمن وتحاولُ القبض على جوهر المأساة التي أبَّدت سقوط القدس في شرك العنف والعنف المُضاد. هذا العملُ أصواتٌ متعدّدة تستحضرُ انغلاقَ الرؤية الوحدانية على نفسها وسقوطها في تاريخ تكتبهُ السّماء.
من هُنا البناءُ المُركّب لعمل أدونيس حيثُ تتداخلُ الأزمنة والشواهد النبوية والمأثورات المحفوظة عن الأزمنة الغابرة مع لحظة الاحتلال والاعتقال اليوميّ؛ وحيثُ تتقاطعُ أنَّات الحاضر مع هدير الأصوات الطالعة من أغوار التاريخ الذي كتبهُ الفتحُ وادّعاءُ احتكار الحقيقة وسُبل الخلاص. وإذا صحَّ أن يكون عملُ أدونيس كونشيرتو شعريّا أو سمفونية فذلك لأنَّ الهارمونيا الوحيدة التي جمعت بين الفاعلين عبر تاريخ القدس هي هارمونيا عدم التآلف مع الآخر ما دام يسلك سبيلا مُغايرة نحو السماء. هذا هو صوت القدس العميق منذ تأسيسها: لا تحيا هذه المدينة إلا بتقديم دم الأرض قربانا لسماءٍ كلٌّ يدعي امتلاك المعرفة الصحيحة بها. هُنا يتدخلُ أدونيس ويُعلنُ انتفاضتهُ باسم الأرض والإنسان على القدس الموروثة، حالمًا بمدينة جديدة تتصالحُ فيها الذاتُ مع الآخر، ويتصالحُ فيها الإنسانُ مع الأرض، ويهجرُ فيها المعنى قفص السَّماء ليلبسَ بريقَ اللاّزورد في أفق تاريخ استعادَ عافيته.
من المعروف أنَّ الشعر الحديث عند أدونيس كتابة تخترقُ الأزمنة وتُسائلُ الذات والعالم. إنه غنائيّة العالَم وقد أصبحَ شفافا ورمزا يختزلُ تجربة الإنسان في الغبار الكونيّ. ومن المعروف، أيضا، أنَّ أدونيس ليس نصيرًا لشعر ينعزلُ عن العالم وعن الإنسان وقضاياه الكيانيّة والوجوديّة الكبرى، ليجعلَ الفنَّ اهتماما باللغة وزجّا بها في ' غرفة العناية الفائقة ' كما يُعبِّر. تلك نزعة شكلانيّة تمثل انسحابا من تراجيديا الوجود وأسئلة المعنى الحارقة. هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية يرى أدونيس أنَّ الشعر الحقيقيّ ليس تنويعا على العالم وليس استضافة للمعنى كما تكرّسهُ مؤسّسة الثقافة السّائدة بوجهيها الدينيّ والعلمانيّ معًا. الشعرُ لغة بادئة. إنه يمثّلُ يقظة الثقافة من خدَرها الإيديولوجيّ وسُؤالَها الدّائم الذي يرجّ الحساسية المُشتركة ويُربك نظام المعنى السائد، وهذا في أفق جمالي تخييليّ يتحرَّرُ فيه الفكر من أسر المرجعيّات وسُلطتها. وعملُ أدونيس الذي بين أيدينا يُفصحُ بجلاء عن الهواجس النقدية الكونيّة عند الشاعر، حيث نجده يلتزمُ بمُجابهة الموروث الوحدانيّ باعتباره رؤية ومُؤسّسة تاريخيّة طمست الإنسان وخنقت صوت المُغامرة البشريّة الجلجامشيّة في البحث والإبداع وتأسيس الوجود في أفق السّؤال والتجاوز الدّائم.
عمَلُ أدونيس يتميز بشكله البوليفوني المُتعدّد الأصوات وهو يقطع، جوهريا، مع الشكل القديم الذي كان يرتكز في عمقه على إستيطيقا الصّوت المفرد والمُشافهة. هذا العملُ الشعريّ استمرارٌ لتجربة أدونيس في الكتابة المفتوحة على أسئلة المعنى والتاريخ ضمن منظور يستبصرُ، بعُمق، مآل التاريخ المُتعثر وصخبَ اللحظة التي تحطمت على صخرتها سرديَّات التفاؤل التاريخيّ المعروفة. فالتاريخُ، هنا، ليس مسيرة واثقة. ليس زمنا تصاعديّا تصنعهُ مُغامرات العقل وبطولة الإرادة، أو التوق الطاغي إلى التأله بالإبداع وعتق غمامة الإنسان من قمقم الماضي. تاريخ القدس حكاية شاحبة تسردُ قصة الغياب العظيم: غياب الإنسان وغياب الأرض. هو حكاية توشَّحت بحضور أبطال يعيشون خارج الزمن التاريخيّ ويُشرفون على مأساة البشر من علياء السَّماء.
كيف نجابهُ هذا المأزقَ الذي جعل الحضارة حمامًا زاجلا ينقلُ رسائلَ الغيب إلى الأرض الأسيرة المريضة؟ كيف نجابهُ هذا الحصارَ الدَّامي الذي ضربته الوحدانيات على مصائر البشر؟ متى تصنعُ القدس ذاكرة جديدة تلملمُ أوصالها وتصالحُها مع الهويّة المُركّبة والتهجين الثقافيّ؟ ' أين الأغنية التي ستوحّدُ فصولك في نبض واحد؟ ' يسألُ أدونيس، بحرقة، مدينة القدس ( نفسه، ص 40). سيتسلّحُ بالشعر أي بتلك الطاقة على الحب وعلى احتضان المجهول والإقامة قرب فجر المعنى. سيُعلّمُ الزمن المغلق والمُتخمَ بالتعاليم أن يفتحَ نوافذهُ لرياح المجهول وأن يُقيمَ في ألق انتظار أزمنةٍ تتوشّحُ بوجه الإنسان:
' ثلاث مرّات، ارتجفت الأرض في فم السّماء. ملايين المرّات ارتجفت أفواه البشر. وليس لمجهول الكون بيضةٌ تلوّح لعجيزة أنثى نبويّة، أو تسقطُ ناضجةً في حضن ديك إلهيّ.
أظنّ، مع ذلك، أنني سأستقبل حافيَ القدمين، أنثى هذا المجهول في حديقة الشّعر، ذات ليلة مقبلة. وسوف نقول مــعًــا ليد الحبّ: امشطي شعر القدس وقدّمي لها مرآة الشّعر لكي تتمرأى فيها ' ( نفسه، ص 39).
لا خلاص إلا بالشعر: هذا ما ظل أدونيس يلهجُ به منذ كان يُعلّمُ ضرورة الخروج من زمن النظام المعرفي الدينيّ إلى النظام المعرفيّ الشعريّ القائم على مُغامرة البحث والسفر الدائم في اكتناه المعنى خارج كل أشكال المُسبّقات. لا خلاص إلا بالخروج من مُعتقل الوحدانيات وحضورها الثقافيّ / المُؤسّسي الطاغي الذي يحفلُ بصنوف القمع والحرب على الآخر المُختلف باسم الحقيقة وقد أصبحت ' غولاغ ' يسجنُ المعنى في عقيدة الطائفة الناجية. هذا ما يدعوهُ أدونيس ' البنية المعرفية الشعرية ' التي لم تنتصر، عبر تاريخنا الثقافي، على ' البنية المعرفية الدينية '. وفي هذا ما يُفسّرُ وجها من أوجه أزماتنا الحضارية وشللنا التاريخيّ المعروف.
لا خلاص إلا بالشعر مفهومًا على أنه زمنُ الإبداع وحاضنة التطلع الإنسانيّ الأبهى إلى جُزر الضوء البعيدة في ليل الحياة والوجود. الشعرُ هو ما ينقصُ حياتنا المُحنطة في التعاليم والحكمة البائسة. الشعرُ هو ماءُ الحياة الغائب عن عُود أيامنا اليابسة. الشعرُ هو حرية الكيان ورقصة الروح المَلكيّة على قبر الآلهة الآفلة والحاضرة عندنا مع ذلك في فعل نوستالجيا خائبة أصبحت علامة على يُتمنا الفاجع من أبوّة التاريخ. الشعرُ إقامة في الرَّماديّ وتحريرٌ من أسر المعنى النهائيّ الذي يحملُ في جوفه سَوط الجلاد.
مأساة القدس أنها مدينة يحتلها تاريخها الخاصّ، ويلتهمُها صدامُ الوحدانيات والانغلاقُ اللاهوتي الذي جعل منها جارية للسّماء. فمتى تعرفُ هذه المدينة، أخيرًا، انعتاقها من الجلاد التاريخيّ الذي ما زال يتناسلُ طوائفَ تتناحرُ على كسب وُدّ السَّماء وسَحق وردة الأرض؟

' باحث من الجزائر

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 726



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة