النص الجديد .. العملية البنائية والممارسة الإبداعية
النص الجديد .. العملية البنائية والممارسة الإبداعية


02-08-2013 05:18 AM



بتراتبية هدمية مسبقة يسعى النص الجديد للعبور فوق الأسلاك مسوياً طريقهُ من زاوية خلخلة المركزية في الإبداع والريادة الفردية.




بقلم: فارس البيل

نص الموبايل

ينفذ النص الجديد إلى مساحة الضوء عبر تقديم ذاته باعتباره نصاً عابراً للأنواع، أو كأنه يهدم تلك الرؤية التي تقيد وجوده أو ستشكك في ولادته وكينونته، ذلك لأن الأنواع أو الأجناس الأدبية عبر مراحل تطورها مارست جدالاً واسعاً وطويلاً، وخاضت سجالات عديدة حتى أثبتت لها مكاناً ورؤية وشكلاً. ولا تزال تبايناتها وآثار تشكلها وأبعاد تأثيراتها ومؤداها ينفذ عميقاً في محيط الأدبية، وتُحدث من التشظي والإجهاد المدافع عن بروزها أكثر من جهود إبداعها، وعلى حساب مُؤداها وحضورها الفني وقيمتها الجمالية والإيحائية.

والنص الجديد .. كما عبر عن نفسه في بيان صادر عن ملتقى النص الجديد الذي أقامته مؤسسة أروقة وانعقد بالقاهرة في الفترة 4-7/2/2010 ولا يزال ينعقد لتجلية الفكرة ذاتها حتى اللحظة، مقدماً نفسه "باعتباره نصاً عابراً للأنواع والفنون، مستوعباً إياها تارة ومتجاوزاً إياها تارات، فهو نص عصي على التصنيف، يتبلور بعيدا عن المجانية والتهديف معا، ولأنَّ الآلة أصبحت شريكاً فاعلاً في كتابة النصوص وليس مجرد وسيلة أو وسيط فقد أصبح الوعي بالنص الإلكتروني حقيقة واقعة تجعل من النص الجديد بالضرورة نصاً تفاعلياً، خارج الزمن وأكثر يومية من اليوميات وهو مع ذلك نص شعبي يتلبس الشاشة، والورق معاً، بمعنى أنه نص مزدوج الكتابة والتلقي، وينطلق من رؤى صعبة التلخيص، يتجلى في أربعة أنواع من النصوص (حتى الآن على الأقل).

1ــ نص التأسيس /قصيدة النثر الإلكترونية / النص الأم.

2ــ نص الموبايل.

3ــ النص الجماعي (نص الانفلاتات).

4ـــ النص الرقمي المحض (التفاعلي) أو الهايبر تكست".

مما يعني أن كل نوع إبداعي يتوالد يبدأ بالتسلح للدفاع عن وجوده وشرعنة حضوره أكثر من تسلحه بأدواته الإبداعية وتشكلات ملامحه ومنافذ إبداعه وقدراته.

وبتراتبية هدمية مسبقة يسعى النص الجديد للعبور فوق الأسلاك مسوياً طريقهُ من زاوية خلخلة المركزية في الإبداع والريادة الفردية، متكئاً على معادل المستقبل بفضائه المفتوح الذي لا يقيم وزناً للمركزية الإنتاجية، ويُدخل الجميع في فيض واسع من الانتاج الإبداعي والتبادل المعرفي السريع، ويتطور فيه مستوى المبدع ومستوى القارئ من جهة تطور الوسيط والناقل بينهما وتعدده وتشعب طرائقه، بما يحيل الإنتاج الإبداعي إلى حالة من الانثيال الهائل كالسباحة في الفضاء؛ تغدو فيه عملية الإنتاج الإبداعي والخلق والقراءة عمليات معقدة وذات أبعاد وارتدادات مختلفة وجديدة.

والنص الجديد إذ يقدم نفسه ناعتاً إياها بالجِدَّة، سيقع من حيث الوسم في إشكالية المرحلة أو ما يمكن أن نطلق عليه الفضاء الزماني له.

هل عليه أن يميز نفسه بأدوات انتاجه باعتباره منوطاً بها كعملية إنتاج وكما أوضح بيان النص الجديد ذاته أن الوسيط، أو"الآلة أصبحت شريكاً فاعلاً في كتابة النصوص وليس مجرد وسيلة أو وسيط"، أم أنه يريد من هذه الجِدة أن يُقدم نفسه بوصفه حداثة ثالثة كما أراد هو في ذات البيان، متحاشياً أو مضمراً وقوف الدالة المستمرة فيما عرف بما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة أو ما بعد بعد بعد الحداثة، منطلقاً في ذلك من فكرة مؤداها أنه إذا كان مفهوم "النص" وليد القرن العشرين، فإن هذا المفهوم الجديد الذي بدأ في الظهور منذ أواخر القرن الماضي، والذي بدأ يحتل موقعاً خاصاً في الدراسات الأدبية والإنسانية في بدايات القرن الحادي والعشرين، يُمكننا من الذهاب بدون خوف المبالغة إلى أنه سيكون بدوره المفهوم المحور في مختلف أدبيات هذا القرن.

وليست المعضلة هنا بقدر ما ستفرض عليه هذه التسمية ما كان يسعى لهدمه أو تحاشيه بعيداً عن سلطة الأنواع وتصنيفات النظرية الأدبية واسقاطات النقد الحديث.

فهل الجديد هنا هو أنّ النص جديد؟ ومختلف؟ وعملية بنائه وقراءته تحمل شكلاً مغايراً ومتفرداً؟ أم أن النص المعني وبحسب البيان ذاته: "شكل جديد (مع رفض كتابه مصطلح الشكل) مع امتلاكه خصائص قصيدة النثر أو بالأصح معظمها متنازلاً عن كثير منها، إلا أنه نص إلكتروني، تجعلنا إلكترونيته نركز السهم في عين نص الميديا أو النص التفاعلي والذي هو جزء من هذا النص الجديد، إن النص الإلكتروني الذي تقصد إليه مقاربات النص الجديد نص قائم على كل أسس وخلفيات المكتوب الحامل لثقافة العصر وقناعاته، وتسليماته بالتغيير والعبورية /الأصل".

وبذلك فإن معالم الجِدة في النص الجديد لا تخرج عن الآليات الجديدة لإنتاجه وعملية التفاعل القرائي والإنتاج التشعبي والتعديل فيه.

وهو في ذلك لا يزال يمت بصلة قريبة لقصيدة النثر وبصلة أخفى إلى النوعية الأدبية عموماً بتشكلاتها المختلفة، ولو بتجلياتها و إضماراتها.

إن التأسيس على النص باعتباره جديداً قد يكون له اتساق ما مع التطور العصري والتشكل التقني المتطور يوماً بعد يوم، لكنه سيدخل النص في مسائلاتٍ عن الجِدة المبتكرة في بنية النص ونظام وحداته ومنظومته الدلالية وعلاقاته التعاقبية وإشاراته العلاماتية.

ولأن المستقبل بين يدي التقنية والتكنولوجيا مبهم ومتفجر كل يوم بكل جديد؛ فإننا سنقع في إشكالية تحديد هذه الجدة تبعاً لجديد التكنولوجيا، ومن ثم ندخل في دالة مستحدثة عنوانها الجديد وما بعد الجديد وما بعد بعد الجديد. مع الإشارة إلى ظروف وملابسات وحيثيات انتاج نظرية أو مذهب الحداثة وما بعدها.

وهو ما يجدر بأن يتمهل النص الجديد في وسم نفسه معتمداً على ما أشار إليه من علاقة طردية مع تطورات الآلة، ليتخذ من ذاته نصاً إلكترونياً أو تقنياً أو نصاً شبكياً أو رقمياً .. الخ، بحسب الملائمة وقدرة اللفظ على اكتناز المعنى المُجمل .. وهو ما يحيل بشكل مباشر إلى دور الوسيط في تقديم ونقل النص.

وذلك على اعتبار الظروف الموضوعية لخلق هذا المناخ الإبداعي البادئة عام 1945، عندما كتب "فانيفار بوش" مقالاً في المحيط الأطلسي الشهري بعنوان "كما نحن قد نفكر"، حول جهاز مستقبلي سماه (ميمكس) وصفه باعتباره الجهاز المكتبي الكهروميكانيكي المرتبط بأرشيف واسع من الميكروفيلم، وقادر على عرض الكتب، أو الكتابات، أو أي وثيقة من مكتبة. والميمكس من شأنه أيضاً أن يكون قادراً على خلق مساراتٍ مرتبطةٍ ومتفرعةٍ من مجموعةٍ من الصفحات.

ومع ذلك؛ فإن القصة الحديثة للنص التشعبي، بدأت مع ميمكس التي أثرت بصورة مباشرة وألهمت الرجلين الأمريكيين "تيد نيلسون ودوجلاس إنجلبرت، عموما الفضل في اختراع النص التشعبي عندما صاغ تيد نيلسون عبارة (النص التشعبي) و(الوسائط المتعددة فائقة التشابك) عام 1965، وعمل مع أندرياس فان دام لتطوير نظام تحرير للنص التشعبي في عام 1968 في جامعة براون. ولم تكتمل معالم هذا المشروع الرئيسية إلا عام 1968. في ديسمبر/ كانون الأول من ذلك العام ، حيث أظهر "إنجلبرت" واجهة النص التشعبي للجمهور للمرة الأولى، في ما أصبح يعرف باسم "الأم لكل التجارب".

وهكذا تطورت هذه العملية لتنتج وسائط متعددة وبطاقات فائقة ومنتوجات إلكترونية مختلفة تحمل النصوص المتعددة، تُوجت بإطلاق الشبكة العالمية للإنترنت في أواخر الثمانينيات، وما تبع هذا الإطلاق من استحداثات مهولة على صعيد آلات تقديم وتوصيل النص بتقنيات مختلفة ليست القراءة النمطية إلا إحداها.

ومع ذلك فإن النص المُعبر عنه بالجديد ينحو بذكاء متسارع منحى اللحاق بطرائق الحياة الجديدة وتشعباتها وتطوراتها المتسارعة، وذلك ما يؤخذ على الأدب والإبداع عموماً من أنه يأتي تالياً أو تابعاً لتطورات الحياة، ولا ينتج إلا متأخراً أو ببطء يكاد يجعله في مكان غير مندغم مع هدير الحياة وتعاوراتها وانتقالاتها الخاطفة. وهو ما يعني بالضرورة تطوراً للحياة وأنماط التفكير لدى الإنسان وقدرات الخيال والتصوير والتشكيل والدلالة، والتعبير عموماً عنده.

إن النص المتعلق بالآلة التواصلية الحديثة وهو يغرز حضوره الإبداعي في استخداماتها الحياتية اليومية هو نص عابر ومحتوٍ وسهل التشكل؛ فوق أنه حامٍ للقدرة التعبيرية لدى المبدع من الانسياح وسط جَلَبة التطور العصري، أو الانزواء بعيداً عن هذا الفيض العارم، لهو يسجل مواكبةً حفيةً لمسيرة الإبداع بتطور المادة؛ ليحافظ على سمو التعبير وكينونة الجمال النصي والإبداعي عند الإنسان، ويحضر بصفته حاملأ أميناً لسلطة الإبداع وقدراته التي يمكن أن يتملكها الضياع وسط حالة الشعبوية التي تتمدد فيها كل أدوات المعرفة ووسائلها، ليصبح من حق المبدع أن يبدو بحالة العصري القريب من الناس وأفهامهم العميق في غوائل التكنولوجيا وتطبيقاتها التواصلية.

وإذا ما حضر النص الإلكتروني ببنيته المفتوحة وبساطة لغته؛ فإنه حفيٌ بإنتاج قيمي ومنجز إبداعي ينتصر للزمن والمكان والحالة. آخذاً في اعتباره اختلاف القارئ وانفتاح مفهومه تبعاً لانتشار الوسائط الإلكترونية لدى عامة الناس وعملية التفاعل المفتوحة مع النص، إضافة إلى محاذير عملية الإنتاج الإبداعي وظروف الحفاظ على هويتها وملكيتها وحقوق منتجيها، في عالم يخلق كل واحدٍ منه عالمه الخاص بسهولة ويسر إلى الحد الذي يصعب معه التمييز والانتقاء.

وفي ظروفٍ تفاعليةٍ مع هذا النص أكثر واقعيةً مما قبل؛ إذ لم يعد الدخول في النص المبدع بمثابة الخروج من الواقع إلى العالم المتخيل، بل بات الدخول في النص هو عملية البحث عن الواقع ذاته، والانغمار في النص يكون بغية حلحلة قضايا الواقع الملغزة.

إضافة إلى أن عملية الانتاج والتلقي باتت تسير في آن واحدٍ بصحبة هذه الآلة. ولم تعد عملية الانتاج منفصلة عن التلقي، أو منتظرةً آماداً طويلةً للحصول على انفعالاتها وتعليقاتها؛ بل يمكن الآن أن تتم عملية بناء النص وحتى نحته بطريقة آلية وسريعة متداخلة في عملية تناص واسعة تُلقي مسئولية جسيمة وبالغة على هذا الشكل أو الكيان الجديد تدعوه للتحديث المستمر والتحديق المتواصل في آلياته وفعاليته ورؤاه وأدواره الإبداعية.

ميدل ايست أونلاين



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 540



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة