الأخبار
منوعات
دروس من بوسطن
دروس من بوسطن
دروس من بوسطن


04-28-2013 03:49 AM
في السنوات التي تلت اعتداءات 11 سبتمبر، كانت ردود الفعل تجاه الأعمال الإرهابية مبالغاً فيها نسبيّاً في الولايات المتحدة. ولكن بعد تفجير بوسطن، تكبّد الرئيس الأميركي باراك أوباما العناء ليحافظ على الهدوء، بخلاف ما شهدناه سابقاً. أولريخ فيشتنر ألقى الضوء على هذه المسألة في «شبيغل».

وميض انفجارين، أطراف مقطعة، ثلاثة قتلى، أحدهم ولد، وآلاف الأبرياء الذين هاجمهم مجرمون حوّلوا يوماً سعيداً إلى اليوم الأسوأ على الإطلاق. هذا ما حدث في بوسطن. لكن الخبر الأسوأ: سيحدث ذلك مجدداً، عاجلاً أو آجلاً، في مكان وزمان مختلفين لأن هذا هو العالم الذي نحيا فيه.
يُعتبر ما حدث في بوسطن جزءاً من الحياة اليومية في بغداد وكابول، خطرًا مستمراً في تل أبيب والقدس، وخوفاً مقلقًا في موسكو ولاهور وإسلام أباد. كذلك تحوّلت أعمال العنف الكبيرة إلى مجرد حوادث صادمة في بيسلان في جمهورية أوسيتيا الشمالية الروسية، قرى بالي وتونس، مصر، الجزائر، والنرويج. كذلك حفرت بصمتها في تاريخ مدن كبرى عريقة، مثل لندن، مدريد، مومباي، مراكش، إسطنبول، جاكرتا، ونيويورك.
منذ اعتداءات 11 سبتمبر عام 2001، شهدت هذه الأماكن كافة اعتداءات إرهابية ارتكبها مجرمون. وكان دافعهم إلى ذلك أوهام الإسلام السياسي أو التطرف اليميني أو الخطط الكبرى للقومية والانفصالية. ولا شك في أن هذه الدوافع كافة فارغة لأنها تعجز عن إقناع معارضيها بأسباب قد تبرر قتل الأولاد عشوائيّاً.
لذلك يختلط الحزن بغضب لا يمكن التعبير عنه، خصوصاً لدى مَن يعيش في الولايات المتحدة. خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، كان المجرمون يُهدَّدون دوماً بالقتل والحرب وبالملاحقة المستمرة حتى أقاصي الأرض. فقد قُطعت الوعود ببذل أقصى الجهود لمطاردة الإرهابيين، من دون إدراك أن خطر الإرهاب الحقيقي يكمن في قدرته على إطلاق هذا الدفق العشوائي من التهديدات. فأنماط التفكير البربرية التي يعتمدها المعتدون تبدأ ببث تأثيرها القاتل الحقيقي عندما يلجأ الضحايا الأبرياء بحد ذاتهم إلى العنف.

خروج عن التقليد السلبي

منذ اعتداءات 11 سبتمبر، اعتادت الولايات المتحدة الإسراع إلى التشكيك في قوة الدولة الدستورية المدنية. فصُنّف التعذيب {تقنيات استجواب محسنة} واعتمد. حتى اليوم ما زال الإرهابيون يُقتلون بواسطة طائرات من دون طيار بلا الخضوع لمحاكمة أو حتى جلسة استماع. كذلك لا يزال معسكر الاعتقال في خليج غوانتانامو رمز فكرة أن القوى العظمى في الغرب مستعدة للتلاعب بقيمها. ولا شك في أن ذلك كله يقوي يد الإرهاب، لا يضعفها.
لكن رد الفعل الرسمي الأول في الولايات المتحدة بعد تفجير بوسطن بدا مشجعاً، فقد بذل الرئيس أوباما قصارى جهده ليحافظ على هدوئه، كاسراً التقليد البغيض الذي ساد خلال عهد بوش. فلم يعد بالانتقام فيما يتحدث عن حكم القانون. يدرك أوباما جيداً أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى قوانين جديدة مناهضة للإرهاب، وكالات حكومية جديدة، توسيع عمليات الشرطة وأجهزة الاستخبارات، ولا المزيد من الخطابات النارية.
لا شك في أن الأجهزة الأمنية طاردت المشبه بارتكابهما الاعتداء بلا هوادة، وامتلأت شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً موقع {تويتر}، باتهامات خاطئة وعبارات الكره والحقد. إلا أن ذلك كله لا يبدل حسن تصرف أوباما، الذي أدلى بخطاب دلّ على أنه حقّاً أحد كبار جال الدولة: فقد بدا هادئاً وواثقاً من سلطة الرئيس الشرعية المدنية الواسعة.
شكّلت الملكة إليزابيث الثانية نموذجاً يُحتذى به، عندما تمكنت من التصرف بالطريقة عينها خلال تفجيرات لندن عام 2005. فقد عبّرت لرعاياها عن مدى حزنها وتعاطفها مع الضحايا، وشكرت خدمات الطوارئ وشعب لندن، ومن ثم ذكرت بشكل موجز ومعبّر: {يجب أن يعلم مَن ارتكبوا هذه الأعمال العنيفة ضد أناس أبرياء أنهم لن يبدّلوا طريقة حياتنا}.
هذا هو حقّاً صوت الحضارة، ولا يمكن أن يسكت لأن عدداً من سكان الكهوف يشعرون دومًا أنهم مهمشون. ينبغي التشديد اليوم وكل يوم على أفكار الملكة إليزابيث وكلمات أوباما الهادئة، خصوصاً عندما يضرب الإرهاب مجدداً. يجب أن تكون الرسالة إلى هؤلاء القتلة واحدة: لا يمكنكم تغيير حياتنا. تستطيعون تفجير قنابلكم، إلا أن حضارتنا، قيمنا، ومجتمعنا أقوى من رغبتكم في تدميرها. ولا شك في أن هذه الأجوبة الفضلى على الإرهاب، مهما كان نوعه.
معيار مزدوج

تستند هذه الأجوبة أيضًا على تقييم موضوعي لعصر العنف هذا الذي بدأ في مستهل القرن الحالي. ولكن من المؤسف أن بعض الأميركيين ما زال يفتقر إلى رجاحة العقل. قد تبدو الرغبة في النظر إلى حصيلة الضحايا نظرة موضوعية بعيد اعتداء مريع غير لائقة، إلا أننا لا ننفك نلاحظ السلوك عينه: تأتي ردود الفعل تجاه الأعمال الإرهابية في الولايات المتحدة مبالغاً فيها نسبياً، وتعمل شبكات التواصل على تعزيز هذا الميل. فكل مَن تابع دفق التغريدات على {تويتر} عقب تفجير بوسطن يظن أن الضحايا الأميركيين أكثر أهمية من غيرهم.
لا داعي لأن نتمتع بطاقات خارقة لنتوقع أن يكون رد فعل وسائل الإعلام في بوسطن، مجدداً، أوسع وأطول مما اعتدناه في الحالات المماثلة في دول أخرى. على سبيل المثال، عندما قُتل نحو 800 شخص وأُصيب أكثر من ألف وخمسمئة خلال أربع عمليات انتحارية في منطقة سنجار في العراق في أغسطس عام 2007، كان رد فعل وسائل الإعلام كبيراً، إلا أنه بدا أكثر هدوءاً مما نشهده اليوم مع تفجير بوسطن، الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وجرح أكثر من 180 آخرين. على نحو مماثل، نُقل تفجير بغداد، الذي أودى بحياة 27 شخصاً يوم الخميس، إلى الصفحة الثانية من صحف يوم الجمعة بسبب تفجير بوسطن.
إذًا، نرى هنا معياراً مزدوجاً. وهذه بالتأكيد فضيحة قلما نأتي على ذكرها. ولكن لتقويض الإرهاب، لا بد من الإعراب عن التعاطف ذاته مع أخبار الضحايا من مختلف أنحاء العالم، وعدم خصّ الأميركيين بمعاملة مميزة. عندئذٍ تتشكّل حقًّا حركة مناهضة للإرهاب.
لكن بدلاً من ذلك يكتفي كثر عادةً بالنظر إلى أنفسهم، ما يؤدي إلى خلل كبير في وجهات النظر. على سبيل المثال، قارنت صحيفة {نيويورك تايمز}، مع أنها تدرك على الأرجح عدم صواب خطوتها هذه، موقع الانفجارين قرب خط النهاية في ماراتون بوسطن بمنطقة حرب. وهذا بالتحديد نوع العبارات الذي تفاداه أوباما في خطابه. فلا تحوّل قنبلتان انفجرتا في بوسطن المدينة برمتها إلى منطقة حرب. ولا شك في أن المشاهد التي عُرضت على شاشات التلفزيون طوال أيام تؤكد عدم صحة الوصف.

أمن مطلق

لا تتحول بوسطن إلى منطقة حرب، إلا إذا مُلئت عقول الناس باستمرار بلغة الحرب، بعبارات وصفية لا تخطر في بال إلا مَن يعتبرون أنفسهم في حالة حرب. ومن المؤسف أن هذا ما حدث مع كثير من الأميركيين، خصوصًا السياسيين الأميركيين، خلال السنوات الأخيرة.
عوض أن يكرّسوا حياتهم لتنمية الولايات المتحدة، تطوير ثقافتها، حلّ مشاكلها الاجتماعية الكثيرة، وتعزيز أيضاً مواضع قوتها المختلفة، سمحوا للشعور الخطر والمتفشي، شعور أن البلاد تواجه خطراً قوميّاً متواصلاً، بأن يتغلغل في أنفسهم. وبدل أن يتمسكوا بنمط حياتهم، كما شددت الملكة، غيّروها نحو الأسوأ، معللين النفس خطأً أنهم سيتمكنون من التوصل إلى الأمن المطلق. لكن الأمن المطلق مستحيل في الدول الديمقراطية.
لا بد من الإقرار بعدم وجود جواب شاف للسؤال: كيف يجب أن تتفاعل الحكومات والمجتمعات الحرة مع الإرهاب المجزأ اليوم؟ يبدو أننا حللنا إلى حدّ ما الجانب التقنية من هذه المشكلة، فقد أُنشئت أجهزة أمنية قوية في مختلف أنحاء العالم منذ صدمة 11 سبتمبر، ولا يمكن لأحد أن ينكر نجاحها في محاربة الإرهاب. فقد ساهمت شبكات رجال الشرطة وعملاء الاستخبارات والجنود في إفشال كثير من الاعتداءات.

خطر حقيقي

تتمتع المحاكم أيضاً اليوم بحرية كافية لإجراء التحقيقات وإدانة حتى المجرمين لمجرد التخطيط لأعمال إرهابية لم ينفّذوها بعد. لكن ذلك كله لا يحلّ مشكلة الحدّ من التوتر الدائم الذي تواجهه المجتمعات، فضلاً عن الضرر السياسي والثقافي الذي يسببه الإرهابيون. لم يتم التوصل بعد إلى وسيلة لنمنع هذا التوتر من تحويل المجتمعات المنفتحة إلى مجتمعات مغلقة تفتقر إلى الحرية. ولا شك في أن هذا يشكّل خطراً حقيقيًّا يهدد الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.
يثير هذا الواقع عدداً من الأسئلة التي لا تخلو من القلق: هل ما زالت هولندا، بعد الجرائم التي ارتكبها متعصبون وبعد الجدالات الحامية في شأن الهجرة والأقلية المسلمة، البلد ذاته الذي كانت عليه قبل 10 سنوات أو 20 سنة؟ وعقب الأعمال الرهيبة التي ارتكبها أندريس بريفيك المجنون، أما زال بإمكان النرويج الحفاظ على ديمقراطيتها المعقدة من دون أي تسويات؟ وهل استطاعت بريطانيا العظمى، التي تملك على الأرجح كاميرات مراقبة في المناطق العامة أكثر من أي بلد آخر، الحفاظ على نمط حياتها منذ عهد إرهاب الجيش الجمهوري الأيرلندي والنشاطات الأخيرة للمتطرفين الإسلاميين؟
يعطي عالم الإحصاءات وعلم الاجتماع فكرة عن مدى غرابة المناظرات الاجتماعية والحالة الذهنية الجماعية أحياناً. على سبيل المثال، قد يكون الخوف من الجريمة في مجتمع ما بعيداً كل البعد عن الخطر الفعلي. فقد يكون صغيراً، مع أن الخطر كبير، كما قد يكون مبالغاً فيه في حين أن هذا الخطر شبه غائب. ومن المؤكد أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً مهمًا وأحياناً معيباً في هذا الإطار. وعندما يندمج تأثيرها مع تأثير السياسيين، يصوغ نظرة المجتمع إلى ذاته بطرق دقيقة وحساسة.
في السنوات التي تلت اعتداءات 11 سبتمبر، أساءت الولايات المتحدة الحكم على مستويات الخطر الفعلية. لا شك في أن خطر وقوع اعتداء مدمر كان قائماً ولا يزال اليوم. ولكن عندما نتأمل الوقائع، ندرك أن خطر تحوّل الفرد إلى ضحية عمل إرهابي كان نادراً جدّاً. ومن المؤكد أنه أصغر بكثير مما صورته المناظرات الحامية التي تدور في آن حول الإرهاب وحول حماية دولة نفسها بأكثر الطرق فاعلية وأشدها عنفاً. لكن الوضع تبدّل مع اعتداء بوسطن المؤسف.
بخلاف ما نقرأه ونسمعه هنا وهناك، لم يكن الدرس الذي حمله اعتداء بوسطن أن الإرهاب عاد إلى الولايات المتحدة. ففي هذه الأزمنة الحرجة، يُعتبر الإرهاب دوماً احتمالاً مخيفاً. وعندما يضرب يجب ألا ندعي أننا تفاجأنا أكثر مما نحن عليه حقّاً. فكلما كان رد فعلنا تجاه الإرهاب روتينيّاً، ضعف تأثيره. وكلما تعاطفنا مع القوة المدنية التي تتحلى بها مجتمعاتنا العصرية الديمقراطية، بدت الاعتداءات بلا جدوى. هذا هو الدرس الفعلي الذي نستخلصه من تفجير بوسطن: لا يمكن للقنابل والإرهاب أن يدمرا طريقة عيشنا. سيُقام ماراتون بوسطن عام 2014، وسيكون مجددًا يومًا للاحتفال.

الجريدة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 456


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة