'حتى لا يعود جهيمان': حفريات ايديولوجية في فصل تاريخي غامض
'حتى لا يعود جهيمان': حفريات ايديولوجية في فصل تاريخي غامض


04-23-2013 05:30 AM


ابراهيم درويش


مضى اكثر من ثلاثة عقود على احتلال الحرم المكي من مجموعة دينية لم يتفق المحللون على توصيف اهدافها والدوافع التي ادت بها لادخال السلاح والسيطرة على الحرم الشريف في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 لمدة اسبوعين قبل ان تتمكن القوات السعودية من اخراج المنفذين والمتآمرين بمساعدة من الدول الحليفة وقوات فرنسية خاصة بقيادة الكابتن بول باريل اسهمت في شل اخر فلول الجماعة التي قامت بالعملية وذلك في 4 كانون الاول (ديسمبر) 1979.
وقد جاء احتلال جهيمان العتيبي واتباعه الحرم في ظل احداث مهمة حدثت في ذلك العام ، اي 1979 حيث اجتاح الاتحاد السوفييتي افغانستان، وانهت الثورة الاسلامية في ايران حكم عائلة آل بهلوي، وجاءت في ظل عزلة عربية لمصر بعد توقيعها معاهدة كامب ديفيد منفردة مع اسرائيل. كل هذه التطورات وان لم تكن في ذهن منفذي العملية الذين كانوا مجموعة من الناشطين السعوديين الخارجين من عباءة السلفية، ايا كان تعريفها والمؤمنين بفكر قيامي و'مسياني' الا ان تدفع الباحث لقراءتها في هذا الاطار واخذ الاحداث نفسها بعين الاعتبار.

سياسة التعتيم

ولاسباب تتعلق بالدولة السعودية التي انهت ملف العملية باعتقال واعدام 60 او اكثر من المتورطين في العملية وسجن المئات. وادى تعتيمها على ملفات الحركة والتحقيقات الى ظهور تفسيرات متعددة لرمز جهيمان تتراوح من الفهم الطبقي- الاشتراكي، الى تصفية الحسابات التاريخية مع الدولة السعودية الحديثة ومواصلة كفاح حركة 'الاخوان' الذين قاتلهم مؤسس الدولة السعودية الملك عبدالعزيز بن سعود في معركة 'السبلة' عام 1929، الى فهم اخر مرتبط بالتحولات التي شهدتها السعودية وعمليات الحداثة والتحولات من المجتمع البدوي الى حضري، فبدوية جهيمان وسنوات هروبه من الشرطة السعودية اثرت في البعد التحليلي لهذه الحركة. ومن هنا بدا جهيمان في كتب الناقدين للدولة السعودية ثائرا وفي كتابات اتباعه او من تبقى منهم منظرا جهاديا له اراء في شرعية الدولة السعودية. لم يعرف الكثير من التفاصيل عن الهجوم مع ان الدولة السعودية اصدرت كتابا صغيرا عن الحركة 'وتموت الفتنة' (1980) سرعان ما سحب من الاسواق، وهو كتاب دعائي يتحدث بلغة الادانة عن 'الطغمة الخارجة' و 'الزمرة' والخوارج الذين احتلوا الحرم المكي. ولعل تعتيم الحكومة السعودية واحد من الاسباب التي ادت الى الجدل حول شخصية جهيمان العتيبي واتباعه، فافكاره التي وضعها في رسائله المعروفة والتي طبعت في الكويت تمثل المصدر لفهم الدوافع والاسباب التي ادت به وجماعته لمواجهة الدولة السعودية وتحدي شرعيتها. واضافة الى الرسائل التي ظلت متداولة بين قطاع ضيق من المهتمين بالحركة وافكارها، فهناك بعض الكتب بالعربية من مثل كتاب رفعت سيد احمد 'رسائل جهيمان العتيبي قائد المقتحمين للحرم'، وعدا ذلك روايات من كانوا جزءا من الحركة وانشقوا عنها قبل بداية الهجوم او من سجنوا وخرجوا من السجن، وفي المحصلة فالادبيات عن حركة جهيمان ظلت قليلة حتى وقت قريب. ومع ظهور السلفية الجهادية ومنظريها من مثل ابو محمد المقدسي، وانتشار مراكز البحث التابعة للسعودية او لدول اخرى مهتمة بالظاهرة الجهادية السلفية، وظهور جيل من الكتاب السعوديين ممن تخلوا عن افكارهم الجهادية وفتحت لهم الابواب للكتابة في الصحف السعودية وتلك في الخارج، ونشر بعضهم مذكراته وكتبا حيث قدمت هذه االمذكرات اضاءات على حركة جهيمان اصبح بيدنا الان تراث وكم من المعلومات يتمكن الباحث المهتم من دراستها والحكم عليها. ويضاف الى هذه الكتب اهتمام غربي بالحادثة حيث صدرت عدة كتب باللغة الانكليزية عنها منها كتاب ياروسلاف تروفيموف 'حصار مكة: انتفاضة عام 1979 في اقدس بقعة اسلامية' (2007) وقد حصل الباحث الامريكي هذا على اذن من مركز فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية في الرياض. كما واصدر الباحثان توماس هيغهامر وستيفان لاكروا دراسة حديثة 'تمرد مكة: قراءة جديدة لقصة جهيمان العتيبي' وقد ظهرت ترجمة الكتاب العربية بعنوان ' 'حتى لا يعود جهيمان: حفريات ايديولوجية وملاحق وثائقية'، حيث قام المترجم السعودي حمد العيسى، باضافتها للكتاب وحقق بعض نقاط الكتاب الاصلي. وعلى الرغم من ان الكاتبين يعتمدان على احد اعضاء الحركة السابقين وهو ناصر الحزيمي الذي يقول المترجم في مقدمته انه تحول 180 درجة من المعسكر الرفضي الى نقيضه. وكان الحزيمي قد سجن ثمانية اعوام في قضية جهيمان حيث قرر الانشقاق عن الحركة احتجاجا على الفكرة المهدوية التي باتت تسيطر على فكر جهيمان ولعلها كانت نتاجا لهروبه عامين من الشرطة وهيامه على وجهه الا من مجموعة من اتباعه لم يتعدوا الخمسة في غالب الاحيان من الشرطة حيث اختبأ في مضارب البدو. ويرى المترجم ان كتاب هيغهامر ولاكروا مهم من ناحية علمية لانه يقدم معلومات ليست معروفة للكثير من السعوديين، في داخل السعودية، ولهذا فالعيسى مهتم بان تصل افكار الكتاب للسعوديين، اضافة للمهتمين بقصة جهيمان العتيبي، ولعل اختياره للعنوان البديل، الذي استوحاه من استنتاجات الكاتبان، دعوة للاستفادة من دروس الماضي واعادة النظر في الاسباب والجذور التي ادت لولادة حركات مثل حركة جهيمان. ولعل تكتم الدولة على المعلومات والوثائق وعدم توعية المجتمع بما جرى كان مدعاة لظهور حركات اكثر تطرفا وانقلابية مثل تنظيم القاعدة الذي قاده اسامة بن لادن حتى مقتله عام 2012.

فتحت الخزائن

والغريب ان الباحثين الاجانب تفتح لهم خزائن المعلومات والوثائق فيما تغلق الابواب امام الباحثين من ابناء الوطن وتثار حولهم الشكوك، الا في حالة كونهم ممن يقدمون رؤية تخدم النظام او الحكومة في هذا البلد او ذاك. ويعترف الكاتبان في مقدمة الكتاب بالسرية التي احيط بها الحادث وفظاعته، لان احدا لم يكن يتوقع تعرض الحرم المكي لهجوم مثل هذا ادى الى انتشار الشائعات، حيث قال الاعلام السوفييتي ان الهجوم جاء نتاج ثورة قامت بها الطبقة العاملة ، كون الذين نفذوا العمل جاءوا من حي فقير في المدينة المنورة ومن اصول بدوية، فيما قالت صحيفة 'نيويورك تايمز' ان الهجوم قام به مسلمون شيعة متأثرون بالثورة الايرانية. وقامت مظاهرات غاضبة في الباكستان بعد انتشار شائعة تقول ان الهجوم جزء من خطة امبريالية امريكية للسيطرة على الاماكن المقدسة في السعودية. والغموض لم يكن حكرا على القطاعات الشعبية في العالم الاسلامي بل طبع برقيات الكثير من السفراء والمبعوثين الدبلوماسيين واللقاءات التي اجراها مسؤولون امريكيون مع مسؤولين عرب، فحسني مبارك منع صحيفة 'الاهرام' من نشر خبر عن انتشار العنف في مدن سعودية مختلفة، وهناك برقية تتحدث عن الموقف السوري الذي اتهم الامبريالية والصهيونية، وشكوك المؤسسات العربية الحاكمة من استخدام الشيوعية للحادث حيث تمت قراءة الحادث في ظروف الحرب الباردة، وما الى ذلك من البرقيات والمراسلات الاجنبية خاصة الامريكية التي ترجمها العيسى وارفقها بصور يقول انها تنشر لاول مرة عن ثلاثة من جنود القوات الخاصة الفرنسية الذي نصحوا القوات السعودية الخاصة حول كيفية استخدام غاز اعصاب ' سي بي' يشل حركة من تبقى من المقاتلين.

من هم؟

وفي قلب تساؤلات الباحثين 'من هم؟ وماذا يريدون؟' اي المتمردون. ويرى الكاتبان ان جماعة جهيمان لم تكن سوى فرع صغير من جماعة اخرى وهي 'الجماعة السلفية المحتسبة' وكلمة 'المحتسبة' اضافها الشيخ عبد العزيز بن باز الذي كان احد رعاة الجماعة عندما كان مديرا للجامعة الاسلامية في المدينة المنورة. وكاتت تعرف ايضا باسم 'جماعة الدعوة المحتسبة'، وانشق فرع جهيمان بعد حادثة معروفة 'حادثة السطح'، وآمن اتباعها بمهدوية محمد القحطاني الذي سيرسم في الحرم كمهدي اخر الزمان، اي بين الحجر الاسود ومقام ابراهيم، وبعدها تقوم القيامة وينتهي الكون. ويقول الكاتبان ان الحركة التي نشطت في الستينات من القرن الماضي تمثل تيارا 'رفض' في التيار الاسلامي العام الذي كان ينشط في السعودية مثلها مثل بقية الدول العربية، فهي لم تكن محصنة من تيارات الاسلام، السياسي منه او الدعوي والتبلغي. ويجادل الكتاب ان الجماعة السلفية المحتسبة اختفت في السعودية بعد الهجوم على الحرم الا ان بعض عناصرها وافكار الفرع الرافض منها نجا وظل حيا بين المؤيدين له في الكويت وفي افكار ابو محمد المقدسي الذي اصبح منظر التيار السلفي الجهادي، حيث درس في المدينة وسافر الى افغانستان.

دور ناصر الدين الالباني

ويؤكد الكتاب على الدور الذي لعبه الشيخ محمد ناصر الدين الالباني في افكار الجماعة المحتسبة والاثر الذي احدثته كتاباته على الفكر الوهابي السعودي، وذلك بقراءة علاقة المحدث المعروف بالسعودية وعمله وان كان قصيرا في الجامعة الاسلامية. والجدل الذي احدثته في السياق الوهابي، فالالباني ظل يؤمن ان مؤسس الدعوة السلفية كان في العقيدة سلفيا ومقلدا في الفقه لمذهب ابو حنيفة. ويعرف الجميع ان كتابات وتحقيقات الشيخ الالباني لم تلق قبولا من العلماء السعوديين الذين اتهموا بعدم معرفتهم العميقة في علم الحديث، ولعل كتاب 'حجاب المرأة المسلمة' الذي قال فيه ان وجه المرأة 'ليس بعورة' اثار الكثير من الجدل لانه يضعف من حالة 'نقاب الوجه'، وايا كان فالالباني ضمن سياق الكتاب ينظر اليه على انه واحد من المؤثرات التي اثرت على افكار هذه المجموعة الشابة التي كانت اعمار افرادها تتراوح ما بين الخامسة عشرة الى الاربعين، فكتابه 'صفة صلاة النبي' اثر على تصرفات ابناء الحركة الشعائرية من ناحية رفضهم مثلا فكرة المحراب في الجامع باعتبارها بدعة وجواز الصلاة بالاحذية وما الى ذلك. ويأتي ربط الالباني بالجماعة هذه التي رفضت الدولة وشككت في شرعية آل سعود باعتبارهم يفتقدون شرط ' القرشية' في الامامة في وقت لم يرتبط فيه الالباني ولا اتباعه من السلفيين التعليميين او الداعين لفهم وتعلم الحديث، بالسياسة. وشعار الالباني الذي تحول لعقيدة داخل اتباعه ' من السياسة ترك السياسة' جعله في جبهة حرب مع الحركات الاسلامية الاخرى ذات البرامج السياسية من مثل الاخوان المسلمين الذين اتهم قادتها بعدم العلم بالحديث والاهتمام به، ورفض اجتهادات سيد قطب وناقش ان مؤسس الحركة، حسن البنا لم يكن عالما. ويجب لفت الانتباه هنا الى ان الكاتبيين لا يحملان الالباني مسؤولية فكرية او سياسية بل يشيران الى الجذور الايديولوجية لجماعة الرفض الجهيمانية هذه. ويرى الكاتبان ان حقيقة رفض الحركة السلفية المحتسبة تكفير الحكام جعل افرادها ينتظرون 'التدخل' الالهي على شكل المهدي ليحل المعضلة.

فكر الرفض

ينفي الكتاب هذا اية علاقة بين فكر الجماعة المحتسبة وفكر الصحوة في السياق السعودي والذي نشأ نتيجة تلاقي وتلاقح مؤثرات السلفية التقليدية وفكر الاخوان المسلمين، ويرى ان فكر الرفض كما يمثله جهيمان واتباعه نتج بتأثير من اقكار وطموحات كل من المفتي العام للسعودية في حينه الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ والشيخ عبد العزيز بن باز، وان الحاضنة له كانت المدينة المنورة حيث عمل عدد من طلاب العلم على نشر الفهم الصحيح للاسلام في الاحياء الفقيرة، ولعل حادثة تكسير التماثيل 'المانيكان' في وجوه المحلات عام 1965 تعبر عن فهم الشباب للامر بالمعروف وتغيير المنكر وقد نشأ عن هذه الحادثة الجماعة المحتسبة والتي باركها بن باز واصبح من اقطابها الشيخ ابو بكر الجزائري. ولعل ما يميز هذه الجماعة انها كانت تهدف في البداية للاصلاح ونشر العلم واستقبلت اقطاب العلم من دول عربية ومن ممثلي جماعة اهل الحديث في شبه القارة الهندية ولم تكن السياسة جزءا من تفكيرها. وتشي حادثة تكسير التماثيل برفض اتباع الحركة لاي مظهر من مظاهر الحداثة حيث رفضوا بطاقات الهوية والجوازات لانها تعبر عن ولاء لغير الله. وكونها حركة دعوية فقد كان وجود الاجانب وطلاب العلم من دول العالم العربي فيها واضحا، ولعل مقبل بن هادي الوادعي الذي رحل لليمن كان من اعضاء الجماعة. ويتذكر كيف انه حاول التوسط بين التيار المتطرف في الحركة وعدد من علماء المدينة 'بيت الاخوان' وهو مقر الجماعة عام 1977 حيث التقوا بهم على سطح البيت، ولكن الامور وصلت الى حالة اللاعودة حيث برز جهيمان كأهم وابرز قائد في الحركة التي اصبحت اكثر تشددا.
صعود جهيمان

ومنذ ذلك الحادث 'حادثة السطح' اصبحت الحركة السلفية المحتسبة عنوانا لجهيمان واخوانه، وتراجع التيار المعتدل لصالح المتشدد الممثل بجهيمان محمد بن سيف العتيبي الذي كان في الاربعينات من عمره. وفاز جهيمان بالقيادة للكاريزما التي كان يتمتع بها ولكونه من السابقين في الجماعة. ولا تزال الاسئلة تدور حول اهميته العلمية وقدراته التنظيرية ونسبة الرسائل اليه، فهو لم يتم سوى الصف الرابع من دراسته ولم ينضم للجامعة، ولكنه كان من الذين يواظبون على دروس العلم التي كانت تعقد في 'دار الحديث' في المدينة. ومثلما يدور الجدل هو اهليته العلمية، تثور تساؤلات حول اسباب تركه الحرس الوطني الذي كان يعمل فيه هل طوعا ام لارتكابه فعلا ما، ولا يعرف سبب انتقاله للمدينة المنورة. وايا كان فجرأة جهيمان على انتقاد العلماء اهلته للقيادة، هذا ما يقوله تحليل الكاتبين اللذين يذهبان ايضا الى ان جهيمان لم يكن متحدثا جيدا باللغة الفصحى مما يضع اسئلة حول تأليفه للرسائل (12 رسالة) والتي طبعتها دار الطليعة اليسارية ووزعت سرا في السعودية، ولعل اهمها رسالة 'البيعة والطاعة'، التي اتهم فيها المؤسسة الحاكمة بالفساد وطلب الدنيا وحث اتباعه على الاستقالة من اعمالهم في مؤسسات الدولة. واحيت رسائله الكثير من افكار العلماء التقليديين الوهابيين مثل سليمان بن عبدالله آل الشيخ وحمد بن عتيق. ومن اهم ملامح دعوة جهيمان هي المهدوية، حيث خصص الرسالة الاولى للمهدي وصفاته وشروط ظهوره واستلهم فيها كل التراث الحديثي. وايمان جهيمان بظهور المهدي كان قويا، حيث يميل الكاتبان الى هذه النظرة، وهي فكرة شائعة واشار اليها الجمحي في كتابه 'تنظيم القاعدة: النشأة.. الخلفية الفكرية والامتداد'، وقال ان جهيمان اعتقد بظهور المهدي فبدأ بالاعداد لاحتلال الحرم، وهذا جزء من التفسيرات التي سيقت في محاولة معرفة دوافع جهيمان، فاليساريون العرب نظروا اليه كقائد ثورة شعبية ضد آل سعود، والبعض الاخر اشار الى فكر التكفير والهجرة واستندوا الى وجود عشرة مصريين ضمن المعتقلين واخرون رأوا فيها امتدادا لحركة العشرينات من القرن العشرين خاصة ان والد جهيمان كان ممن قاتلوا ابن سعود. وكل هذه التحليلات لا تشفي الغليل وعليه يقترح الكتاب مدخلا اخر وهو فهم الحركة على انها نتاج من عمليات مجتمعية معقدة كانت السعودية تمر بها.
تفسير جديد

ومن اجل فهم جهيمان ودوافعه يقترحان التمييز بين 'الحركة السلفية المحتسبة' من جهة و 'اخوان جهيمان' من جهة اخرى. فظهور الحركة الاولى مرتبط بتغييرات اجتماعية واقتصاية في الستينات والسبعينات، منها محاولة المؤسسة الدينية التقليدية الحفاظ على موقعها بالتأكيد على المحافظة في مجتمع بدأ يتجه تدريجيا نحو الحداثة والانفتاح، اضافة لوصول تيارات ايديولوجية جديدة من الخارج، والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن التحديث السريع للبلاد. ومن هنا فظهور جماعة جهيمان كتيار رفض اتبع النمط الكلاسيكي الذي يمكن تسميته 'التطرف الجمعي' يظهر عندما ينشق فصيل صغير عن جماعة معتدلة بعد عملية نقاش وتسييس ونقاش داخلي. وعليه فسلوك هذا الفصيل يتم تحديده عبر القيادة الشخصية وسلوكها والايديولوجيا لا العناصر البنيوية والاقتصادية والاجتماعية او السياسية.
كتاب هيغهامر ولاكروا مفيد في تحليل الظاهرة الجهيمانية كظاهرة رفض في تيار حركات الاسلام السياسي السلفي في السعودية وقراءتها ضمن تدافع تيارات استفادت من الموروث السلفي التقليدي، والخارج عنها، وباعتبارها حركة رد فعل ضد تيارات 'الصحوة'، الا ان استحضاره للدور الذي لعبه الالباني قد يعطي فكرة ان حركة جهيمان ليست وليدة عوامل داخلية في السياق السعودي بل نتاج افكار خارجة عنه، باعتبار الالباني السوري ورجل الحديث الخارج عن سياق مؤسسة العلماء تحول ليس الى ملهم فقط للتيار الرافض في 'الجماعة السلفية المحتسبة' بل والمتحالف مع السلطة من الجامية واتباعها، مما يعطي في النهاية فكرة ان التطرف فكر طارىء على السياق السعودي ويذكرنا بالهجمات التي تساق اليوم في معظم دول الخليج على الاخوان المسلمين باعتبارهم سبب المشاكل مع ان هذه الحركة وغيرها لم تكن في يوم من الايام تيارا سائدا ومتسيدا في الفكر والحركة في هذه الدول، ونقطة مهمة اخرى هي ان تحليل ونقاش الباحثين شابه الكثير من التكرار وهذا عائد الى كون الكتاب مقالين كتبا في اوقات مختلفة. واخيرا نشير الى نقطة مهمة كنا نتمنى لو لقيت تحليلا موسعا وتتعلق بالبعد المهدوي والقيامي- القياموي في حركة جهيمان، ففكرة المهدي كانت يمكن ان تقرأ في سياق تاريخ حركات التجديد التي شهدها الاسلام في افريقيا ومناطق اخرى في السابق، مع ان الباحثين اشارا الى دراسة جين بيير فيلو حول 'القياموية في الاسلام' خاصة حركات شيعية في العقود الاخيرة من القرن العشرين من مثل 'جند السماء' و 'انصار المهدي' ولعل فكرة المهدي عند الشيعة مرتبطة عادة بالانتظار وظهوره، غير المهدي في الفكر السني التي جاءت نتيجة تأكيدات صوفية عليها. وفي النهاية يعتبر هذا الكتاب اضافة لمحاولاتنا التعرف على شخصية جهيمان الذي تداخلت افكاره مع الجهاديين العائدين من افغانستان ولو بشكل محدد. ولا يقلل من الجهد المبذول من المحقق والمترجم والملاحق المهمة التي ارفقها في الكتاب.

الكتاب:
حتى لا يعود جهيمان
حفريات ايديولوجية وملاحق وثائقية نادرة
توماس هيغهامر وستيفان لاكروا
ترجمة وتحقيق: حمد العيسى
منتدى المعارف بيروت 2013

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6719


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة