الأخبار
أخبار إقليمية
أوتوقراطية اللغة العربية في السودان
أوتوقراطية اللغة العربية في السودان



01-27-2013 06:38 AM
محمد جميل أحمد

انتشرت اللغة العربية في السودان نتيجة لصيرورة متصلة بالقواعد والقوانين العامة لحركة اللغة وخزينها المعرفي والإنساني . وبما أن اللغات الكبرى ، كاللغة العربية ، يمكن أن تعكس هيمنتها من خلال التمثلات الآيدلوجية والسلطوية للناطقين بها على الناطقين بغيرها ، عبر استثمار التأثير الناعم للمكانة الدينية التي تحوزها مثلا ؛ فقد تحولت تلك الهيمنة بمرور الزمن إلى أداة في يد مجتمع تلك اللغة التي منحته سلطة وضع التصورات العامة للحياة من خلال مؤثرات أنتجتها الثقافة المحلية لذلك المجتمع ، وبحيث تم تعويم تلك الثقافة ، عبر الإعلام ، كما لو أنها نموذجا وطنيا لا يقبل القسمة على أحد ، بطريقة ضخت حرجا شديدا في لاوعي الآخرين كلما حاولوا تمثل لغاتهم السودانية الراطنة (والسودان كله راطن في جهاته الأربع) ؛ هذا الحرج المتأتي من وهم الدونية اللغوية كان ينعكس غالبا استلابا للهويات الراطنة عند غالبية السودانيين الذين أصبحوا بتقليدهم لمجتمع الثقافة العربية في السودان ــ لا سيما مجتمع الشمال والوسط ــ كمن يؤدون أدوارا وطنية لا يصلح معها التعبير عن هوياتهم الراطنة في الفضاء العام ، إلا بوصفه مصدرا للحرج !؟

و منذ استقلال السودان تضخم هذا الحرج ضاغطا على وعي تلك القوميات السودانية حتى انفجرت تناقضات المأزق السوداني بعد انقلاب نظام الإنقاذ في العام 1989م الذي طبق آيدلوجيا إسلاموية عوّمَ من خلالها هوسه باللغة العربية ضمن دعايته الايدلوجية للمشروع الإسلامي ؛ فظهرت حركات التمرد والحركات القومية والمناطقية كردود فعل كانت أشبه بالقنابل الزمنية بعد تهميش طويل .



وظل نظام الانقاذ يستثمر تسويق الخوف على لغة (القرآن) ، صرفا للأنظار عن فشله الذريع في تحقيق الوحدة والسلام والديمقراطية ، في موازاة مواجهة دعائية لمشروع الزعيم الجنوبي الراحل الدكتور جون قرنق لتدريس اللغات السودانية الراطنة وفق منهجية تضمن الخلاص من الفاقد التربوي والتعليمي في المناطق الراطنة وتعيد بناء الكيانية الوطنية وفق أسس جديدة .



والحقيقة أن هناك حاجة وطنية حقيقية لتدريس اللغات المحلية الكبرى في السودان كلغة (التقري) و(التبداوي) لغتا قومية البجا في الشرق ، ضمن رؤية معرفية يكون هدفها الوطني من توظيف اللغة ممثلا في غايتين الأولى : تصفير الفاقد التربوي إلى نسبة الصفر بتدريس اللغة الأم في البوادي والمناطق الراطنة تماما ، لأربع سنوات على الأقل ، إلى جوار العربية ؛ فحين يتم ذلك سيتمكن الطفل ، عبر معرفته بلغته الأم ، من الرغبة والحب والتفاعل الذي يجعله مؤهلا للاندماج بسلاسة في العملية التعليمية ، ومن ثم تمثلها تمثلا يتجاوز به عقدة حاجز اللغة ذلك أن أهم أسباب الفاقد التربوي في السودان ، والذي كان منتشرا في البوادي الراطنة مثل مناطق البجا المغلقة بشرق السودان كـ(هيا) و(قرورة) تمثل في سوء الفهم التاريخي لمنهجية تعليم اللغات الراطنة وفق استراتيجية معرفية ووطنية . فمثلا حين يتلعثم الطفل الراطن أثناء التعلم في المدرسة سيوحي بعجز عن الاستيعاب و التواصل الطبيعي مع اللغة العربية الجديدة عليه ، فيكون بذلك عرضة للسخرية منه ، سواء من طرف المعلمين أو حتى التلاميذ في المناطق الحضرية بطريقة تجعله يستشعر حرجا معيقا لاندماجه في العملية التعليمية ، ومن ثم تدفعه تلك العقدة إلى ترك الدراسة في سن مبكرة جدا لتلافي الحرج ، فيصبح ضمن الفاقد التربوي ويفقد من ثم الفرصة في الحصول على تعليم كامل .



وعادة ما يتم تفسير هذه الحالة النفسية من طرف المعلمين بأنها تخلف ذهني أو بلادة بدوية في التلقي ؛ في حين الأمر ليس كذلك ، وإنما هو نتيجة خطيرة لخطأ استراتيجي قاتل في العجز عن استثمار التنوع اللغوي في العملية التعليمية . ونظرا لأنه طفل ولا يستطيع التعبير عن مشكلته، يضيع حقه المشروع في التعليم .



أما الغاية الثانية فهي الاندماج في الهوية الوطنية ، فحين يقرأ الطفل بلغته الراطنة وبالعربية كذلك ، تاريخ منطقته ويعرف معاني مفردات لغته من خلال كتب منهجية وتربوية تأتيه من المركز فهو هنا لن يستشعر التهميش بل سيستشعر معنى وطنيته عبر احساسه بها في مفردات حياته المحلية كاللغة والتاريخ والتراث وعند ذلك يصبح مؤهلا ويكون قادرا على الاستمرار في العلمية التعليمية حتى النهاية . هذا بالطبع ممكن جدا وسيلعب دورا كبيرا في تحقيق الاندماج في الهوية الوطنية وخلق الوعي والاستقرار . كما أنه قابل للتحقيق .



لقد حققت الهند نموذجا وطنيا متقدما في استثمار التنوع اللغوي وبالرغم من أن الهند أكثر تعقيدا في الأديان واللغات والأعراق من السودان مع ذلك أصبحت أكبر ديمقراطية ؛ ولهذا ستظل المثال الساطع لعجز السودان عن انجاز مصهر لهويته الوطنية. وإلا تحول ذلك التنوع إلى كارثة معيقة للاستقرار ومنتجة للنزاعات والحروب الأهلية كما هو الحال اليوم في السودان .



وإذا كان غلاة نظام الانقاذ يستنكرون الاستثمار المنهجي والتربوي للتعدد اللغوي في بناء الهوية الوطنية ، عبر المزايدة على الخوف من ضياع لغة (القرآن)! وهو خوف آيدلوجي لا تبرره إلا الغايات السياسية والفئوية ؛ فإن اللغة العربية ستظل هي اللغة الوطنية للمنهج التعليمي في كل مراحله بالطبع.



بطبيعة الحال نتحدث هنا عن تصور استراتيجي عام متصل بسياسات توظيف اللغات الأم في العملية التعليمية والاندماج الوطني . وإلا فهناك الكثير من النظريات والمنهجيات المتخصصة في الجامعات العالمية حول هذا الموضوع .



[email protected]


إيلاف الإلكترونية اللندنية


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1274


التعليقات
#569505 [احمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2013 07:32 PM
هناك مشكلة كبيرة لدى الذين لا يتقنون لغة اخرى غير العربية هى صعوبة التواصل مع بقية البشر وانما مع مجموعة الناطقين بالعربية فقط وهذه الدعوات لتهميش العربية تزيد الامر ضغثا على ابالة معظم الرطانات المحلية لا ينطق يها الا عدد قليل من البشرمما يزيد من عزلتهم اذا ابتعدوا عن العربية فيصيروا مجتمعات منغلقة ضعيفة فهم سيفقدون الفرصة فى المنافسة فى العلم والعمل لان كل شىء يتم بالعربية لاتضروا الناس بمثل هذه الدعوات الغريب ان معظم الناطقين بغير العربية فخورون بتعلمهم للعربية ما عدا قلة قليلة جدا معظمهم ذوو منطلقات ايدلوجية والامر العجيب هو انهم يهاجمونها بلسان عربى مبين في بريطانيا لا يمكن ان تحصل علي وظيفة محترمة الا ان تكون ذو لسان ذرب في الانجلبزية ولا يقول قائل ان في الامر تفرقة عنصربة


#569319 [آنحناالشطة الكندآكة]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2013 02:57 PM
هسع لغة كلغة (التقري) و(التبداوي) ، هل لديها حروف ابجدية خاصة بهما


ردود على آنحناالشطة الكندآكة
United States [أسبلتا] 01-27-2013 04:02 PM
من مشاكلنا نحن السودانيين إفتعال العروبة والاستهتار ببقية القوميات واللغات...

يا سيد خليك عارف إنو لفغة التقري هي من أقدم لغات العالمولها حرف هو الحرف السبئي القديم...

لمزيد من المعلومات هاك رابط في موقع ويكيبيديا:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%BA%D8%A9_%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%A9


#569252 [ناجي سيد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2013 01:48 PM
دعوة جميل لا غبار عليها ولكن كان يكون أكثر موضوعية لو دعا إلي الإهتمام بكل الرطانات في جميع أرجاء الوطن وإخضاعها لدراسة عميقة يكون الهدف منها تبني منهجية إنتقال الناشئة من لسان الأم إلي اللغة الرسمية للدولة لأن العقل البشري مفطور علي قابلية التعلم سواء أكانت لغة التعليم عربية كانت أم إنكليزية أوغيرها خاصة ونحن في عصر العولمة بإمكان الدولة وميكانيزماتها وعلو همة المواطن أن تخرج مواطنيها من الإنغلاق الثقافي والإجتماعي والتعصب للغة القبيلة وغيرهاطاما الطفل بإمكانه أن يتعلم ما لم يعلمه آباؤه وأمهاته الأولين , والطالب يسافر للدراسة الجامعية في آسيا أو أوروبا وغيرها من الدول فيجلس ستة شهور ليتعلم اللغة ومن ثم يشرع في دراسة أي تخصص يرغبه حسب مؤهلاته... عليه فلنتبتعد عن العصبية ونسبح في الآفاق فنتقن كل لغات الدنيا ولهجاتها فنكون خير سفراء لبلادنا ومللنا.


#569159 [عمار]
1.00/5 (1 صوت)

01-27-2013 12:21 PM
ياخى والله عفارم عليك فعلا لامست موضع الالم زاااااتو والله نحن اهلنا النوبة فى الشمال عانو من اللغة دى فى المدارس كتييير وبرضو بتذكر كم كانت معاناة زملاءنا الجنوبيين وكان بدرسوا معانا فى مدرسة دنقلا الثانوية فى اواخر الثمانينات وخاصة فى مادة النحو والصرف ياخى المادة دى العرب ذاتم ما عارفنها والله كنت بتألم ليهم كتيير...انا غايتو كنت كويس شوية لأنى نوبى ترخيص شايقية وبجيد اللغة النوبية ومتربى فى الشايقية وانمنى أن تدرس اللغات السودانية وتنقح وان تكون اللغة الانكليزية هى اللغة الرسمية عشان الرطانة مايقدوا عربى وما يخشوا جامعة وتكتظ الجامعات بأبناء الشايقية والجعليين والرباطاب وبقية القبائل العاربة والمستعربة واهلنا الرطانة فاقد تربوى بسبب اللغة العربية غريبة الوجه واليد واللسان


#569047 [كوكاب]
3.00/5 (2 صوت)

01-27-2013 10:55 AM
مقالك رائع ويمكن ان يكون مفيدا جدا في ظل سودان جديد وديمقراطي يعترف بالتعدد الثقافي والاثني واللغوي وهي اية من ايات الله لا يستطيع احد ان ينسفها من الوجود واصحابها يرون بان لغاتهم لا تقل اهمية عن اية لغة اخرى وما اللغات العالمية الاخري الا اضافة لانسانيتهم واثراء لثقافتهم ولكن ان تفرض اللغة العربية في السودان بحد السيف والحروبات التي تشن ضدهم بهدف الابادة هذا هو المرفوض وحتى لو تحدث كل السودانيين العربية لا يعني ذلك بانهم عرب واشكالهم تدل عليهم والشعوب التي تتحدث لغات اخري هي شعوب اصلية وموطنها السودان فالسودان هو قلب القارة الافريقية ومعظم اللغات الافريقية نشات بين النيل وبحيرة شاد فشعوب القارة الافريقية مرتبطة مع بعض البعض عضويا ولغويا وثقافيا ولذلك اي لغة دخيلة يجب ان تتعايش مع الغات الاخرى وان تكون اضافة للشعوب لا مصدر قلق وحروب وموت .


#569008 [كرتوت]
4.00/5 (3 صوت)

01-27-2013 10:22 AM
والله صدقت يا استاذ فمثلا نجد اهلنا في الهامش يقولون نحن لم نكره العرب اواللغة العربية لكن الحكومة كرهتنا ,والان البعض يقول نحن لم نكره الحكم بالشريعة الاسلامية لكن ناس الانقاذ كرهونا. وبصراحة الكثير منا لايعرف معنى الوطنية لاننا في كل محفل او مناسبة نجد واحد من ابناء الشمال غالبا ينصب نفسه راعيا للوطنية اكثر من غيره من بقية المشاركين .والعجب ان بعض الناس يمتنى ان تطل كارثة على هذا السودان وتذهب به في ستين داهية بسبب الكرهية المطلقة للمتهيمنين الذين يرون انفسهم اكثر وطنية من غيرهم يعني باختصار الذي لايجيد اللغة العربية اقل وطنية .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة