أخلاقيات الكتابة: سوء الكتابة يتبعه سوء القراءة ..
أخلاقيات الكتابة: سوء الكتابة يتبعه سوء القراءة ..


02-14-2013 05:15 AM


عبدالكريم كاظم


لست أزعم أن بمقدور أي كان، كاتب أو مؤسسة أو حتى صحيفة ان يؤسس لكتابة أخلاقية من دون مشقة.
الإشكالية، بالطبع غير مستحيلة، لكن تفكيكها وإعادة تشكيلها على أسس أخلاقية متمدنة أو جديدة يتطلب التعامل معها، والنظر إليها بوصفها إشكالية تتجاوز النطاق العام وحدود الاشتراطات التقليدية، أي بوصفها إشكالية فردية بامتياز، هذا من جهة، وعامة من الجهة الأخرى وتتعلق في الوقت نفسه بضرورة تشديد نظام القيم الأخلاقي الذي يقوم بطبيعته على توازنٍ ما في مجالات الحياة المتنوعة.
هل يمكن ذلك؟ لو قلنا بإمكان النظام الأخلاقي المتوازن فلسوف نقع في تجريد ساذج. ذلك أن عالماً مضطرباً لا تضبطه معايير الأخلاق بل تضبطه معايير الإقصاء وشهوة الانتقام لا يمكن أن يتأمل منه ما يحتويه من قيم أخلاقية موروثة تتحرك بطريقة غير متمدنة. إن الشرط البدئي لقيامة نظام قيم أخلاقي راسخ على النطاق العام/الخاص هو شرط يؤسسه توازن بين المعرفة وعوالمها المتعددة، وحتى يصير هذا الشرط واقعياً أو ملموساً فلا بد أن يسبق التوازن حدوث تحولات جوهرية ضرورية في نسبة الوعي والمعرفة والقراءة والكتابة النقدية بما يؤدي إلى ضربٍ من أخلاقية متمدنة أساسها الاعتراف بالآخر وبمبادئ الحوار وحقوق الإنسان في النقد المعرفي وحقوق الرد الأخلاقي اعترافاً عملياً. إن كان هذا الشرط طوباوياً وغير قابل للتحقق بالنظر إلى منطق وطبيعة الأخلاق المضطربة، فإن الشرط نفسه قابل للنفاذ على نطاق المجتمعات المتحضرة التي تحمل تقاليد متنوعة راسخة .
هل يمكن الوصول بالحوار، حول أخلاقيات الكتابة، إلى مراحل مهمة؟ قد يدعونا هذا السؤال إلى ضرورة إعادة بناء نظام جديد للقيم الأخلاقية، أما عناصر هذا الحوار الإنساني المجرد فيمكن أن تجري أنطلاقاً من وجوب إجراء مصالحة بين الذات والآخر أو بين الكتابة نفسها والممارسة الأخلاقية واستطراداً بين الغاية والوسيلة بحيث لا يؤدي طغيان شعار الإقصاء للآخر على ضرورات الاجتهاد والاختلاف وتعدد الأفهام في التعاطي المعرفي والفكري والفلسفي. في بلادنا، وتحديداً في المجتمعات الشرقية الأسلامية، فالحوار مع الآخر هو حوار سلبي في أغلب الأحوال، لا يخلي المساحة الضرورية التي تكفي لتفعيل حوار الأختلاف والأجتهاد والإبداع بين أبناء البلد الواحد. من هنا نعتقد أن الأخلاق الفطرية التي تتوفرها الطبيعة البشرية المجردة، وبالتالي الأخلاق البديهية ستشكلان أساساً لحفظ نظام القيم الأخلاقي في مجتمعاتنا ومن ثمة لتأليف نظام للقيم في كل ما يتصل بتدبير الشأن العام والعلاقات بين أفراد المجتمع، وخصوصاً ما يتعلق بالكتابة والنقد والبحث. إن هذا يقتضي منا، في حياتنا العامة والخاصة، أن ندرس أخلاقنا السياسية والثقافية والأجتماعية دراسة تفكيكية نقدية، دراسة يحكمها روح التسامح بين الفرد والآخر أو بين مؤسسات المجتمع المختلفة والأفراد، وفي هذا المعنى يمكن أن ينشأ الخطاب الأخلاقي الحضاري، على مستوى الكتابة والتعامل الحياتي واليومي، الذي طالما فقدناه. ذلك القائم على أخلاقية العلاقة بين أفراد المجتمع وأختلافاتهم وتنوعاتهم الفكرية والسياسية والثقافية والأجتماعية. إنه الخطاب الأخلاقي المتمدن، هذا الذي تكون الحرية فيه مفهومة على إنها التحرر من كل إكراه أو قسوة تحول دون الإنسان وفعله وما يود فعله. إن الخداع الأخلاقي هو أخطر أنواع الخداع لأنه يقلب الحقائق رأساً على عقب ثم يعود ليبثها من جديد كحقائق لا تقبل الشك والمراجعة، إن الخطاب الأخلاقي المخادع هو ما يصوّر للناس ما ليس لهم به منفعة، على أنه خيرٌ صافٍ لهم، بأخلاق أو أخبار عن الأخلاق لا قصد لها سوى جعل الناس يؤمنون بآلهة أرضيين دون إله الوجود .
يرمي هذا المقال إلى فتح ثغرة ما، حول أخلاقيات الكتابة، وهو، فيما أرى، خطوة لا مناص منها للعثور على سبيل، من خلال هذه الثغرة، يؤدي إلى ابتعاث الاحتمال الأخلاقي على نطاق الكتابة المتنوعة والسلوك اليومي في الحياة .

القدس العربي



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 663



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة